كتاب: نصوص حول البيروقراطية

Print Friendly

نسخة معدة للطبع الورقي

نسخة للإطلاع الإلكتروني

تقديم:
إن إحدى أخطر المسائل التي تواجه الذين ينتسبون إلى الماركسية هي مسألة طبيعة الاتحاد السوفياتي الاجتماعية، أي الطبيعة الطبقية للسلطة القائمة فيه. طبعا ليس الأمر موضوع نقاش بين أرباب الفكر البورجوازي: بالنسبة لهؤلاء، المسألة بسيطة ومحسومة. فالاتحاد السوفياتي «دولة شيوعية» كما يقولون.
أمّا بالنسبة لأرباب الحكم القائم في الاتحاد السوفياتي وأنصاره فليست المسألة بأكثر تعقيدا: إن الاتحاد السوفياتي في نظر هؤلاء الآخرين «دولة اشتراكية».
بيد أن هذه الأجوبة الجاهزة التي لا تستند إلى تحليل علمي بقدر ما تستند إلى عداء أو ولاء مسبقين، لا يمكنها أن ترضي جمهور الماركسيين الذين لا يرون في الاتحاد السوفياتي بوضعه الراهن تجسيدا نموذجيا للهدف الاشتراكي ولا يكتفون بالأجوبة الجاهزة، بل يسعون وراء التحديد العلمي –الماركسي لطبيعة الدولة السوفياتية الذي يسمح بفهم سياساتها وصياغة موقفهم منها.
بين هؤلاء، أي الماركسيين المستقلين عن السلطة القائمة في الاتحاد السوفياتي، يدور منذ ولادة تلك الدولة، إثر ثورة أكتوبر 1917، نقاش من أعقد النقاشات التي عرفها تاريخ الماركسية. وقد كان النقاش في البدء محصورا، لكنه توسع عندما حلت الديكتاتورية البيروقراطية الستالينين محل الديكتاتورية العمالية الثورية التي شهدتها أولى سنوات الدولة السوفياتية. مذاك انقسم المعارضون الماركسيون للحكم القائم في موسكو إلى فئتين: إحداهما تعتبر أن الدولة السوفياتية دولة بورجوازية في جوهرها مع ما يستتبع ذلك من وصف لسياستها الخارجية بالإمبريالية وهلم جرا. وفئة ثانية وضع ليون تروتسكي أسس نظريتها، تعتبر أن الانحطاط البيروقراطي للسلطة القائمة في الاتحاد السوفياتي لم يبدل من الطبيعة الطبقية البروليتارية للدولة السوفياتية.
وبالطبع فقد أفضى كل تحليل إلى موقف يتعارض تعارضا كاملا مع الموقف الناجم عن التحليل الآخر. فبينما رأت الفئة الأولى في الاتحاد السوفياتي عدوا طبقيا وضعته على قدم من المساواة مع الدول الامبريالية، أصر تروتسكي على ضرورة الدفاع عن الاتحاد السوفياتي في وجه البورجوازية العالمية دون أن يعني ذلك بالتأكيد دعم حكام الكريملين، بل مع النضال الدؤوب في سبيل الإطاحة بالحكم البيروقراطي عن طريق بعث المجالس العمالية والعودة إلى الديموقراطية البروليتارية الحقيقية.
منذ أن صاغ تروتسكي نظريته لم يحدث أي تطور نوعي في الاتحاد السوفياتي يقتضي تعديلها في الأساس، لا بل عززت التطورات في كل المجالات (الاقتصادي والاجتماعي والسياسي) تحليل تروتسكي من حيث توكيدها للعديد من توقعاته الجوهرية. وبتحديد أكثر، فإن تطور الاتحاد السوفياتي بعد وفاة ستالين جاء مليئا بالأحداث السياسية والاقتصادية التي كانت بمثابة دعائم لما استشهد تروتسكي بسبب جهره به. ولم يكن المؤتمر العشرون للحزب الحاكم في الاتحاد السوفياتي الذي أدان فيه خروتشوف سلفه غير المرحوم ستالين سوى توكيد لصحة ما كافح من أجله تروتسكي طوال السنوات التي عقبت وفاة لينين حتى استشهاده على يد أحد عملاء مخابرات ستالين. هذا علما بأن تقرير خروتشوف الشهير الذي أدلى به في ذلك المؤتمر لم يتضمن تحليلا لطبيعة الحكم الستاليني بل تضمن إدانة لشخص ستالين محملا إياه المسؤولية الشخصية عن جميع الفظاعات التي شهدها الاتحاد السوفياتي في عهده. ولأن التقرير المذكور لم يتضمن أي تحليل، قلنا أنه ما من تطور نوعي حصل في الاتحاد السوفياتي منذ صياغة تروتسكي لنظريته. فقد أدان خريتشوف شخص ستالين ليتسنى له بالضبط «تغطية» المسؤولية الجماعية التي تقع على البيروقراطية الستالينية التي كان خروتشوف أحد أركانها. ولم يدخل خروتشوف أي تعديل نوعي في بنية الاتحاد السوفياتي، سواء بنيته السياسية أو بنيته الاجتماعية-الاقتصادية.
هذا ما يدحض بحد ذاته النظرية الخرقاء التي صاغها لاحقا ماوتسي تونغ وأتباعه. فقد رأوا في المؤتمر العشرين انقلابا بورجوازيا على ديكتاتورية البروليتاريا التي كان ستالين ممثلها الفذ في نظرهم وتوصلوا إلى هذا الاستنتاج الفظيع الذي تستند إليه سياسة الصين الشعبية تجاه الاتحاد السوفياتي والذي صاغه ماو قائلا:
«إن ما يمارس في الاتحاد السوفياتي في الوقت الحاضر هو دكتاتورية البورجوازية، دكتاتورية البورجوازية الكبيرة، الدكتاتورية من طراز فاشستي ألماني، الديكتاتورية من طراز هتلري». (ماوتسي تونغ في حديث بتاريخ 11 ماي 1963، منشور في كراس «اللينينية أو الإمبريالية الاشتراكية» الصادر عن بكين في أبريل 1970).
طبعا فإن مثل هذا الوصف للاتحاد السوفياتي هو من جملة الأوصاف التي لا تمت إلى العلم بأي صلة، بل تنطلق بصورة كاملة من دوافع (اجتماعية أو سياسية) مسبقة لدى أصحابها.
إن النصوص التي ننشرها في هذا الكراس تشكل بمجموعها شرحا موجزا لكنه واف للنظرية التروتسكية في طبيعة الاتحاد السوفياتي وهي نظرية تنسحب بالطبع على سائر الدول ذات الأنظمة الشبيهة بنظام الاتحاد السوفياتي. أول نص (1966) هو بمثابة مدخل مبسط لتلك النظرية كتبه أحد الأعضاء البارزين في الفرع الفرنسي للأممية الرابعة، هو هنري فيبير. أمّا الثاني والثالث فمن نصوص تروتسكي الأساسية حول موضوع هذا الكتيب: النص الثاني (1933) هو وثيقة ذات قيمة برنامجية شرح فيها تروتسكي لأول مرة نظريته المتكاملة حول طبيعة الاتحاد السوفياتي واستنتج منها ضرورة بناء أممية جديدة، رابعة، بعد أن انحطت الثالثة على غرار الدولة السوفياتية (جدير بالتذكير أن ستالين حل الأممية الثالثة بعد عشر سنوات على المقال الذي نحن بصدده، أي سنة 1943). وفي النص الثالث (1939)، يدحض تروتسكي أطروحات الذين يصفون الاتحاد السوفياتي بالإمبريالية بحيث يتأكد القارئ المعاصر من أن المنادين بنظرية «الإمبريالية السوفياتية» لم يبتكروا شيئا بل سبقهم آخرون على تلك الدرب وقد تصدى لهم تروتسكي. أمّا النص الرابع فهو جزء من وثيقة بالغة الأهمية أقرها المؤتمر العالمي الخامس للأممية الرابعة المنعقد في عام 1957. وقد تناولت الوثيقة التطورات الحديثة للاتحاد السوفياتي والدول التي في فلكه وتضمنت في الجزء الذي ننشره في هذا الكتيب، برنامجا عصريا للنضال ضد البيروقراطية مبنيا على تصور ماركسي ثوري للمجتمع غير الرأسمالي.
وأخيرا فلا يسعنا سوى أن ننصح القارئ بأن يستكمل قراءة هذا الكتيب بقراءته كتاب «الثورة المغدورة» لليون تروتسكي نفسه.
غسان ماجد