كتاب: عندما كان لسان يسمى فرناندو. حياة مناضل أممي مغربي في حرب الغوار السلفادورية، ووفاته
بقلم: لوسيل دوما
ترجمة: م. إسماعيل
على امتداد سنوات 1980، توجه العديد من الشباب الثوريين/ت، من مختلف البلدان، إلى السلفادور لدعم نضال شعب هذا البلد ضد أوليغارشية شرسة مدعومة من الإمبريالية الأمريكية.
انضم العديد منهم/ن إلى صفوف جبهة فارابوندومارتي للتحرير الوطني (FMLN) في حربها الغوارية، بينما دعم آخرون السكان، لا سيما في مجالي الصحة والتعليم. كان هؤلاء الأمميون يأتون بشكل أساسي من أمريكا الجنوبية وأوروبا. ولكن ماذا كان يفعل بينهم لسان الدين بوخبزة، المعروف باسم فرناندو في منظمة حرب الغوار، والذي كان بالتأكيد الأفريقي الوحيد والعربي الوحيد في صفوف الجبهة؟ كيف قرر هذا الطبيب المغربي الشاب السفر إلى السلفادور والانضمام إلى صفوف مقاتلي حرب الغوار؟ ما هي الذكريات التي احتفظ بها رفاقه في النضال؟ في أي ظروف لقي حتفه؟
يحاول هذا الكتاب أن يجيب على هذه الأسئلة، وأن ينقذ من النسيان تجربة خاصة من تجارب النضال الأممي الثوري، خاضها مناضل مغربي لم يتردد في عبور المحيط الأطلسي ليضيف حصاته الصغيرة إلى التاريخ البطولي للشعب السلفادوري.
قضت المؤلفة، لوسيل دوماس، أكثر من 45 عامًا من حياتها في المغرب. شاركت في نشر العديد من المؤلفات الجماعية ونشرت العديد من المقالات حول حياة البلد الاقتصادية والاجتماعية.
****************************
طالب في العاصمة
هكذا كانت حال الشاب لسان عندما حصل على شهادة البكالوريا، وذهب للتسجيل في كلية الطب في الرباط، حيث انضم إليه سائر أفراد العائلة بعد فترة وجيزة، إثر تنقيل والده للمرة الألف. عاش السنة الأولى مع جماعة أصدقائه التطوانيين، الذين وفدوا إلى العاصمة بتزامن معه، في شقة في حي المحيط الشعبي. وعاد إلى منزل العائلة عندما وصلت هذه إلى الرباط، حيث كان لديها مسكن قريب من البرلمان، ولكنه فضل بعد ذلك أن يكون مستقلا أكثر، وشارك مع طلاب آخرين قادمين مثله من الشمال شقة في المركز، ثم مع مجموعة أخرى في حي أكدال، الأقرب إلى الجامعة، مع مواصلة زيارة عائلته من وقت لآخر.
وهكذا، في خريف العام 1973، التحق لسان بالجامعة، مباشرة بعد محاولتي الانقلاب اللتين قامت بهما قطاعات مختلفة من الجيش في عامي 1971 و1972، ومحاولة تمرد مسلح نظمها في مارس 1973 في منطقة الأطلس المتوسط مقاتلون سابقون في جيش التحرير الوطني، تم إحباطها في مهدها بقمع كثيف ووحشي”(1). وجد الجامعة في حال من التوتر شديدة. كان الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (UNEM) الذي تأسس عند الاستقلال في عام 1956 قد تعرض للحظر في يناير 1973، ولم يتمكن من عقد مؤتمر حتى عام 1979، تاريخ الاحتفال بمؤتمره السابع عشر والأخير حتى الآن. تم اعتقال العديد من قادته، وامتدت موجة القمع التي حلت بالانقلابيين في عامي 1971 و1972 منذ عام 1972 ولسنوات طويلة إلى مناضلي اليسار الماركسي اللينيني حديث العهد. كانت تلك سنوات اعتقالات جماعية وتعذيب واختفاءات واغتيالات ومحاكمات سياسية كانت تفضي دائمًا إلى عقوبات سجن مفرطة، بل وحتى عقوبات الإعدام. في هذا السياق، وصل لسان إلى الجامعة، وبرغم ما ينطوي عليه الأمر من مخاطر، انخرط منذ البداية في الحركة الطلابية، ضمن حركة الطلبة القاعديين الجديدة، ووجد نفسه بعد بضعة أشهر على رأس تعاضدية طلبة الطب. المناضل المتضامن والعَزوم – هذه هي الصورة التي يحتفظ بها زملاؤه القدامى عنه – شارك في عام 1979 في حركة لمقاطعة التسجيلات التي اتسمت بالمحسوبية والفساد والتعسف، برغم أن المشكلة لم تكن تعني سوى طلبة السنة الأولى بينما كان هو في السنة الخامسة أو السادسة.
انخرط في الحركة الطلابية بطريقته الخاصة، بالتزام تام دون تبوأ المقدمة، مع حفاظ على استقلاليته وحريته في الحكم والتصرف. شخص آخر من طنجة، طالب في الفلسفة وعلم الاجتماع، هو من «بدأ في توعيتنا بالوضع في المغرب، بالمسألة الاجتماعية، والسياسية. كان قد شارك في المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وفي أحداث عام 1972 المضطربة»، كما يقول سفيان، الصديق الذي رافق لسان إلى إسبانيا. لا ننسى أن معهد علم الاجتماع في كلية الآداب في الرباط كان يعتبر ملاذاً لليساريين، مطبوعا بشدة بالماركسية، لدرجة أن الدولة قررت في عام 1970 إغلاق فضاء الاعتراض السياسي هذا وإنشاء جدع مشترك في الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، حيث خصصت السنة الثالثة للتخصص في إحدى هذه الفروع الثلاثة (2)
يؤكد جميع أصدقائه في تلك الحقبة أن لسان لم يرغب أبدًا في الانضمام إلى أي من منظمات أقصى اليسار النشطة في الوسط الطلابي. كان لا يثق بها كثيرًا وينتقدها بشدة (3). رضوان قاطعٌ في هذا الشأن، ويحكي كيف أن الأمر بلغ بلسان حد إطلاق نعت “فاشيين يساريين” على اثنين من مناضلي هذه المنظمات كانوا يحاولون فرض خط سياسي من خارج الحركة الطلابية، ووصف آخرين بـ«مستمنين فكريين» غير جادين (4).
مع مضي الوقت، أصبح يعتبر أن الحركة الطلابية لا تحمل آفاق تغيير. بينما كان أصدقاؤه يقضون وقتهم في كتابة منشورات أو نسخها، كان يقول لهم: «لمن تفعلون ذلك؟ لأشخاص لا يستمعون إليكم حتى، وسيصبحون بعد بضع سنوات وزراء أو…». كان ينظر إلى أبعد من ذلك بكثير، «ما أراده هو تغيير المجتمع بشكل جذري. كان ينظر إلى أبعد من المطالب النقابية البسيطة (5).
كان لسان يقضي الليالي بأكملها مع أصدقائه من الشمال، في شقتهم في أكدال، أو في شقق أخرى في وسط المدينة، يعيدون صياغة العالم، ويناقشون الحركة الطلابية، وقضية النقابات، واستراتيجيات النضال، وخاصة قضية العنف واللاعنف، والنضال المسلح، ونوع البدائل التي يجب التفكير فيها، إلخ. كان لسان يجلس عادة في زاوية، صامتًا، لكنه كان يستمع ويتابع المناقشة باهتمام شديد. وعندما كان يتكلم – لم يكن يكثر الحديث، كان متحفظًا إلى حد ما – كان دائمًا جذريا جدًا، وقاطعًا، وأحيانًا حادًا. يدرك بوضوح حدود النضال الطلابي. ينظر إلى ما هو أبعد من المغرب والعالم العربي، كما يروي نادر، الذي وضع معه العديد من الخطط. كان العدو، بنظره، الإمبرياليةَ وكان لا بد من محاربتها بالكفاح المسلح.
كانت المناقشات حامية مع أصدقائه حول وجوب خوض المعركة ضد الإمبريالية في بلده، المغرب، أم أن الأفضل الذهابُ لتعزيز النضالات الأكثر تقدماً، حيث الإمبريالية أضعف. كان مؤيداً للخيار الثاني، كان أمميا بحزم، لاسلطويا (أناركيا) بنظر البعض، بل ورومانسيا. لكن ذلك كان عنده أيضًا طريقة للتعلم من أجل العودة بعد ذلك إلى بلده وخوض النضال في بلده. كان بعض المشاركين في تلك الأمسيات يعتقدون أن كل ذلك مجرد كلام فارغ، ولم يكونوا يتصورون أن أحدهم سيأخذ هذه المناقشات إلى أقصى حدودها ويضحي بحياته في حرب غوار من أجل شعب لا يعرفه، في الطرف الآخر من الكوكب. وكانوا أبعد عن تصور أن يكون هذا الشخص هو لسان، ابن أعيان « يأتي مرتدياً سترات جلدية وأحذية رائعة ويتحدث عن الثورة… لم أكن آخذه على محمل الجد»، تقول خولة التي كانت تشارك هي الأخرى في هذه الأمسيات المحمومة(5).
في أثناء هذه المناقشات، المشحونة بالدخان والكحول والقهوة المتدفقة بغزارة – لم يكن لسان يستطيع الاستغناء عن القهوة، وكان تحضير القهوة عنده بمثابة مقدمة للمناقشات، حيث كان يجلس ويشرب القهوة ويبدأ المناقشة – كان لسان عموماً متكتما، مستمعا للآخرين، بالغ الانتباه.
كان لديه حس الاستماع للآخرين، كان يحظى بهذه الميزة، ربما بسبب تربيته، كان لديه تحليله الخاص، رؤيته الخاصة، يحلل شخصية مخاطبه، لكنه لم يكن أبدًا عدواني اللفظ تجاه أي شخص يتناقش معه في أثناء حوار. كان دائمًا ما يبرز وجهة نظره، حتى لو كان الطرف الآخر معارضًا، وثمة شعور أنه يأخذ وجهة نظره في الاعتبار، كان يستمع (6) لكنه كان أيضًا مستفزا إلى حد ما، وكان يحب أن يشكك في الأفكار السائدة ومعتقدات أولئك الذين لا يساورهم شك أبدًا(7).
في اليوم التالي لهذه المحادثات الليلية الطويلة مع الأصدقاء، كان لسان يجد صعوبة في النهوض من الفراش، وغالبًا ما كان يفوت ساعات الدراسة الأولى. كان يطلب من أحد زملائه ما سجل من دروس، لأنه لم يكن يريد أن يخسر سنته الدراسية(8).
لم يتحدثوا فقط عن الحركة الطلابية والعمل النقابي، فقد أصبح هذا المنزل، المفتوح للأصدقاء المقربين ومناضلي الحركة الطلابية، مدرسة حقيقية للفكر النقدي حيث كان النقاش دائمًا. كانوا يقرؤون ويعلقون ويحللون الكتب بشكل جماعي. يتذكر رضوان كتاب ”اسمع أيها الصغير“ للمفكر الاشتراكي التحرري والمحلل النفسي فيلهلم رايش، وكتاب ”Tankonalasanté“ الصغير الذي نشرته دار النشر ماسبيرو Maspero… . كانت هذه القراءات تساعدهم على تحليل وتقييم حياتهم اليومية وممارسة الطب، لأنهم كانوا جميعًا تقريبًا أطباء تحت في طور التكوين.
لكن الحياة لم تكن مقتصرة على السياسة .كان المنزل يضج دائمًا بالموسيقى.
كان البعض يغني، والبعض الآخر يعزف على العود أغاني المطرب المصري الشيخ إمام، أو موسيقى أمريكا اللاتينية، مرسيدس سوسا، فيكتور خارا، كيلابايون، علي بريميرا، إلخ. كل من كان يسافر إلى الخارج كان يعود دائمًا ببعض الأسطوانات أو الكاسيتات لأن هذا النوع من الموسيقى لم يكن يباع في المغرب. يتذكر الجميع لسان عاشقا كبير لموسيقى أمريكا اللاتينية، وكان يأتي أيضًا إلى منزلي للاستماع إلى الأسطوانات التي كانت بحوزتي.
كان لسان يتفاهم جيدًا مع الأطفال، كان يستمع إليهم، وينصحهم، ويشارك بطريقته الخاصة في تربيتهم، ويحبهم. هكذا يتذكر أحد مستأجري هذه الشقة، الذي كان حينها طالبًا في المدرسة الثانوية، كيف كان لسان يحبه ويحميه:
ما كان يفعل ينبع من قلبه. كان يقرأ كثيرًا، ويحلل ما يقرأ. علمني أن أقرأ بذهن نقدي. أن أتجاوز العاطفة، وأن أكون عقلانيًا. جعلني أكتشف موسيقى أمريكا اللاتينية، أتاهوالبا، فيوليتا بارا، مرسيدس سوسا، تيتو فرنانديز… كان حراً. لقد حماني كثيراً، وعلمني أن أراقب وأفكر قبل أن ألتزم. كان ضد النشاطية الجامحة (9).
كان هذا المنزل ملاذ حرية، واحة في هذا البلد حيث يسود التابو والمحظورات والقمع. لكنها كانت حرية يحاول فيها كل فرد أن يتصرف ويعيش يومياً وفقاً لأفكاره. وقد كان لتطور أفكارهم نفسه عواقب مهمة على حياة كل على حدة. وهكذا ذهبوا بعيداً في انتقادهم لنوع الطب الذي كان يُدرَّس لهم في الجامعة ونوع الأطباء الذين كانت تخرجهم، ليس أطباء علاج وشفاء.
توصلنا إلى استنتاج مفاده أن كون المرء طبيباً يعني إعادة إنتاج النظام برمته، وأننا سنكون معيدي انتاج نظامي الصحة والاستهلاك الرأسماليين. […] كانت هذه العقبة التي منعتنا من المضي قدماً في دراستنا لأننا رفضنا ذلك. ولكن كانت هناك ظروف أخرى غيرت واقع الحياة. وتدريجياً، تطورت فكرة أنه يجب تغيير النشاط تماماً لأن كون المرء طبيباً في مجتمعنا المغربي لن يسهم أبداً في تغيير مجتمعنا أو طريقة عيشنا (10)، كما صرح رضوان في مقابلة هاتفية.
كما شرعوا يهتمون بعالم شركات الأدوية الغامض، وكيفية تدخلها واستثمارها – أو عدم استثمارها – في العالم الثالث. “أمور لم نفكر فيها من قبل… كان ثمة تعارض بين ما كنا نتعلمه في كلية الطب ووضعه موضع سؤال، وكان ذلك صعبًا… ” يشرح رضوان. قرر العديد منهم الكف عن الدراسة، بينما كانوا في السنة الثالثة. وكان عليهم إقناع لسان بإكمال دراسته لأنه كان قد وصل إلى نهايتها تقريبًا. كان حجتهم الرئيسية أن ذلك قد يساعده في مشاريعه المستقبلية في حرب الغوار(11). هل كان لشخصية تشي، الذي كان طبيبًا أيضًا، تأثير على خياراته؟ هذا ما يعتقده فرانسيسكو جوفيل، أحد مثقفي جبهة فرابوندومارتي للتحرير الوطني (FMLN) الذين قابلتهم في السلفادور (انظر القسم الثاني).
قرر طالب آخر من نفس المجموعة، لم يكن يدرس في كلية الطب، يرغب هو أيضاً في الانضمام إلى حركات حرب الغوار، أن يدرس التمريض لأن هذه الحركات كانت تبحث عن مِلاك في مجال الصحة.
في عام 1980، غادر إلى العرائش، في شمال المغرب، لقضاء ستة أشهر من التدريب الطبي، وليكون بقرب البحر والصيادين. نظم زملاؤه، الذين كانوا لا يزالون طلابًا في الجامعة، رحلة طلابية في إطار جمعية الطب لزيارة مستشفى العرائش بقيادة لسان، والتعرف على ظروف ممارسة المهنة خارج العاصمة. عادوا من الرحلة مرعوبين، وقد ساهمت هذه الرحلة بالتأكيد في إقناع البعض بالتخلي عن هذه المهنة.
من المؤكد أنه في حوالي عام 1980، ربط علاقة مع ساندرا، شابة سويسرية كان يزورها في بلدها أو كانت تزوره في المغرب. كان هو وأصدقاؤه يتعاملون مع الفتيات باحترام شديد.
كنا نرفض إقامة علاقات نسائية لا تستند إلى مبادئ ترفض اعتبار الجسد الأنثوي شيئا جنسيا، إذا لم يكن هناك تبادل ثقافي، لم يكن الجانب الجسدي هو الأهم، كنا أشبه برهبان. وكنا نتحدث عن ذلك أيضًا. كانت هناك الكثير من فرص اللقاءات، لكننا كنا نرفضها. كنا نشعر بالحرية لأننا كنا نفعل ما نريد، طواعية، لكن كان هناك… لا تسعفني العبارة، كنا نحرم أنفسنا من الكثير من الأشياء عن وعي. (12)
كان لسان وساندرا يريدان علاقة حرة، بلا قيود. كان أصدقاؤهما معجبين جدًا بقدرتهم على تحقيق ذلك، لأنه كان من الصعب جدًا في المغرب آنذاك بناء هذا النوع من العلاقات. تجدر الإشارة إلى أن أي علاقة جنسية خارج إطار الزواج كانت تعتبر جريمة في ذلك الوقت، يعاقب عليها بالسجن لمدة عام. ولا يزال الحال كذلك حتى اليوم.
كان حساساً جدا، ولكنه كان أيضاً محتشما للغاية في التعبير عن مشاعره، ربما لأنه كان يعتبر أن على الرجل أن يخفي مشاعره، “رجولي جداً في هذا الصدد“ كما يقول مراد. لكن جميع أصدقائه يؤكدون أنها كانت علاقة قوية جدًا، أثرت على لسان ليس فقط على الصعيد العاطفي، بل حتى السياسي. كانت ساندرا ناشطة جدًا في أوساط التضامن الدولي في سويسرا، مع النضالات المناهضة للاستعمار والإمبريالية، ولا سيما في نيكاراغوا والسلفادور، وقد أدخلته إلى هذا الوسط في سويسرا.
في 20 يونيو 1981، دعت اثنتان من النقابات المغربية الرئيسية، الكنفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد المغربي للشغل، إلى إضراب ضد ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية (بين 14 و 77٪ للقمح والزيت والدقيق). في الدار البيضاء، كان الإضراب عاماً وامتد إلى قطاعات غير نقابية، مثل التجارة، وإلى جميع الأحياء الشعبية. قام الجيش بتطويق المدينة وأطلق الرصاص الحي. تحول الإضراب إلى تمرد وإلى حمام دم(13). جاءت هذه المجزرة بعد سنوات اتسمت بقمع شديد واعتقالات جماعية واختفاءات ومحاكمات سياسية، لا سيما ضد طلاب المدارس الثانوية والجامعات والأكاديميين واليسار الراديكالي بشكل عام(14)؛ أما بالنسبة للجنود المرتبطين بالانقلابين، أحيانًا دون علمهم، بمجرد طاعتهم للأوامر، فإن أولئك الذين لم يُعدموا بالرصاص فورًا بعد المحاكمة تم اختطافهم في عام 1974 من السجن ونقلهم إلى معتقل سري في جنوب المغرب، في تزمامارت، حيث مات معظمهم ببطء.
كان لسان محظوظًا لأن المرات القليلة التي اعتقلته فيها الشرطة كانت في حملات مداهمة في الشوارع في المساء، وهو أمر كان شائعًا في ذلك الوقت، عند خروجه من إحدى تلك الأمسيات الطويلة مع الأصدقاء لإعادة بناء العالم. كانت الأجواء العامة في البلد، خاصة بالنسبة للشباب، أشبه بطنجرة ضغط: لا آفاق، ولا حريات، وحياة ثقافية محدودة، وشعور قوي بالاختناق. “لم يكن بإمكاننا فعل أي شيء في المغرب، كنا نشعر بأننا في مأزق، عالقون”، يروي صديقه نبيل. لا شك أن هكذا وضع غذى رغبته في مغادرة البلد. لكنه أسهم بوجه خاص في تسريع ابتعاده عن الحركة الطلابية والمنظمات النشطة فيها، ونضوج مشروع سياسي موجه نحو الكفاح المسلح، نابع من إدراكه أنه لا يوجد أي مجال للتعبير عن مطالب الشعب، وأنه من الضروري التفكير في أشكال جديدة من الكفاح، كما أوضح لي نذير.
تعبر عن ذلك مونيكا بالتودانو، قائدة حرب الغوار في الجبهة الساندينية للتحرير الوطني (FSLN) في نيكاراغوا، بطريقة أخرى، في مناطق أخرى:
كانت الحركات المسلحة عموماً تعبيراً عن الحاجة الملحة إلى تغييرات جذرية. تغييرات ثبت أنها لا يمكن أن تحدث بطريقة سلمية لأن القنوات الديمقراطية كانت مسدودة تمامًا.
في هذا السياق، اتخذت النضال السياسي الطبقي في بلداننا شكل حركات مسلحة(15).
من المرجح جداً أن تأملات لسان في تلك السنوات، في سياق إغلاق جميع المجالات الديمقراطية في بلده، قد قادته هو وبعض أصدقائه إلى استنتاجات مماثلة.
حتى أن لسان فكر في القيام بأعمال فردية مباشرة، ويقول أحد أصدقائه إنه ذهب إلى محطة وقود لشراء جركن بنزين لصنع قنابل مولوتوف، لكن هذا المشروع لم يتجاوز مرحلة الشراء.
قلة ثقته في اليسار واليسار الجذري المغربي، واقتناعه بضرورة مغادرة الحركة الطلابية، والمأزق الذي بلغته الحركة الاجتماعية بعد القمع الوحشي لأحداث التمرد في الدار البيضاء، وكللُه من ثرثرة الأمسيات الطلابية، كل ذلك جعل أفكاره عن الكفاح المسلح تنضج ودفعه إلى العمل، حيث انضم في البداية إلى حركات حرب الغوار الموجودة في أجزاء أخرى من العالم، لتعلم تقنيات حرب العصابات ولتعزيز كفاحها. كان متردداً بين أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط. في أمريكا الوسطى، كانت حرب العصابات الساندينية قد أطاحت للتو الديكتاتور أناستاسيو سوموزا في نيكاراغوا؛ وكانت حرب الغوار السلفادورية في بداياتها؛ وكانت أنشطة حرب الغوار مستمرة في غواتيمالا. في جنوب القارة، نجحت الديكتاتوريات العسكرية وخطة كوندور سيئة الذكر، المدعومة من الولايات المتحدة، في القضاء على حركات حرب الغوار في الأرجنتين وأوروغواي والبرازيل. لم يبق سوى حركات حرب الغوار الكولومبية نشطة. لكن هذا الخيار لم يتم ينفذ. كان هناك خيار آخر ممكن وهو الانضمام إلى جيش التحرير الفلسطيني، الذي أنشئ في عام 1964، مع ولادة منظمة التحرير الفلسطينية.
إحالات :
- تم إرسال الانقلابيين الذين لم يحكم عليهم بالإعدام ولم يتم إعدامهم، والسكان المدنيين في منطقة الأطلس المتوسط إلى معسكرات الموت في تازمامارت وقلعة مكونة وأكدز، جنوب المغرب. لم ينجُ سوى القليل منهم، وأُطلق سراحهم بعد سنوات عديدة.
- في تلك السنوات نفسها من السبعينيات، تغير محتوى برامج الفلسفة والتاريخ في التعليم الثانوي لصالح نهج مطابق أكثر مع الفكر الإسلامي الذي أصبح مادة تعليمية قائمة بذاتها.
(3) لم يمنع ذلك منظمة إلى أمام من اعتباره أحد شهدائها بعد وفاته. لكن جميع رفاق لسان الذين قابلتهم والذين عاشوا معه في تلك السنوات أكدوا صحة ما قاله رضوان.
(4) مقابلة مع رضوان.
(5) مقابلة مع خولة، تطوان، 20 يناير 2020.
(6) مقابلة مع رضوان، 20 يناير 2020.
(7) مقابلات مع نذير، سهيل، نبيل، مراد.
(8) مقابلة مع سهيل، 15 يناير 2019.
(9) مقابلة مع مراد، طنجة، 6 أغسطس 2017.
(10) مقابلة مع رضوان.
(11) مقابلة مع نذير.
(12) مقابلة مع رضوان
(13) اعترفت الحكومة بوفاة 65 شخصًا في وقت وقوع الأحداث، لكن هذا العدد تم تعديله رسميًا بعد 20 عامًا من قبل هيئة الانصاف والمصالحة ورفع إلى 114. من جانبها، تحدثت الأحزاب والصحافة الأجنبية عن مئات القتلى (بين 600 و1000) وحوالي 5000 اعتقال. بين التعذيب والاكتظاظ، توفي العديد من الأشخاص الآخرين في مراكز الشرطة.
(14) من عام 1971 إلى عام 1984، تم اعتقال مئات المناضلين واختفوا، وتوفي العديد منهم تحت التعذيب أو بسبب الظروف المروعة للاحتجاز في السجون السرية. أصدرت المحاكم أحكامًا بالسجن لمئات بل آلاف السنين، وبضع عشرات من أحكام الإعدام.
(15) مارسيلو كولوسي / رودريغو فيليز-جيفارياندو، تاريخ الثورة غير المكتملة (الجزء السابع)، مقابلة مع مونيكا بالتودانو، من نيكاراغوا، قائدة حرب العصابات في الجبهة الساندينية للتحرير الوطني، 17 يونيو 2010. http://www.cedema.org/ver.php?id=3976 ترجمة المؤلفة.
اقرأ أيضا


