كتاب: عندما كان لسان يسمى فرناندو (حلقة 6): حياة مناضل أممي مغربي في حرب الغوار السلفادورية، ووفاته

الشباب و الطلبة5 يناير، 2026

الحلقة  6 : فرناندو

بقلم: لوسيل دوما

على امتداد سنوات 1980، توجه العديد من الشباب الثوريين/ت، من مختلف البلدان، إلى السلفادور لدعم نضال شعب هذا البلد ضد أوليغارشية شرسة مدعومة من الإمبريالية الأمريكية.

انضم العديد منهم/ن إلى صفوف جبهة فارابوندومارتي للتحرير الوطني   (FMLN) في حربها الغوارية، بينما دعم آخرون السكان، لا سيما في مجالي الصحة والتعليم. كان هؤلاء الأمميون يأتون بشكل أساسي من أمريكا الجنوبية وأوروبا. ولكن ماذا كان يفعل بينهم لسان الدين بوخبزة، المعروف باسم فرناندو في منظمة حرب الغوار، والذي كان بالتأكيد الأفريقي الوحيد والعربي الوحيد في صفوف الجبهة؟ كيف قرر هذا الطبيب المغربي الشاب السفر إلى السلفادور والانضمام إلى صفوف مقاتلي حرب الغوار؟ ما هي الذكريات التي احتفظ بها رفاقه في النضال؟ في أي ظروف لقي حتفه؟

يحاول هذا الكتاب أن يجيب على هذه الأسئلة، وأن ينقذ من النسيان تجربة خاصة من تجارب النضال الأممي الثوري، خاضها مناضل مغربي لم يتردد في عبور المحيط الأطلسي ليضيف حصاته الصغيرة إلى التاريخ البطولي للشعب السلفادوري.

قضت المؤلفة، لوسيل دوماس، أكثر من 45 عامًا من حياتها في المغرب. شاركت في نشر العديد من المؤلفات الجماعية ونشرت العديد من المقالات حول حياة البلد الاقتصادية والاجتماعية.

فرناندو

لماذا السلفادور؟ 

لأن نضال الشعب السلفادوري عادل ولأنه المكان حيث يمكنني أن أبذل قصارى جهدي(1). 

مايكل دي ويت (سيباستيان) 

تخلى لسان، عند وصوله إلى السلفادور، وكان ذلك أغلب الظن في الأشهر الأخيرة من عام 1983، عن اسمه الأصلي واتخذ اسم فرناندو، الذي عرفه به الجميع في السلفادور، فرناندو إل ماتشستاel Machista . هذا الاسم، فرناندو، سأستخدمه من الآن فصاعدًا.

الوضع في السلفادور عند وصول فرناندو

في مطلع سنوات 1980، كان عدد سكان هذا البلد الصغير في أمريكا الوسطى، بمساحته البالغة زهاء 20742 كيلومتر مربع، يبلغ حوالي 5 ملايين نسمة (2). السلفادور بلد استوائي، ذو موسمين متميزين: أحدهما جاف والآخر ماطر، كانت موارده الرئيسة – ولا تزال – تعتمد على الزراعة، قصب سكر وبن وقطن. وكانت الحرب الأهلية بين القوات الشعبية لجبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني (FMLN) والجيش السلفادوري، المدعوم بقوة من الإمبراطورية الأمريكية الشمالية، قد دخلت عامها الثالث.

سنوات 1970

في الواقع، كانت المقاومة المسلحة قد بدأت منذ سنوات 1970 مع ظهور عدة منظمات سياسية-عسكرية: قوات التحرير الشعبية  (FPL)  (1970)، والجيش الشعبي الثوري (ERP) (1972)، والمقاومة الوطنية(RN) (1975)، والحزب الثوري لشغيلة أمريكا الوسطى (PRTC) (1976).

يذكر فرانسيسكو جوفيل Francisco Jovel (3)، أحد مؤسسي الحزب الثوري لشغيلة أمريكا الوسطى  وأحد أبرز مفكريه، أن في عام 1972، على هامش إحدى العمليات المسلحة الأولى التي استهدفت الظفر بأسلحة، قاموا بتوزيع منشورات كُتِبَ عليها “انتهى سلام الأغنياء! بدأت حرب الفقراء”! (4)

تميزت سبعينيات القرن الماضي بسيطرة العسكر على العملية الانتخابية، حيث فرض الجيش، مرتين متتاليتين، مرشَّحه متجاوزًا نتائج صناديق الاقتراع، ما قضى على أي أمل في الإصلاح الانتخابي وأقنع شتى المنظمات بأن الكفاح المسلح هو السبيل الوحيد المتبقي.

أصبحت السلفادور تدريجياً بؤرة اضطرابات اجتماعية. أسهم غياب الحرية والفجوة الهائلة بين الأغنياء والفقراء (10% من السكان يَهْنَئُونَ بـ 80% من ثروات البلد) إلى تأجيج تصاعد النضالات الاجتماعية (5). استحوذت 14 عائلة على اقتصاد البلد: المالية والصناعة والتجارة الخارجية وإنتاج القهوة والسكر والقطن. كان الوضع الاجتماعي كارثيا، إذ يعيش 57% من السكان على أقل من 10 دولارات في الشهر. ويعيش 60% من السلفادوريين في الريف و40% من أولئك الذي يعيشون في المدن أميون. ولدى 16%  فقط من السكان النشطين وظيفة على مدار العام. وكان ثمة أقل من 3 أطباء لكل 10000 نسمة(6).

تميزت تلك الفترة أيضاً بتحركات نضالية حضرية وريفية كثيفة ضد هذا الاستبداد العسكري القاسي، الذي أقيم حامياً لمصالح الأوليغارشية ورأس المال الأجنبي. كانت المظاهرات ضد الديكتاتورية تنظم كل أسبوع. وبينما جرى تقتيل المتظاهرين، كان الناس يخرجون مجددا بأعداد أكبر لدفن الموتى. (7)

واجه النظام الاحتجاجات الشعبية بعمليات الاختطاف والتعذيب والاختفاء. ونشرت “قواتُ الأمن” والحرسُ الوطني والشرطةُ المالية والجيشُ الرعبَ القمعي في أنحاء البلد كافة. وانضاف إلى ممارسات قوات الشرطة الرعب الذي أشاعته فيالق الموت (8). وتجدر الإشارة أيضا إلى دور  الكنيسة المهم جداً، لا سيما الجماعات الكنسية الأساسية، في توعية الشعب السلفادوري. تطورت حركة لاهوت التحرير في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية بعد المجمع الفاتيكاني الثاني (1965) والمؤتمر العام الثاني لأساقفة أمريكا اللاتينية المنعقد في ميديلين Medellín  (كولومبيا) في عام 1968، الذي سلط الضوء على موضوع كنيسة الفقراء. نشأ هذا التيار من تجربة الالتزام والعمل مع الفقراء ومن أجلهم، ومن الفزع من الفقر والظلم، ومن تقدير مقدرات الشعوب المضطهدة على كتابة تاريخها والتغلب على المعاناة. (9)

أنجز هذا التيار عملاً رائعاً في توعية رعايا الكنيسة وتنظيمهم، ما سهّل لاحقاً إنشاء منظمات حرب الغوار، التي حافظت طوال الصراع على علاقات جيدة وتعاون مع هذا التيار الكنسي. نشأت جميع المنظمات التي شكلت جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني (قوات التحرير الشعبية، الجيش الشعبي الثوري، المقاومة الوطنية، الحزب الثوري لشغيلة أمريكا الوسطى، الحزب الشيوعي السالفادوري) من المناقشات التي دارت داخل الحزب الشيوعي السلفادوري، ردا على موقفه الانتخابوي حتى عام 1980، عندما أنشأ قوات التحرير المسلحة (FAL).

لا يمكننا تفسير ظهور الجماعات المسلحة في البلد دون الإشارة إلى الصراع الداخلي الذي دار داخل الحزب الشيوعي السلفادوري في النصف الثاني من سنوات 1960، وإلى عملية تجذر قطاع كبير من الطلاب السلفادوريين في نهاية ذلك العقد (10)، كما يشير إيودالد كورتينا أوريرو Eudald Cortina Orero  في كتاب مثير للاهتمام وشيق عن التواصل في حرب الغوار.

من هناك نشأت قوات التحرير الشعبية (FPL) من الجناح العمالوي الأكثر في الحزب الشيوعي السلفادوري بقيادة سلفادور كايتانو كاربيو Salvador Cayetano Carpio، في عام 1970، ثم في عام 1972 نشأ الجيش الشعبي الثوري (ERP) ذو ميولِ عسكرةٍ أشد، بقيادة خواكين فيلالوبوس Joaquín Villalobos، ثم المقاومة الوطنية (RN) في عام 1975، والحزب الثوري لشغيلة أمريكا الوسطى  (PRTC) في عام 1976.

إحالات:

(1) مقتبس من يوميات سيباستيان، مناضل أممي بلجيكي قُتل في السلفادور في 8 فبراير 1987، بعد أقل من شهر من مقتل فرناندو. مذكور في: Ibarra, Héctor-Genaro, Tabares, Carlos-Javier, Estévez , José Luis – Gato, ed., Dos pueblos a los que amar, un mundo por el que luchar, 2011. http://www.cedema.org/ver,.php?id=4735

(2)  اليوم، السلفادور هي الدولة الأكثر كثافة سكانية في أمريكا الوسطى (6 مليون نسمة).

(3) مقابلة مع فرانسيسكو جوفيل، الملقب بروبرتو روكا، سان سلفادور، 5 أبريل 2019. أحد الأعضاء المؤسسين القوات الشعبية التابعة لجبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني (FMLN) والحزب الثوري لشغيلة السالفادور (PRTC). معظم الأشخاص الذين جرت مقابلتهم لديهم اسم عائلة واسم حركي (أو أكثر). سأستخدم هنا الاسم الذي قدموا به أنفسهم. في حالة استخدامهم لاسمين دون تمييز، اخترت الاسم الحركي.

فرانسيسكو جوفيل (روبرتو روكا)، Recuerdos de la guerrilla, primera parte, los años 70، ماريو تشافيز، محرر، 2018، ص. 52.

(4) Frente Farabundo Martí para la Liberación Nacional, 35 años y adelante : memorias para escribir el futuro, 2016, p. 60.

(5) Mario Menéndez Rodríguez, El Salvador: una auténtica guerra civil, San José de Costa Rica, Editorial Universitaria Centroamericana, 1984.

(6)  مقابلة مع فرانسيسكو جوفيل.

(7)  ماريو مينينديز رودريغيز Mario Menéndez Rodríguez، المرجع السابق.

(8)  مقال ”لاهوت التحرير“، ويكيبيديا. https://es.wikipedia.org/wiki/Teología_de_la_liberación -Gustavo_Gutiérrez.  ترجمة المؤلفة.

(9) إيودالد كورتينا أوريرو Eudald Cortina Orero، La guerra por otros medios, comunicación insurgente y proceso revolucionario en El Salvador (1970-1992)، UCA، 2017، ص. 87. يشدد المؤلف على تأثير الماركسية اللينينية القوي في أوساط الطلاب وكذلك تأثير المسيحية الاجتماعية.

شارك المقالة

اقرأ أيضا