سيرة لينين

بقلم: ليون تروتسكي (1930)

ترجمة جريدة المناضل-ة 

حلت يوم 21 يناير الذكرى 102 لوفاة معلم البرولتاريا، وعامة المضطهدين، العظيم لينين. تذكيرا مقتضبا بمسار كفاحه نتيح للقارئ/ة سيرة كتبها تروتسكي في العام 1930 للموسوعة البريطانية . 

***

لينين، فلاديمير إيليتش أوليانوف (1870-1924) مؤسس الجمهوريات السوفيتية والأممية ال شيوعية  وقائدهنا الروحي، تلميذ ماركس، قائد الحزب البلشفي ومنظم ثورة أكتوبر في روسيا، ولد في 9/21 أبريل 1870 في سيمبيرسك، أوليانوفسك حاليا. كان والده، إيليا نيكولايفيتش، معلما بمدرسة. وكانت أمه، ماريا ألكساندروفنا، ابنة طبيب يدعى بيرغ. كان شقيقه البكر (ولد في 1866) عضوًا في جماعة نارودوفولتسي (جمعية ثورية إرهابية)، وشارك في محاولة اغتيال ألكسندر الثالث الفاشلة. جرى إعدامه. وكان هذا الحدث حاسماً في حياة لينين.

الشباب

كان لينين الثالث بين ستة أطفال، وأكمل دراسته في مدرسة سيمبيرسك الثانوية في العام 1887، حاصلا على الميدالية الذهبية. التحق بجامعة كازان لدراسة القانون، لكنه طُرد في ديسمبر العام نفسه، ونُفي من البلد لمشاركته في اجتماع طلابي. لم يُسمح له بالعودة إلى كازان إلا في خريف عام 1889. بدأ بعد ذلك دراسة منهجية لأعمال ماركس، وتواصل مع أعضاء الدائرة الحلقة المحلية. و اجتاز، في العام 1891، امتحانات القانون في جامعة سانت بطرسبرغ، وبدأ في العام 1892 العمل محاميا متدربا في نقابة المحامين في سامارا، حيث ترافع في عدة قضايا. لكن حياته كانت مكرسة بوجه خاص لدراسة الماركسية وتطبيقها على تطور روسيا، والعالم برمته، الاقتصادي والسياسي.  وانتقل، في العام 1894، انتل إلى سان بطرسبرغ وكرس نفسه للدعاوة. تعود إلى هذه الحقبة أولى جدالاته ضد الحزب الشعبوي، التي كانت متداولة في شكل مخطوطات من يد إلى يد. بُعيد ذلك، بدأ لينين في الصحافة صراعاً نظرياً ضد مزوري ماركس. وقام، في أبريل 1895، بأول رحلة له إلى الخارج للقاء بليخانوف وزاسوليتش وأكسلرود والمجموعة الماركسية ”أوسفوبودييني ترودا“ (تحرير العمل). وعند عودته إلى سان بطرسبرغ، نظم المجموعة غير الشرعية ”اتحاد تحرير الطبقة العاملة“، التي سرعان ما غدت منظمة مهمة، تقوم بدعاوة نشطة بين الشغيلة. وفي ديسمبر 1895، تم اعتقال لينين ومعاونيه المقربين. وأمضى العام 1896 في السجن، ثم نُفي في فبراير 1897 لمدة ثلاث سنوات إلى مقاطعة ينيسي في سيبيريا الشرقية.

 وتزوج، في العام 1898، ن. ك. كروبسكايا، وهي رفيقة من ”الاتحاد“ في سانت بطرسبرغ ورفيقته المخلصة خلال السنوات الـ 26 الأخيرة من حياته.  أنهى،ـ إبان نفيه، أهم أعماله الاقتصادية: تطور الرأسمالية في روسيا، استنادًا إلى كم هائل من الوثائق الإحصائية (1899).

في العام 1900، ذهب لينين إلى سويسرا كي ينظم، مع مجموعة تحرير العمل، نشر صحيفة ثورية موجهة إلى روسيا. وفي نهاية العام، صدر العدد الأول من إيسكرا (الشرارة) في ميونيخ، حاملاً شعار ”من الشرارة تنبثق الشعلة“. كان الهدف عرض تفسير ماركسي لمشاكل الثورة، وشعارات النضال، وتشكيل حزب ثوري ”سري“ من الاشتراكيين الديمقراطيين، يقود البروليتاريا في النضال ضد القيصرية. تمثل فكرة حزب منظم، طليعة نضال البروليتاريا بجميع أشكاله ومظاهره، إحدى الأفكار المركزية لللينينية، وهي وثيقة الارتباط بفكرة هيمنة الطبقة العاملة في حركة  البلد الديمقراطية. وستتخذ هذه الفكرة تعبيرها المكتمل في برنامج ديكتاتورية البروليتاريا عندما يكون تطور الحركة الثورية قد هيأ شروط ثورة أكتوبر.

بلاشفة ومناشفة

قبل المؤتمر الثاني للحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي (بروكسل، لندن) في يوليو 1903 البرنامج الذي وضعه بليخانوف ولينين، لكنه انتهى بالانقسام التاريخي للحزب بين بلاشفة ومناشفة. ومنذئذ، بدأ لينين تطبيق تصوراته الخاصة بما هو زعيم للمجموعة البلشفية التي أصبحت لاحقا الحزب البلشفي.

حدث الانشقاق بين التكتلين حول مسألة التكتيك، وفي النهاية حول برنامج الحزب. كان المناشفة يميلون إلى التوفيق بين سياسة البروليتاريا الروسية وسياسة البرجوازية الليبرالية. وكان لينين يعتبر الفلاحين حليف البروليتاريا الموثوق أكثر. لم تستطع اتفاقات عرضية وعلاقات اقتراب مع المناشفة إيقاف الخلافات المستمرة بين الخطين: الثوري والانتهازي، البروليتاري والبرجوازي. وكانت النضال ضد المناشفة نقطة انطلاق السياسة التي أدت إلى القطيعة مع الأممية الثانية (1914)، وإلى ثورة أكتوبر (1917)، وتغيير اسم الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى الحزب الشيوعي (1918).

أدت الهزيمة على البر و في البحر إبان الحرب الروسية اليابانية، وإطلاق النار على العمال في 9/22 يناير 1905، وأعمال التمرد الريفية والإضرابات السياسية إلى خلق وضع ثوري. كان فحوى برنامج لينين التحضير لانتفاضة جماهيرية مسلحة، وإنشاء حكومة مؤقتة تنظم الدكتاتورية الديمقراطية الثورية للعمال والفلاحين لتحرير البلد من القيصرية والعبودية. واستكمله مؤتمر الحزب الثالث ، الذي ضم البلاشفة وحدهم، ببرنامج زراعي جديد ينص على مصادرة الملكية العقارية الكبيرة. وفي أكتوبر 1905، جرى إضراب عام في روسيا برمتها. وفي 17 من الشهر ذاته، أصدر القيصر بيانه ”الدستوري“. وفي مستهل نوفمبر، وصل لينين من جنيف ودعا البلاشفة إلى إفساح مجال واسع الشغيلة في الحزب، مع الحفاظ على تنظيمهم غير الشرعي تحسباً لأي هجمات معادية للثورة.

ميز لينين، في أحداث العام 1905، سمات رئيسية:

  1. ظفر الشعب المؤقت بقدر من الحرية السياسية؛
  2. إنشاء سلطة ثورية جديدة كامنة في شكل مجالس العمال والجنود والفلاحين؛
  3. استخدام الشعب القوة ضد من استخدموها ضده. أصبحت هذه الاستنتاجات المستخلصة من أحداث العام 1905 المبادئ التوجيهية لسياسة لينين في عام 1917 ، وأدت إلى ديكتاتورية البروليتاريا مجسدة في الدولة السوفيتية.

سرعان ما تم قمع انتفاضة متم ديسمبر في موسكو، لعدم دعمها من قبل الجيش والمدن الأخرى. ووجدت البرجوازية الليبرالية نفسها في الصدارة. وبدأت حقبة الدوما الأولى. عندها صاغ لينين مبادئ استخدام الأساليب البرلمانية وسيلةَ نضال جديدة.

 غادر لينين روسيا في ديسمبر 1907، ولم يعد إليها إلا في العام 1917. بدأت، في عام 1907، حقبة من الثورة المضادة الظافرة، والاضطهاد، والنفي، والإعدام، والهجرة. حارب لينين المناشفة الذين كانوا يدعون إلى حل الحزب غير الشرعي – ومن هنا جاءت تسميتهم بالتصفويين – وطالبوا بالاستعاضة عن أساليب الكفاح بعمل شرعي في إطار النظام القائم. مرة أخرى، ظهر ”التوفيقيون“ الذين حاولوا اتخاذ موقف وسط بين البلاشفة والمنشفيين؛ الاشتراكيون الثوريون الذين أرادوا تعويض جمود الجماهير بالإرهاب الفردي؛ وأخيراً أولئك الذين أطلق عليهم اسم ”الأوتزوفيين“ الذين طالبوا بالسحب الفوري للنواب الاشتراكيين الديمقراطيين في الدوما، باسم النشاط الثوري. كان الجميع يقفون ضد البلاشفة.

كان لينين يواصل، في نفس الفترة، حملة مكثفة ضد محاولة مراجعة أساس الماركسية النظري الذي استندت إليه سياسته. وكتب، في العام 1908، بحثا مهما موجها ضد الفلسفة المثالية جوهريا لكل من ماخ وأفيناريوس وأتباعهم الروس، الذين كانوا يحاولون التوفيق بين النقد التجريبي والماركسية. أثبت لينين أن المنهج المادي الديالكتيكي الذي صاغه ماركس وإنجلز قد تأكد بتطور الفكر العلمي بشكل عام والتاريخ الطبيعي بشكل خاص. وهكذا، كان النضال الثوري المستمر الذي خاضه لينين يواكب سجالاته النظرية.

كانت السنوات 1912-1914 مطبوعة بتجدد نشاط الحركة العمالية الروسية. وظهرت شقوق في النظام المضاد للثورة. دعا لينين، في مطلع العام 1912، إلى عقد مؤتمر سري للمنظمات البلشفية في براغ. تم طرد التصفويين من الحزب. وكانت القطيعة مع المناشفة تامة. وتم انتخاب لجنة مركزية جديدة. ومن الخارج، أصدر لينين في سان بطرسبرغ صحيفة برافدا الشرعية، التي كانت في صراع دائم مع الرقابة، ومارست تأثيراً كبيراً على طليعة الطبقة العاملة. وفي يوليو 1912، انتقل مع أقرب مساعديه من باريس إلى كراكوف ليقترب من روسيا. كانت الحركة الثورية تنمو، وبالتالي كان تأثير البلاشفة يتزايد. كان لينين يكتب يومياً في صحافة البلاشفة الشرعية وغير الشرعية بأسماء مستعارة مختلفة. وكما كان الحال من قبل ومن بعد، كانت ن. ك. كروبسكايا في قلب العمل التنظيمي. كانت تستقبل الرفاق القادمين من روسيا، وتعطي تعليمات للذين يذهبون إلى هناك، وتقيم اتصالات سرية، وتكتب وتشفّر وتفكّ شفرات المراسلات.

كان لينين، عند إعلان الحرب في قرية بورونين في غاليسيا. اعتقلته الشرطة النمساوية، شاكة في كونه جاسوسا روسيا، وبعد حوالي أسبوعين، طردته إلى سويسرا.

 النزعة الأممية

افتتح الآن طور جديد من العمل على الصعيد الدولي بالنسبة للينين. كان بيانه، المنشور باسم الحزب في 1 نوفمبر 1914، يندد بطابع الحرب الإمبريالي وبجرائم جميع القوى العظمى التي كانت تعد منذ فترة طويلة لهذه الحرب الدامية بهدف توسيع أسواقها والقضاء على منافسيها. وأبرز أن التحريض الوطني لبرجوازية كلا المعسكرين، حيث يلقي كل منهما باللوم على خصمه، ما هو إلا مناورة تهدف إلى خداع الشغيلة. أوضح البيان أن جميع القادة الاشتراكيين الديمقراطيين تقريبًا كانوا إلى جانب برجوازية بلدانهم، منتهكين بذلك قرارات مؤتمرات الأممية الاشتراكية، وأن ذلك سيؤدي إلى انحطاط الأممية الثانية. كان يجب أن تكون هزيمة حكوماتهم شعار الاشتراكيين الديمقراطيين في جميع البلدان. وقد انتقد لينين انتقادًا لا هوادة فيه، ليس فقط النزعة الوطنية الاشتراكية، بل الاشتراكية الأفلاطونية المنفصلة عن النضال الثوري ضد الإمبريالية. وكان النضال ضد النزعة السلمية نضالًا واسع النطاق ضد عناصر الطبقة العاملة بقيت في منتصف الطريق بين الاشتراكيين الديمقراطيين والشيوعيين، و التي تدعم عمليًا الأولين.

ضاعف السياسيون والمفكرون في الأممية الثانية اتهاماتهم السابقة للينين باللاسلطوية (الأناركية). وفي الواقع، كان لينين يخوض صراعًا على جبهتين: من ناحية ضد الإصلاحيين الذين دعموا منذ بداية الحرب السياسة الإمبريالية للطبقات المالكة، ومن ناحية أخرى ضد اللاسلطويين وجميع ضروب المغامرين الثوريين.

أعلن لينين، في 1 نوفمبر 1914، عن مشروع إنشاء أممية جديدة، هدفها تنظيم البروليتاريا من أجل النضال الثوري ضد الحكومات الرأسمالية، ومن أجل الحرب الأهلية ضد البرجوازية في جميع البلدان، ومن أجل الظفر بالسلطة السياسية وانتصار الاشتراكية. من 5 إلى 8 سبتمبر 1915، عُقد مؤتمر زيمرفالد الأول ، جمع الاشتراكيين الأوروبيين المعارضين للحرب. حضره 31 مندوبًا. صادق الجناح اليساري في زيمرفالد، ولاحقًا في كينتال،  على توصية لينين بتحويل الحرب الإمبريالية إلى حرب أهلية. أصبح هذا الجناح اليساري نواة المنظمة الأممية القادمة. وضع المؤتمر الثاني برنامجه التكتيكي والتنظيمي تحت قيادة لينين. كان لينين أيضًا ملهما مباشرا لمؤتمرات الأممية الشيوعية الأربعة الأولى .

كان لينين مستعدا للنضال على صعيد دولي، لا بفضل معرفته العميقة بالماركسية وخبرته في التنظيم الثوري للحزب الروسي وحسب، بل أيضًا بفضل درايته المتميزة بالحركة العمالية في العالم برمته. كان يتحدث الإنجليزية والألمانية والفرنسية بطلاقة، وكان قادرًا على قراءة الإيطالية والسويدية والبولندية. كان يعارض بشدة التطبيق الآلي لأساليب بلد ما على بلد آخر. كان يدرس مسائل الحركة الثورية ويحلها ليس فقط في تفاعلاتها الدولية، بل أيضًا في شكلها الوطني والملموس.

ثورة 1917

كان لينين في سويسرا عندما اندلعت ثورة 1917. واجهت محاولاته للعودة إلى روسيا معارضة من الحكومة البريطانية، فقرر المرور عبر ألمانيا. أثار نجاح خطته عاصفة من التشهير بين أعدائه، لكن ذلك لم يمنعه من تولي قيادة حزبه، ثم الثورة بعد ذلك بوقت قصير!

في ليلة 4 أبريل، عند نزوله من القطار، ألقى لينين خطابًا كبيرًا في محطة فنلندا في بتروغراد، كانت أفكاره التوجيهية موضوع سياسته في ما تلا من أيام. قال إن سقوط القيصرية كان مجرد مرحلة أولى من الثورة. لم تكن الثورة البرجوازية قادرة على إرضاء الجماهير لفترة طويلة. كان واجب البروليتاريا هو التسلح، وتوطيد سلطة السوفييتات (مجال العمال)، وإيقاظ الريف، والاستعداد للظفر بالسلطة العليا، باسم إعادة بناء المجتمع على أساس اشتراكي. لم يلق هذا البرنامج طويل المدى استحسانًا كبيرًا من قبل الاشتراكيين الوطنيين فحسب، بل خلق خلافات بين البلاشفة أنفسهم. كان بليخانوف يعتبر هذا البرنامج جنونيا. لكن لينين توقع أن تزداد عدم الثقة بالبرجوازية يوماً بعد يوم، وأن الحزب البلشفي سيحصل على الأغلبية في ”السوفييتات“ وأن السلطة العليا ستنتقل إلى يديه. أصبحت صحيفة برافدا اليومية الصغيرة في يديه سلاحاً قوياً لإطاحة البرجوازية.

أثارت سياسة التحالف مع البرجوازية، التي نهجها الاشتراكيون الوطنيون، وكذلك الهجمات اليائسة التي طالب بها الحلفاء الجيش الروسي، الجماهير وأدت في الأيام الأولى من يوليو إلى استعراضات مسلحة في بتروغراد. اشتد الصراع ضد البلاشفة. ونشرت المخابرات المضادة للثورة، في 5 يوليو، وثائق مزورة تزعم أن لينين كان يعمل تحت أوامر القيادة العامة الألمانية. في المساء، احتلت المدينةَ مفارز ”موثوقة“ أعادها كيرينسكي من الجبهة وجنود  اليونكرز من المناطق المحيطة ببتروغراد. تم سحق الحركة الشعبية. وبلغت ”مطاردة“ البلاشفة ذروتها. فاضطر لينين، مرة أخرى، إلى العودة إلى الحياة السرية، مختبئًا أولاً لدى عائلة من العمال في بتروغراد، ثم في فنلندا.

بعد أحداث يوليو، ومحاولات الجنرال كورنيلوف الانقلابية، أدى توزيع الأسلحة الذي أعقب ذلك إلى انفجار طاقة الجماهير. حصل البلاشفة على الأغلبية في مجالس بتروغراد وموسكو. كوان لينين يدعو إلى اتخاذ إجراءات حاسمة للاستيلاء على السلطة: ”الآن أو أبدًا“ كان يكرر بحماس في مقالاته ورسائله ومقابلاته مع رفاقه.

مجلس مفوضي الشعب

تزامنت الانتفاض على الحكومة المؤقتة مع افتتاح مؤتمر السوفييتات الثاني في 25 أكتوبر. وبعد أن عاش لينين مختبئًا لمدة ثلاثة أشهر ونصف، ظهر في سمولني وقاد النضال. واقترح، في جلسة ليلة 27 أكتوبر، مرسومًا بشأن السلام، تم التصويت عليه بالإجماع، ومرسومًا آخر بشأن الأرض، تم التصويت عليه بالإجماع باستثناء صوت واحد وثمانية أصوات ممتنعة. قررت الأغلبية البلشفية، بدعم من جناح الاشتراكيين الثوريين اليساري، نقل السلطة إلى السوفييتات. وانتُخب مجلس مفوضي الشعب برئاسة لينين.

أيد الفلاحون، بعد حصولهم على الأرض، البلاشفة. وكانت السوفييتات سادة الثورة. لم تعد الجمعية التأسيسية، التي انتُخبت في نوفمبر واجتمعت في 5 يناير، سوى مفارقة تاريخية. كان الصراع بين مرحلتي الثورة على وشك الانتهاء. لم يتردد لينين لحظة: بناءً على اقتراحه، أصدرت اللجنة التنفيذية المركزية لعموم روسيا قرارًا بحل الجمعية التأسيسية. كان لينين يقول إن ديكتاتورية البروليتاريا تعني أعلى درجة من الديمقراطية للأغلبية العاملة من الشعب، حيث تمنح الشغيلة جميع الموارد المادية (قاعات الاجتماعات، المطابع، إلخ) التي بدونها تكون الحرية مجرد وهم. ديكتاتورية البروليتاريا هي مرحلة ضرورية تؤدي إلى إلغاء الطبقات في المجتمع.

أثارت مسألة الحرب والسلام أزمة جديدة. كان قسم كبير من الحزب يطالب بحرب ثورية ضد هولنزولرن، متناسين الوضع الاقتصادي لروسيا وعقلية الفلاحين. كان لينين يدرك أن الدعاوة تقتضي إطالة أمد المفاوضات مع الألمان. لكنه طالب بأن يتم توقيع السلام في حالة إصدار إنذار نهائي، حتى لو كان ذلك بالتنازل عن أراض أو بتعويضات. إذ من شأن الثورة التي كانت تستيقظ في الغرب أن تلغي عاجلاً أم آجلاً على شروط السلام القاسية. تأكدت واقعية لينين السياسية في هذه المناسبة بكامل قوتها. معارضةً لينين، حاولت أغلبية اللجنة المركزية، لمرة أخيرة، منع الخضوع للإمبريالية الألمانية بإعلان نهاية الحرب مع رفض توقيع سلام إمبريالي. نتج عن ذلك هجوم جديد.

بعد مناقشات حامية في اللجنة المركزية في 18 فبراير، اقترح لينين استئناف المفاوضات على الفور وتوقيع الشروط الألمانية، التي كانت أسوء من أي وقت مضى، وكسب الأغلبية. ونقلت الحكومة السوفياتية، بمبادرة من لينين، إلى موسكو. وبعد إبرام السلام، طرح لينين الآن، أمام الحزب والبلد، مسألة التنظيم الاقتصادي والثقافي. لكن المحن الأكبر لم تكن قد حلت بعد. ففي نهاية صيف العام 1918، وجدت روسيا الوسطى نفسها مطوقة بدائرة من نار. إذ باتفاق مع الروس المضادين للثورة، اندلع تمرد التشيكوسلوفاكيين على نهر الفولغا، وفي الشمال والجنوب، كانت هناك تدخلات بريطانية (أرخانجيل، 2.8، باكو 14.8). ولم تعد إعادة التموين مضمونة.

لم يكف لينين لحظةً عن قيادة الحزب والحكومة. كان يقود على جبهات متعددة، الدعاوة، التحريض بين الجماهير، تنظيم قوافل القمح، مراقبة تحركات العدو، والبقاء على اتصال مباشر مع الجيش الأحمر. وكان يتابع الوضع الدولي، حيث كانت الخلافات بين الإمبرياليين توحي له بالسلوك الواجب. كان يجد الوقت لإجراء مقابلات مع المناضلين الأجانب والمهندسين والاقتصاديين السوفييت.

في 30 أغسطس، أطلقت الاشتراكية الثورية كابلان رصاصتين من مسدسها على لينين، بينما كان في طريقه إلى اجتماع عمالي. أدت محاولة الاغتيال هذه إلى اشتداد الحرب الأهلية.

صمدت صحة لينين القوية في وجه الإصابات. كتب، في أثناء فترة نقاهته، كتيباً بعنوان «الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي» موجهاً ضد أبرز منظري الأممية الثانية. وفي 22 أكتوبر، عاد إلى التحدث علناً.

السياسة الاقتصادية الجديدة

ظلت الحرب على الجبهات الداخلية شغله الشاغل. كان لا بد أن تنتقل المشاكل الاقتصادية والإدارية إلى منزلة ثانية. كانت الحرب الأهلية المدعومة من خارج في ذروتها. انته الصراع في مطلع العام 1921 بهزيمة كاملة للثورة المضادة، ما أدى إلى تعزيز الحكومة. وقد أدى عدم إحداث الحرب ثورة بروليتارية في أوروبا إلى تفاقم الصعوبات التي واجهت البناء الاشتراكي، الذي كان مستحيلاً دون اتفاق بين البروليتاريا والفلاحين. كان لا بد من ابدال نظام المصادرة من الفلاحين بضريبة محددة بشكل صحيح، وإعادة إحياء التجارة الخاصة.

فتحت هذه التدابير طورا جديدا من الثورة. كانت هذه هي «السياسة الاقتصادية الجديدة». كان لينين يحاول، بكل الكيفيات، داخل الاتحاد السوفيتي، تمكين الأقليات القومية المضطهدة في ظل النظام القيصري من شروط تطور قومي حر. شن حربًا لا هوادة فيها على جميع الاتجاهات الإمبريالية، خاصة داخل الحزب، مدافعا عن مبادئه بصرامة شديدة. كانت التهمة الموجهة إلى لينين وحزبه بقمع القوميات، وهي تهمة تستند إلى أحداث جورجيا وغيرها، ناتجة عن الصراع الطبقي المرير داخل البلد. كان لينين يصر على أن مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها يجب أن يطبق بصرامة على الشعوب المستعمرة. كان مبدأه أن على البروليتاريا الغربية ألا تكتفي بمجرد إعلانات تعاطف مع القوميات المضطهدة، بل أن تناضل معها ضد الإمبريالية.

عرض لينين، في مؤتمر السوفييتات الثامن (1920)، تقريرًا عن خطة كهربة البلد التي كانت بمبادرته. يشير التقدم التدريجي نحو درجة عالية من التطور التقني إلى نجاح تحويل الاقتصاد الفلاحي المجزأ وغير المنسق إلى نظام إنتاج اشتراكي واسع النطاق، قائم على خطة واحدة شاملة. ”الاشتراكية هي سلطة السوفييتات بالإضافة إلى الكهربة“.

وفاته

أُنهِكت صحة لينين بسبب العمل المكثف، فتدهورت في غضون بضع سنوات. أصيب بتصلب الشرايين الدماغية في مطلع العام 1922، ومنعه الأطباء من العمل اليومي. تطور المرض بسرعة من يونيو إلى أغسطس،. في البداية، فقد لينين القدرة على الكلام، وفي ديسمبر، أصيب بشلل في ساقه اليمنى وذراعه اليمنى. توفي في 21 يناير 1924 الساعة 6:30 صباحًا في غوركي، بالقرب من موسكو. كانت جنازته مناسبة لتعبير ملايين الأشخاص عن حبهم وألمهم بنحو لم يسبقه مثيل.

كان لينين يتميز في مظهره الخارجي بالبساطة والقوة: كان قصير القامة قليلاً، وملامح وجهه من الطراز الشعبي السلافي، وعيناه الثاقبتان وجبهته العريضة ورأسه القوي تضفي عليه مظهراً رائعاً، وكان لا يكل في العمل إلى درجة لا تصدق، و يولي نفس الاهتمام المثالي لإلقاء محاضرة في دائرة صغيرة من العمال في زيورخ كما يولي لتنظيم أول دولة اشتراكية في العالم. كان يقدّر ويحب العلم والفن والثقافة فوق كل شيء، دون أن ينسى أبداً أن هذه الثروات لا تزال ملكاً لأقلية ضئيلة. كانت طريقة عيشه في الكرملين لا تختلف كثيراً عن طريقة عيش المنفي. كانت بساطة عاداته نابعة من أن العمل الفكري والنضال لم يستحوذا على كل اهتمامه وشغفه فحسب، بل كانا يمنحانه أعمق مشاعر السعادة. كانت كل أفكاره منصبة على عمل تحرر الشغيلة

نُشرت باللغة الإنجليزية في ENCYCLOPAEDIA BRITANNICA في عام 1930 وأعيد نشرها باللغة الفرنسية في Critique Sociale رقم 3 أكتوبر 1931 – دار نشر RIVIERE.

المصدر: كراسة  ”Union Communiste“، 1958

شارك المقالة

اقرأ أيضا