«هل يمكن للحضارة البشرية أن تستمر في ظل الرأسمالية؟»

البيئة, رأي29 يناير، 2026

المقال منشور في العدد رقم 87 من جريدة المناضل-ة

نعوم تشومسكي– 4 مارس 2013

هناك فكر «رأسمالي» ومن ثم هناك «رأسمالية قائمة بالفعل».

يُستخدَم مصطلحالرأسماليةبشكل شائع للإشارة إلى النظام الاقتصادي الأمريكي، الذي يشمل سياسات تدخل واسعة للدولة تمتد من تقديم الإعانات للابتكارات الإبداعية إلى سياسة الدعم الحكومية للبنوك حسب نظريةأكبر من أن تفشل” (تؤكد هذه النظرية أن بعض الشركات، وخاصة المؤسسات المالية، كبيرة جدا ومترابطة لدرجة أن فشلها سيكون كارثيا على النظام الاقتصادي الأكبر، وبالتالي يجب دعمها من قبل الحكومة عندما تواجه فشلا محتمَلام).

تسود النزعة الاحتكارية في هذا النظام بشكل كبير، مما يؤدي إلى الحد من الموثوقية في نظام السوق، وبشكل متزايد: في العشرين عاما الماضية، ارتفعت حصة أرباح أكبر 200 شركة بشكل حاد، وفقا لتقرير الباحث روبرت دبليو ميشستي في كتابه الجديد “الانفصال الرقمي”.

إن “الرأسمالية” مصطلح شائع الاستخدام الآن لوصف الأنظمة التي ليس فيها رأسماليون. على سبيل المثال، مثل تكتل موندراغون المملوك للعمال في إقليم الباسك بإسبانيا، أو الشركات المملوكة للعمال التي تتوسع في شمال أوهايو، والتي غالبا ما تتلقى دعما حكوميا متحفظا، وكلاهما تمت مناقشتهما في عمل مهم قام به الباحث البيروفترو. قد يستخدم البعض مصطلح “الرأسمالية” حتى للإشارة إلى الديمقراطية الصناعية التي دعا إليها جون ديوي، الفيلسوف الاجتماعي الرائد لأمريكا، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

فقد دعا دوي العمال إلى أن يكونوا “سادة مصيرهم الصناعي” وأن تخضع جميع المؤسسات للرقابة العامة، بما في ذلك وسائل الإنتاج والتبادل والدعاية والنقل والاتصالات. وجادل ديوي بأنه من دون هذا، ستبقى السياسة “تلقي بظلالها على المجتمع من خلال الشركات الكبرى”.

لقد تُركت الديمقراطية المنقوصة التي أدانها ديوي في حالة يرثى لها في السنوات الأخيرة. فصناعة القرار تتركز الآن بشكل مكثف عند أصحاب الدخول المرتفعة جدا وعلى نطاق واسع، في حين أن الغالبية العظمى من السكان من ذوي الدخل “المنخفض” كانت محرومة فعليا من حق التصويت. النظام السياسي الاقتصادي الحالي هو شكل من أشكال البلوتوقراطية أو حكم الأثرياء، وهو يختلف بشدة عن الديمقراطية، إذا كنا نعني بهذا المفهوم النظام السياسي الذي تتأثر فيه عملية صنع القرار بشكل كبير بالإرادة العامة.

كانت هناك مناقشات جادة على مر السنين حول ما إذا كانت الرأسمالية متوافقة مع الديمقراطية. إذا التزمنا بالديمقراطية الرأسمالية القائمة بالفعل، فستتم الإجابة بشكل فعل على السؤال: إنها غير متوافقة جذريا.

يبدو لي أنه من غير المحتمل أن تتمكن الحضارة البشرية من البقاء في ظل الرأسمالية القائمة بالفعل والديمقراطية الشعيفة بشدة التي تصاحبها. لكن هل يمكن للديمقراطية الفاعلة أن تُحدث فرقا؟

دعنا ننتقل إلى المشكلة الأكثر خطورة التي تواجهها الحضارة: الكارثة البيئية. تتباعد السياسات الحكومية والمواقف العامة بهذا الشأن بشكل حاد، كما هو الحال غالبا في ظل الديمقراطية الرأسمالية القائمة بالفعل. لقد تم تفحص طبيعة تلك الفجوات بين السياسات والمواقف العامة في العديد من المقالات المنشورة في العدد الحالي من مجلة ديدالوس Deadalus، مجلة الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم.

وجدت الباحثة كيلي سيمز غالاغر أن “109 دول قد انتهجت شكلا من أشكال السياسات في ما يتعلق بالطاقة المتجددة، وأن 118 دولة تتجه لاستخدام الطاقة المتجددة، في المقابل، لم تتبن الولايات المتحدة أي مجموعة متسقة ومستقرة من السياسات على المستوى الوطني لتعزيز استخدام الطاقة المتجددة”.

ليس الرأي العام هو الذي يدفع السياسة الأمريكية بعيدا عن المسار العالمي. بل العكس تماما. فالرأي العام أقرب بكثير إلى المسار العالمي مقارنة بسياسات الحكومة الأمريكية، وأكثر دعما للإجراءات اللازمة لمواجهة الكارثة البيئية المحتملة التي تنبأ بها إجماع علمي ساحق- وهو أمر ليس بعيد المنال، ومن المرجح جدا أن يؤثر على حياة أحفادنا.

وكما جاء في مقال جون أ. كروسنيك وبو ماكينيس في مجالة دابدالوس: “لقد أثنت أغلبية كبيرة من الناس على الخطوات التي تتخذها الحكومة الفيدرالية لتقليل كمية انبعاثات غازات الاحتباس الجراري التي تنشأ عندما تنتج المرافقُ العامة الكهرباء. في عام 2006، فضَّل %86 من السكان الطلب من المرافق العامة، أو تشجيعها بإعفاءات ضريبية، لتقليل كمية غازات الدفيئة التي تنبعث منها… في ذلك العام أيضا، فضَّل %87 من السكان منح الإعفاءات الضريبية للمرافق التي تنتج المزيد من الكهرباء من المياه أو الرياح أو ضوء الشمس… تم الحفاظ على هذه النسب بين عامي 2006 و2010، وتقلصت إلى حد ما بعد ذلك”.

إن حقيقة أن الرأي العام يتأثر بما يقوله العلم هو أمر مقلق للغاية لأولئك الذين يسيطرون على الاقتصاد وسياسة الدولة.

إن أحد الأمثلة الحالية على مخاوفهم هو “قانون تحسين خطط محو الأمية البيئية”، الذي تم اقتراحه للهيئات التشريعية في الولايات المتحدة من قبل مجلس التبادل التشريعي الأمريكي (ALEC)، وهو جماعة ضغط تمولها الشركات تصوغ تشريعات لخدمة احتياجات قطاع الشركات وأصحاب الثروات العالمية.

يفرض هذا القانون “التدريس المتوازن” لعلوم المناخ فى الفصول الدراسية من رياض الأطفال وحتى الصف الثاني عشر. “التدريس المتوازن” عبارة رمزية تشير إلى تعليم إنكار تغير المناخ، إلى “التوازن” في علم المناخ السائد. إنه مشابه لـ”التدريس المتوازن” الذي دعا إليه معتنقو مبدأ الخلقية.. لتمكين تدريس “علم الخَلق” في المدارس العامة. وتم بالفعل تقديم التشريع المستند إلى نماذج مشابهة لهذا القانون في عدة دول.

بالطبع، كل هذا مغطى بعبارات بلاغية حول تدريس التفكير النقدي- وهي فكرة رائعة، بلا شك، ولكن من السهل التفكير في أمثلة أفضل بكثير من قضية تهدد بقاءنا وقد تم اختيارها بسبب أهميتها من حيث أرباح الشركات.

تعرض التقارير الصحفية عادة الجدل القائم بين فريقين حول تغير المناخ.

يتكون الفريق الأول من الغالبية العظمى من العلماء والأكاديميات الوطنية الرئيسية للعلوم، والمجلات العلمية المتخصصة، واللجنة الدولية للتغيرات المناخية (IPCC).

إنهم متفقون على حدوث الاحتباس الحراري حاليا، وأن هناك تدخلا بشريا جوهريا في ذلك، وأن الوضع خطير وربما مؤلم، وأن العالم قد يصل قريبا جدا، وربما في غضون عقود، إلى نقطة تحول حيث ستتصاعد العملية بشكل حاد. وستكون لا رجعة فيها، مع عواقب اقتصادية وخيمة. من النادر أن تجد مثل هذا الإجماع على القضايا العلمية المعقدة.

ويتكون الجانب الآخر من المتشككين، بمن في ذلك عدد قليل من العلماء الذي أُعيد اكتشافهم والذين يُحذِّرون من أن الكثير غير معروف- مما يعني أن الأمور قد لا تكون سيئة كما يُعتقد، أو قد تكون أسوأ.

وبعيدا عن الدخول في نقاش مع مجموعة أكبر من المتشككين: فإن علماء المناخ المرموقين يرون أن التقارير الدولية للجنة الدولية للتغيرات المناخية متحفظة للغاية. وقد ثبتت صحة اعتقاد هؤلاء العلماء مرارا وتكرارا، للأسف.

يبدو أن الحملة الدعائية كان لها بعض التأثير على الرأي العام الأمريكي الذي هو أكثر تشككا من نظيره العالمي. لكن التأثير ليس كبيرا بما يكفي لإرضاء السادة. من المفترض أن هذا هو السبب في أن قطاعات من عالَم الشركات تشن هجومها على النظام التعليمي، في محاولة لمواجهة ميل الجمهور الخطير للانتباه إلى استنتاجات البحث العلمي.

في الاجتماع الشتوي للجنة الوطنية للحزب الجمهوري الذي عٌقد قبل أسابيع قليلة، حذر حاكم ولاية لويزيانا بوبي جندال قيادة الحزب من أنه “يجب أن نتوقف عن كوننا الطرف الغبي… يجب أن نتوقف عن إهانة ذكاء الناخبين”. ضِمن نظام الديمقراطية الرأسمالية القائمة بالفعل، من الأهمية بمكان أن نصبح أمة غبية، ولا يظللها العلم والعقلانية، لمصلحة مكاسب قصيرة المدى لأسياد الاقتصاد والنظام السياسي، ولتذهب العواقب إلى الجحيم.

هذه الالتزامات متجذرة بعمق في مذاهب نظام السوق الأساسية التي يتم التبشير بها داخل الديمقراطية الرأسمالية القائمة بالفعل، على الرغم من ملاحظتها بطريقة انتقائية للغاية، من أجل الحفاظ على دولة قوية تخدم الثروة والسلطة.

تعاني المذاهب الرسمية من عدد من “أوجه القصور في نظام السوق” المألوفة، من بينها عدم مراعاة التأثيرات على الآخرين أثناء إجراء المعاملات داخل نظام السوق. يمكن أن تكون عواقب هذه “العوامل الخارجية” كبيرة. والأزمة المالية الحالية مثال على ذلك. يمكن أن نعزوها جزئيا إلى تجاهل البنوك الكبرى وشركات الاستثمار لـ”لمخاطرَ النظامية”- احتمالية انهيار النظام بأكمله- عند قيامهم بمعاملات محفوفة بالمخاطر.

أما الكارثة البيئية فهي أخطر بكثير: فالتأثير الذي يتم تجاهله هو مصير الأنواع. ولا مكان نلجأ إليه، لمساعدتنا، وإنقاذنا.

في المستقبل، سوف يستذكر المؤرخون (إن وُجدوا) هذا المشهد الغريب الذي بدأ يتشكل في أوائل القرن الحادي والعشرين. لأول مرة في تاريخ البشرية، يواجه البشر احتمالية كبيرة لوقوع كارثة خطيرة نتيجة لأفعالهم- وهي أفعال تقوض احتمالات البقاء اللائق لنا.

سوف يلاحظ هؤلاء المؤرخون أن أغنى وأقوى دولة في التاريخ، وتتمتع بمزايا لا تضاهى، تقود الجهود المبذولة لتكثيف احتمالات وقوع الكارثة. وأن من يقود الجهود المبذولة للحفاظ على الظروف التي يمكن أن يعيش فيها أحفادنا حياة كريمة هي ما يسمى بالمجتمعات “البدائية”: وهي الشعوب والقبائل التي ظهرت منذ فجر التاريخ، والسكان الأصليون.

إن البلدان التي تضم تجمعات كبيرة من السكان الأصليين ذات النفوذ هي في طليعة من يبذل الجهود للحفاظ على كوكب الأرض.في حين أن البلدان التي دفعت السكان الأصليين إلى الانقراض أو التهميش الشديد تتسابق نحو الدمار.

وهكذا تسرع الإكوادور، مع عدد سكانها الأصليين الكبير، إلى الحصول على المساعدة من الدول الغنية للسماح لها بالاحتفاظ باحتياطياتها النفطية الضئيلة تحت الأرض، حيث ينبغي أن تكون.

في هذه الأثناء، تسعى الولايات المتحدة وكندا إلى حرق الوقود الأحفوري، بما في ذلك الرمال النفطية الكندية الخطرة للغاية، والقيام بذلك بأسرع ما يمكن، بينما يشيدان بعجائب قرن من الاستقلال في مجال الطاقة (الذي لا معنى له إلى حد كبير) دون نظرة جانبية إلى الشكل الذي قد يبدو عليه العالم بعد هذا التوجه الشديد نحو تدمير الذات.

ويمكن تعميم هذه الملاحظة: في جميع أنحاء العالم، تكافح المجتمعات الأصلية لحماية ما يسمونه أحيانا “حقوق الطبيعة”، بينما يسخر المتحضرون والمتطورون من هذا السخف.

كل هذا هو عكس ما تتوقعه العقلانية تماما- ما لم يكن هذا هو الشكل المنحرف للعقل والمنطق الذي يمر عبر مصفاة الديمقراطية القائمة بالفعل.

نعوم تشومسكي (2021)، “لأننا نقول ذلك”، ترجمة أحمد الزبيدي، دار المدى للثقافة والفنون، الطبعة الأولى

شارك المقالة

اقرأ أيضا