حركة 20 فبراير: ذاكرة احتجاجية وصيرورة وعي

النساء, رأي8 مارس، 2026

لطيفة زهرة المخلوفي

إن الحديث عن حركة 20 فبراير أشبه بنبش في الذاكرة الجماعية والفردية معًا؛ تفاصيل لا تسقط بالتقادم لأنها وشمٌ في مساري الحياتي، ولأنها المنعطف الأكبر الذي هندس وعيي اليافع.

كانت 2011 سنة استعاد فيها الشارع المغربي روحه النضالية. تزامن النبض الأول للحركة مع مرحلة تلمذتي في الثانية باكالوريا، مسلك العلوم الإنسانية. كنا نحمل شعلة التمرد في دواخلنا، نحن أبناء وبنات القاعدة الاجتماعية المنسية، أبناء وبنات الجنوب الشرقي الذي أُسْقِط عمدًا من خريطة الوطن.

في مواجهة العنف المنظم، صدحت أصواتنا كتلميذات وتلاميذ ضد ضعف التجهيزات في ثانوية ابن خلدون التأهيلية. لم يخفت احتجاجنا داخل القسم الداخلي، بل كان أشدّ. كنا نحتج على رداءة الوجبات والخدمات، ونبدأ بتنظيم النقاشات في “مهجع” الفتيات، ثم نتواصل مع التلاميذ الذكور لتوحيد الموقف. القسم الداخلي كان يضم بناية خاصة بالذكور وأخرى للإناث، ومطعمه مشترك مقسوم إلى نصفين، وهو ما سهّل التنسيق.

كنا نرتّب مطالبنا وفق الأولويات، ونعبّئ المترددين- ات والخائفين- ات من العقوبات أو استدعاء أولياء الأمور. الخطوة النضالية المفضلة كانت مقاطعة الوجبات: ندخل جماعيًا إلى المطعم، نلتف حول الموائد، نتبادل النظرات، ثم نطرق الطاولات بالملاعق في الآن نفسه، ونغادر دون أن نأكل؛ كان الطَّرق بالملاعق إعلان صغير عن تمرد أكبر.

غالبًا ما كانت الإدارة تُرغَم على فتح باب الحوار. حينها نختار لجنة تفاوض وفق معايير دقيقة: الجدية، الانضباط، حسن السلوك، الجرأة، والقدرة على المحاججة. أتذكر أنه جرى اختياري ذات مرة ضمن اللجنة، وكان شعور المسؤولية يغمرني، فيما لهيب الشارع يغذي يقيننا بأن التغيير قد آن أوانه.

بالموازاة مع ذلك، كانت تطالعنا مفاهيم الصراع الطبقي والتحول الثوري. لكن وعيي الغض كان يظن أن ما نحتاجه أبسط: محاسبة بعض الفاسدين، ورعاية أكبر لحقوق النساء، وإدماج المجال القروي في الخريطة الوطنية. غير أن حركة 20 فبراير سرعان ما مدّت الجسور مع السياسي، وعلّمتني أن معاناتنا اليومية ليست معزولة، بل جزءً من بنية اقتصادية واجتماعية قاهرة. تابعتُ الاحتجاجات التي عرفتها المدن المغربية بنهم. فجعلني ذلك الصدى أدرك أن المدن أيضًا تعيش الحيف: أقسام مكتظة، حرمان من العلاج، فئات شعبية كبيرة تعيش تحت وطأة الفقر المدقع، استغلال مفرط في دوائر الإنتاج بالكاد تمكِّنهم- هن الأجور من سد الرمق للعودة في اليوم الموالي لبيع قوة العمل.

وسَّع هذا الإدراك رؤيتي، وحوّل الحلم الفردي إلى حلم جماعي بالعدالة الاجتماعية. كنت أُحدث نفسي بعزيمة: “نحن أيضًا بشر ومغاربة، ولنا حق العيش الكريم، ولابد أن نقاتل من أجله”.

غياب النقل المدرسي، ضعف التجهيزات، رداءة الخدمات، كلها لم أعد أنظر لها كمجرد تقصير من العاملين والعاملات بالقسم الداخلي، بل تمظهرات لقهر بنيوي منظَّم. هكذا أدركنا أن خللًا في مطعم داخلي هو انعكاس لبنية قهر أوسع.

منحتني حركة 20 فبراير لغة جديدة لفهم الظلم، لغة تتجاوز التذمر الفردي إلى الوعي الجماعي. وأيقظت في داخلي إحساسًا بأنني لست وحدي، وأن هناك ملايين تتقاسم ذات القهر وتسعى لاسترجاع الكرامة المداسة بنعل الاستبداد والتفقير.

عندما التحقت بالجامعة، كان رصيد 20 فبراير هو الشرارة الأولى التي دفعتني إلى الانخراط في النضال الطلابي. لم أعد أتعامل مع السياسة كشأن خارجي، بل غذت جزءً من حياتي اليومية. لم تكن الجامعة مجرد فضاء للتلقين، بل رُكحا حرّا للتعبير عن الذات الجماعية، مدرسةً للوطنية الحقّة خارج مفاهيم الخضوع والطاعة. تعلمت أن النضال الطلابي امتداد لتجربة التهميش في مسقط رأسي قرية “فم الواد” واحدة من مداشر إقليم طاطا، أيقنت بقوة أن الحرية لا تُنال في عزلة. بل تُبنى جماعيًا على قاعدة التضامن الشعبي.

علّمتني حركة 20 فبراير أن أي حديث عن “تمكين” داخل نفس النظام ليس سوى إعادة إنتاج للوهم؛ وأن التغيير الحقيقي لا يكون إصلاحًا سطحيًا أو زخرفةَ واجهةٍ مهترئة، بل دكًّا لجذور البنية التي تعيد إنتاج القهر يوميًا. من هنا صار وعيي النسوي التحرري جزءًا لا يتجزأ من وعيي السياسي، لأن النساء في القرى والهوامش لسن مجرد ضحايا، بل في قلب المعركة اليومية، يحملن أثقال التفقير ويصنعن مقاومة صامتة.

قراءة التاريخ خارج السردية الرسمية، بأصوات المهمشين والمسحوقين، مكّننا من فهم ميلاد حركة 20 فبراير كامتداد لذاكرة احتجاجية أوسع، ذاكرة انتفاضات سابقة وصوت القاعدة الشعبية عبر عقود. التاريخ لا يُمحى، بل يتجدد في كل جيل.

من هنا صار وعيي امتدادًا لذاكرة جماعية لا تنطفئ، بل تتجدد في كل فعل احتجاجي. لقد علّمتني التجربة أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، وأن الكرامة لا تُبنى بمعزل عن بنات وأبناء طبقتنا، بل في فعلنا الجماعي وعمودُه التضامن. ومنذ تلك اللحظة، صار مصيري مرتبطًا بمصير الجماعة، وصار النضال مسارًا طويلًا لا لحظة عابرة.

إن ما زرعته حركة 20 فبراير لم يخفت بخفوت صوتها في الشارع، بل ظل حيًا فينا، يذكّرنا أن الحرية والكرامة تُبنى بالتراكم، جيلاً بعد جيل.

لقد كانت بذرة ولادة وعي نسوي تحرري، لأنها وسّعت الرؤية وربطت بين القهر البنيوي الذي عشته في الهامش وبين ضرورة الفعل الجماعي. ومنذ ذلك الحين، صار الوعي السياسي والإنساني جزءًا لا يتجزأ من المسار الشخصي والجماعي، لأن الحرية لا تُنال إلا جماعيًا، وأي وعد بالتمكين داخل نفس النظام ليس إلا تكريسًا لهيمنة الرأسمال على الأجساد والأحلام.

شارك المقالة

اقرأ أيضا