الجامعة التي تطرد أبناءها بسهولة، تفقد رسالتها قبل أن تفقد طلبتها

بقلم؛ السفريوي محمد

أقدمت رئاسة جامعة ابن طفيل بالقنيطرة على إصدار قرارات تعسفية، تقضي بطرد ثمانية عشر طالبا من كليات مختلفة، على خلفية الاحتجاجات التي عرفها الحرم الجامعي. وجاء توقيت هذه القرارات بعد شهرين من صدور أحكام قضائية ابتدائية في حق الطلبة المعنيين، وبعد استفادتهم من تقليص مدة العقوبة وإطلاق سراحهم. واكتفت إدارة الجامعة مبررة قرارها، بالحديث عن “تجاوزات خطيرة” دون تقديم تفاصيل دقيقة حول طبيعة هذه المخالفات.

غير أن حجم العقوبة وطبيعتها يطرحان العديد من الأسئلة، فقرار طرد ثمانية عشر طالبا دفعة واحدة، لا يمكن اعتباره مجرد إجراء تأديبي عادي داخل مؤسسة للتعليم العالي. إننا أمام واقعة تتجاوز بعدها الإداري لتطرح سؤالا أعمق: ما الذي تبقى من فكرة الجامعة حين تتحول إلى مؤسسة للطرد بدل أن تكون فضاء للاختلاف والحوار والتنشئة؟

فالجامعة، في تقاليد وأعراف التعليم العالي عبر العالم، ليست فضاءً للانضباط الصارم، بل مجالا لتكوين الفكر النقدي وتعلم الاختلاف. داخل أسوارها تتشكل الأنوية الأولى للنقاش العمومي، وتتبلور حساسيات سياسية وثقافية لدى الأجيال الجديدة. ولهذا فإن أي قرار تأديبي داخل الجامعة لا يقاس فقط بمدى قانونيته الشكلية، بل أيضا بمدى انسجامه مع رسالة المؤسسة نفسها.

ما حدث في القنيطرة يبدو أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ”الكارثة الأكاديمية”: ثمانية عشر طالبا وطالبة من مستويات مختلفة — الإجازة والماستر والدكتوراه — وجدوا أنفسهم خارج أسلاك التعليم العالي بقرار غريب. والسبب المعلَن هو مشاركتهم في احتجاجات طلابية طالبت بتأجيل الامتحانات ودافعت عن مجانية التعليم. أي أن العقوبة لم ترتبط بحالات عنف جسدي أو اعتداءات خطيرة أو شبكات غش، وهي الحالات التي تشكل عادة مبررا للعقوبات القصوى في الأعراف الجامعية.

هنا يبرز السؤال الذي يحق لنا طرحه: أليست العقوبات في كل الأعراف المهنية والتربوية عقوبات تصاعدية؟

فالمنطق التأديبي يقوم على التدرج: تنبيه، إنذار، توقيف مؤقت، ثم – في الحالات القصوى والاستثنائية – الطرد النهائي. أما القفز مباشرة إلى أقسى العقوبات، وبشكل جماعي، فهو ما يجعل القرار يثير شكوكا حول طبيعته ودلالاته.

في جل التجارب الجامعية الدولية، ينظر إلى الطرد النهائي باعتباره عقوبة نادرة لا تُستعمل إلا في حالات العنف الخطير أو الاعتداءات الجسدية أو الغش المنظم. بل إن عددا من الاجتهادات القضائية في العالم تعتبر الطرد النهائي عقوبة غير متناسبة في حالات عديدة، وتفضّل تعويضها بعقوبات مؤقتة أو إجراءات تأديبية محدودة زمنيا.

من هذا المنظور، يصبح القرار الذي اتخذته إدارة الجامعة رسالة سياسية بدل إجراء بيداغوجي. رسالة مفادها أن الاحتجاج الطلابي، حتى حين يتعلق بقضايا مرتبطة بالدراسة نفسها، يمكن أن يتحول إلى فعل مجرَّم يستوجب الإقصاء من المؤسسة.

 الجامعة المغربية ظلت، إلى حد ما، تاريخيا فضاء يتشكل فيه الوعي السياسي والثقافي للأجيال. واليوم حين تضيق المؤسسة بهذا الدور، فإنها لا تعاقب مجموعة من الطلبة فقط، بل يضيق أيضا أفق الجامعة بوصفها مدرسة للمواطنة والنقاش العمومي.

لهذا فإن النقاش حول هذه القرارات لا يتعلق فقط بمصير ثمانية عشر طالبا، بل بمصير فكرة الجامعة نفسها. لأن الدفاع عن الطلبة هنا هو في الجوهر دفاع عن مؤسسة يفترض أن تتسع للاحتجاج كما تتسع للدرس، وأن تحتضن النقاش بدل أن تخشاه.

فالجامعة التي تطرد أبناءها بسهولة، قد تخاطر في النهاية بأن تفقد رسالتها قبل أن تفقد طلبتها.

شارك المقالة

اقرأ أيضا