طرد المناضلين/ت بجامعة ابن طفيل: معركة من أجل الدفاع عن الجامعة العمومية

بقلم،مناضل تقدمي سابق في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب

إذا كان التاريخ قد علمنا شيئا، فهو أن الحركة الطلابية قادرة دائما على تحويل لحظات القمع إلى لحظات نضال وكفاح، وأن الجامعة ستظل، رغم كل محاولات تدجينها، فضاء للصراع الفكري والسياسي من أجل مستقبل جامعي يليق بأبناء الشعب المغربي.

لم تكن الجامعة في تاريخها مجرد فضاء لتلقين الدروس أو تحصيل الشهادات، بل شكلت عبر مختلف المراحل التاريخية مجالا لإنتاج المعرفة النقدية، وساحة للنقاش الفكري والسياسي، وفضاء تتبلور داخله أسئلة المجتمع وقضاياه الكبرى. فالجامعة في جوهرها ليست فقط مؤسسة تعليمية بتعريفها الضيق، بل فضاء عموميا يلتقي فيه الفكر النقدي مع الطموح الجماعي نحو التغيير والتقدم. غير أن ما شهدته جامعة ابن طفيل من قرار يقضي بطرد 18 مناضلا ومناضلة يعكس تحولا خطيرا في مسار التعامل مع الجامعة، ويؤشر على تصاعد الهجوم على فضائها النضالي والفكري.

إن قرار الطرد هذا لا يمكن اعتباره مجرد إجراء “إداري” معزول، بل يندرج ضمن سياق أوسع يتسم بتصاعد الهجوم على الجامعة العمومية وعلى الحركة الطلابية المغربية، التي شكلت تاريخيا قوة اقتراحية ونضالية داخل المجتمع. ويراد للجامعة اليوم أن تتحول إلى مؤسسة تضبطها آليات الردع والرقابة، بهدف كبح أي تطور نوعي يمكن أن تعرفه الحركة الطلابية المغربية.

وفي هذا السياق، يبدو واضحا أن قرار الطرد يستهدف بشكل مباشر الدينامية النضالية التي عرفها موقع القنيطرة منذ انطلاق الموسم الجامعي، خصوصا مع تصاعد النضال الطلابي الرافض للقانون 59.24. فقد خاض رفاق ورفيقات فصيل الطلبة القاعديين التقدميين معركة نضالية دفاعا عن الجامعة العمومية ومن أجل تحصين المكتسبات التاريخية للحركة الطلابية المغربية، معتبرين أن هذا القانون يشكل خطوة إضافية في مسار تفكيك التعليم العمومي وفتح الباب أمام مزيد من الخوصصة والإقصاء الطبقي. ولم يتوقف الهجوم على هذه الدينامية النضالية عند حدود اعتقال 12 من المناضلين/ت، وأربع منهم في حالة اعتقال، بل تعداه إلى الطرد المباشر من الجامعة، في محاولة واضحة لترهيب الحركة الطلابية وكبح قدرتها على الاستمرار في النضال.

كما أن هذه السياسات لا يمكن فصلها عن الاختيارات السياسية والاقتصادية للنظام السياسي القائم بالمغرب، والتي تسعى إلى إعادة تشكيل الجامعة وفق منطق السوق، حيث يتم التعامل مع التعليم كسلعة لا كحق اجتماعي. وفي هذا السياق، يصبح إضعاف الحركة الطلابية وتفكيك قدرتها على التنظيم والنضال خطوة أساسية لتمرير سياسات تمس في العمق حق أبناء الشعب المغربي في تعليم عمومي، علمي، ديمقراطي وموحد.

ورغم كل أشكال القمع والتضييق، فإن تاريخ الحركة الطلابية المغربية يثبت أنها كانت دائما قادرة على مجابهة مثل هذه القرارات والتصدي لها. فمنذ عقود، شكلت الحركة الطلابية قوة سياسية وجماهيرية جسّدت إرادة صلبة في الدفاع عن الحقوق والحريات وعن تعليم علمي، ديمقراطي وشعبي. وقد واجهت الحركة الطلابية عبر تاريخها الاعتقالات والطرد والمحاكمات، لكنها استطاعت في كل مرة أن تعيد بناء نفسها وأن تواصل الدفاع عن قضايا الجماهير الطلابية وعن قضايا الشعب المغربي، مؤكدة أن صوت الحركة الطلابية لا يمكن إسكاته بسهولة.

وفي قلب هذا التاريخ النضالي كانت، وما تزال، الحركة الطلابية المغربية وإطارها التنظيمي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الذي شكل منذ تأسيسه إطارا كفاحيا للطلبة المغاربة ورافعة أساسية لنضالاتهم داخل الجامعة. فقد استطاع هذا التنظيم، عبر مختلف مراحله التاريخية، أن يعبّر عن تطلعات الجماهير الطلابية وأن يؤطر معاركهم دفاعا عن الحقوق الديمقراطية والنقابية والبيداغوجية. ورغم ما تعرض له من تضييق وحظر قانوني بداية السبعينات، فإن أوطم لم يختف من الجامعة، بل ظل حاضرا عبر نضالات الجماهير الطلابية التي حافظت على تقاليده الكفاحية وعلى هويته التنظيمية داخل مختلف المواقع الجامعية.

وقد شكلت نهاية الثمانينيات محطة بارزة في هذا المسار، خاصة مع معركة المطرودين سنة 1989، التي تحولت إلى لحظة نضالية قوية أعادت طرح قضية المشروعية النضالية داخل الجامعة. فبفضل التعبئة الطلابية الواسعة والتضامن الذي رافق تلك المعركة، استطاعت الحركة الطلابية أن تفرض عودة المطرودين وأن تنتزع المشروعية العملية لأوطم داخل الجامعة، وأن تكسر جدار الحظر العملي، حتى أصبحت الحركة الطلابية آنذاك قاب قوسين أو أدنى من عقد المؤتمر الاستثنائي لأوطم، لولا الهجوم الذي شنته القوى الظلامية على الحركة الطلابية بإيعاز من النظام القائم بالمغرب. ورغم استمرار الحظر العملي المفروض على التنظيم الطلابي (أوطم)، فقد أثبت التاريخ أن شرعية التنظيم الطلابي لا تمنح بقرار إداري، بل تنتزع عبر النضال اليومي للطلبة وعبر ارتباط الإطار التنظيمي بقضاياهم الفعلية ومطالبهم الملموسة.
محمد بوخزار
إن استحضار هذا التاريخ اليوم ليس مجرد استعادة لوقائع التاريخ، بل هو تأكيد على أن الحركة الطلابية تمتلك من الرصيد النضالي والتنظيمي ما يمكنها من التصدي للقرارات القمعية التي تستهدف الطلبة والمناضلين.

إن خطورة هذا القرار لا تكمن فقط في آثاره المباشرة على الطلبة المطرودين أو على موقع القنيطرة وحده، بل في ما يمكن أن يفتحه من سابقة خطيرة داخل باقي المواقع الجامعية. فمرور قرار الطرد دون مجابهة جماهيرية حازمة قد يشجع إدارات جامعية أخرى على انتهاج النهج نفسه في التعامل مع الفعل النضالي الطلابي، بما يعني تعميم منطق الردع والإقصاء داخل الجامعة المغربية. ومن هنا، فإن المعركة ضد هذا القرار تتجاوز حدود موقع جامعي بعينه، لتصبح معركة تهم الحركة الطلابية المغربية والحركة الديمقراطية عامة.

وأمام خطورة هذا القرار وتداعياته، يصبح من الضروري تحويل هذه القضية من شأن جامعي ضيق إلى نقاش مجتمعي واسع، تتحمل فيه مختلف القوى الديمقراطية والتقدمية مسؤوليتها التاريخية. فالدفاع عن الجامعة العمومية وعن حرية العمل النقابي والسياسي داخلها ليس قضية تخص الطلبة وحدهم، بل هو معركة مجتمعية تتعلق بمستقبل الجامعة وبحق أبناء الشعب المغربي في تعليم شعبي يضمن الكرامة والعدالة الاجتماعية.

إن مجابهة هذا القرار الجائر لا يمكن أن تتم فقط عبر التنديد أو الاستنكار، بل تتطلب بلورة أشكال نضالية وضغط جماهيري قادرين على فرض التراجع عنه. فالحركة الطلابية داخل موقع القنيطرة مدعوة اليوم إلى توسيع دائرة النقاش وسط الجماهير الطلابية والعمل على تعبئتها حول خطورة هذا القرار وما يحمله من سابقة تمس حق الطلبة في التعليم والنضال.

وفي السياق ذاته، تفرض هذه التطورات على أطراف الحركة الطلابية بمختلف حساسياتها مسؤولية تاريخية لتوحيد الصفوف وتغليب منطق الوحدة النضالية الكفاحية دفاعا عن الجامعة العمومية وعن حقوق الطلبة. فالهجوم الذي يستهدف المناضلين المطرودين ليس موجها إلى أفراد بعينهم، بل هو رسالة موجهة إلى الحركة الطلابية المغربية ككل.

وفي المقابل، فإن مسؤولية الدفاع عن الجامعة العمومية لا تقع على عاتق الطلبة وحدهم، بل هي مسؤولية مشتركة تتحملها أيضا القوى الديمقراطية والتقدمية خارج أسوار الجامعة.

وانطلاقا من ضرورة بلورة رد نضالي جماعي ومسؤول يرقى إلى خطورة المرحلة، ويوازي حجم الاستهداف الذي يطال المناضلين والمناضلات داخل الجامعة، نقترح جملة من المبادرات والخطوات العملية التي ينبغي الاشتغال عليها وتطويرها بشكل وحدوي بين مختلف مكونات الحركة الطلابية والقوى المتضامنة معها، ومن بينها:

** تأسيس لجنة وطنية للدفاع عن الطلبة المطرودين تضم فعاليات حقوقية ونقابية وطلابية وأكاديمية، تتكلف بتنسيق الجهود النضالية والسياسية والإعلامية والقانونية/الحقوقية على المستوى الوطني.
** إطلاق عريضة وطنية للتضامن يوقعها الطلبة والأساتذة والمثقفون والفاعلون الحقوقيون، للمطالبة بإلغاء قرارات الطرد وإنصاف الطلبة المعنيين.
** عقد ندوات ولقاءات سياسية وإعلامية حول واقع الحريات داخل الجامعة وخطورة التضييق على العمل النقابي والسياسي من داخل الجامعة.
** إطلاق حملة إعلامية وطنية عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي للتعريف بالقضية وفضح خلفيات قرار الطرد.
** تشكيل هيئة دفاع قانونية من محامين وحقوقيين للطعن في قرارات الطرد ومتابعة الملف أمام القضاء والهيئات الحقوقية المختصة.
** التواصل مع الهيئات الحقوقية الوطنية والدولية لطرح الملف والترافع حوله باعتباره قضية تمس الحق في التعليم.
** تنظيم أيام ووقفات تضامنية داخل الجامعات عبر مختلف المواقع الجامعية، للتعريف بالقضية وتوسيع دائرة التضامن الطلابي.
** تنظيم أشكال نضالية طلابية موحدة خارج الجامعة، تعبر عن رفض الطلبة لهذه القرارات وتؤكد وحدة الحركة الطلابية في الدفاع عن حقوقها.
** الدعوة إلى يوم وطني طلابي للتضامن مع الطلبة المطرودين، تتخلله أشكال نضالية موحدة في مختلف الجامعات.

شارك المقالة

اقرأ أيضا