هل الصين إمبريالية؟
بقلم؛ علي أموزاي
يبرز إلى الواجهة كل مرة الطابع الإمبريالي للصين (وروسيا)، وقد احتد مؤخرا مع الحرب الأمريكية- الصهيونية الأخيرة على إيران. وينبري قسم من اليسار (اليسار الاصطفافي)، إما إلى نكران الطابع الإمبريالي للصين، أو اعتبارها أهون الشرَّين مقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي عدم جوازِ “وضع التناقض مع روسيا والصين في نفس مستوى التناقض مع المنظومة الإمبريالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي تمثل ألذ عدو لشعوب المعمورة قاطبة”.
نشرت موقع جريدة المناضل- ة سجالا حول الموضوع بين مايكل بروبستينغ [https://www.almounadila.info/archives/27747] وكلاوديو كاتز [https://www.almounadila.info/archives/27749].
للمزيد من إلقاء الضوء على هذا النقاش ننشر هنا فصل من دراسة بعنوان “معادن المغرب الاستراتيجية والحرجة: فرصة للتصنيع أم ساحة معركة جيوسياسية بين الصين والغرب”، منشورة على موقع المعهد العابر للقوميات [https://www.tni.org/en/publication/critical-raw-minerals-in-morocco?translation=ar]. وهي هنا للتحميل: معادن المغرب الاستراتيجية والحرجة arabic version
تقديم جريدة المناضل- ة
صعود الصين: على خطى الولايات المتحدة الأمريكية
يحفَّز التنافس حول المعادن الاستراتيجية والحرجة والأتربة النادرة نقاشا قديما حول الطبيعة الإمبريالية للصين أو استمرار تجسيدها لبديل في وجه الهيمنة الإمبريالية/ فك الارتباط. تَظهر الصين في لوحة التنافس العالمي مثل تلميذ يقتفي خطى أستاذه، بل ويتفوّق عليه. وتظلُّ علاقات الصين بالولايات المتحدة “في معظم الحالات أكثر تعقيدا”، على حد تعبير الاقتصادي الماركسي ديفيد هارفي، الذي أشار إلى التحول/ الانقلاب في الاقتصاد الصيني نهاية سبعينيات القرن العشرين بقول: “يجب ألّا ننسى أن الطبقات العليا في الصين هي التي طلبت العون من الولايات المتحدة لتنفيذ انقلابها، وأنها هي التي قبلت إعادة الهيكلة الليبرالية الجديدة باعتبارها مسارَ التقدم والازدهار”[1]. هكذا فتحت دولة الصين حدود “إمبراطوريتها الأرضية” للرأسمال والتكنولوجيا الأجنبية للمساعدة في نوع من “التراكم البدئي” للرأسمال، بعد ربع قرن من تجربة “اشتراكية” (متزامنة مع ربع قرن من ازدهار الرأسمالية الغربية: السنوات الثلاثين المجيدة)، وضِمن أشكال هذا التراكم البدئي استغلالُ طبقات العمال (خصوصا ملايين العمال الريفيين)[2] في البلد وتخريب بيئته.
استفادت الصين من إعادة الهيكلة العالمية للاقتصاد الرأسمالي، التي باشرتها القوى الإمبريالية الغربية لتجاوز الركود طويل الأمد الذي انطلق في بداية السبعينيات، وحسب التعبير الموفّق لهارفي: “إن ظهور الصين المدهش كقوة اقتصادية عالمية بعد عام 1980، كان جزئيا نتيجة غير مقصودة للتحول الليبرالي الجديد في العالم الرأسمالي المتقدم”[3].
لذلك، فإنّ الولايات المتحدة بعد أن بدأ تلميذُها يتفوّق عليها أرادت مراجعة القواعد التي أطلقتها في الربع الأخير من القرن العشرين، المسمّاة عادةً بـ”العولمة النيوليبرالية”. بدأت الحرب التجارية والتنافس على مناطق النفوذ في نهاية عهد باراك أوباما واشتدّ في عهد دونالد ترامب، ولم تتوقف حدّته في عهد جو بايدن، ويبدو أنه سيكون أشد شراسة بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. إذ أعلن في حملته الانتخابية، في نوفمبر 2024، عزمه فرض رسوم جمركية باهظة على السلع المصنوعة في الصين بنسبة تبلغ 60%، لإرغام الشركات الأمريكية والأجنبية التي تصنع منتجاتها في الصين على نقل سلاسل التوريد بسرعة إلى الولايات المتحدة” [4].
بدأت السوق العالمية تختنق بوصول لاعب كبير هو الصين، لا يطالب فقط بحصته في السوق العالمية تلك، بل يسعى إلى إعادة ترتيب علاقات القوة على المستوى العالمي. ولأنّ الولايات المتحدة، المُنهَكة بأزمة اقتصادية مديدة منذ سنة 2008 وحروب خارجية مكلِّفة (العراق وأفغانستان)، والناظرة إلى الصين تَصعد اعتمادا على القواعد ذاتها التي أرستها الولايات المتحدة، أدركت أنّ تلك القواعد تضرّ بمصلحتها، وبدأت في ما يسمّى حاليا “إزالة العولمة”. ويبدو أنها تعمل بناء على الفكرة التي بسطها إيمانويل فالرشتاين: “وقد أفضى الأمر إلى ظهور أولى التناقضات الأساسية في النظام؛ فقد بدا أنّ مصلحة جميع الرأسماليين، منظورا إليهم كطبقة، إنما تكمن في خفض تكاليف الإنتاج كلها، في حين أن هذه التخفيضات صيغت غالبا في مصلحة رأسماليين آخرين؛ وهنا فضَّل بعضهم زيادة حصته من هامش عالمي أصغر على القبول بحصة أصغر من هامش عالمي أكبر”[5]. هكذا أدت قواعد العولمة النيوليبرالية، التي صاغتها الولايات المتحدة لتخفيض أكلاف الإنتاج ردًا على الركود الاقتصادي لنهاية سبعينيات القرن العشرين، إلى استفادة الصين من تلك القواعد، لكن دون خضوعها لقواعد النيوليبرالية تلك في اقتصادها الخاص.
وقد لاحظنا استياءً من هذا الوضع في ورقة صادرة عن صندوق النقد الدولي (فبراير 2024)، اشتكت من اعتماد السياسات الصناعية في الصين على “الشركات المملوكة للدولة”، والآليات التي تستعملها (دعم واسع النطاق للقطاعات ذات الأولوية، الائتمان التفضيلي، وتمويل البحوث، والتعاون بين كيانات الدولة، والإعفاءات الضريبية للابتكار، فضلاً عن الحوافز المقدمة لشركات وقطاعات التصنيع الاستراتيجية وشركات وقطاعات العلوم والتكنولوجيا). ودعت الورقة إلى “إصلاحات مؤيدة للسوق” و”بمزيد من تحرير السوق، لا سيما في مجال الخدمات، وضمان تطبيق سياسة المنافسة على الشركات المملوكة للدولة والشركات الخاصة على قدم المساواة. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للسياسات التي من شأنها أن تسمح بزيادة دخول الشركات وخروجها أن تعزز ديناميكية الأعمال التجارية وتعزز الابتكار في مجاليْ التصنيع والخدمات”[6].
تحوَّل ردّ الولايات المتحدة على صعود الصين الاقتصادي إلى حركة عكسية دفاعية ضد السوق الدولية ومعاييرها (التبادل الحرّ، الحمائية والرسوم الجمركية) التي بشّرت بها لعقود. ويبدو أننا نشهد مفارقة تاريخية؛ فالصين التي كان مُنظِّرُو النزعة العالم ثالثية يصفونها بزعيمة فكّ الارتباط مع السوق العالمية أصبحت أكثر تشبّثا بولوجها، في حين أن الولايات المتحدة زعيمة تلك السوق أصبحت تتخوف من قواعدها.
في ما يخصّ المعادن الاستراتيجية والحرجة والسيارات الكهربائية، أعلن جو بايدن ما عُرف باسم “قانون خفض التضخم”؛ وهو “تشريع مصمَّم لإزالة الكربون من الاقتصاد الأمريكي، وإعادة سلاسل توريد المعادن المهمة من الخارج/ re-shore، وكسر الاعتماد على الصين”. وفي الوقت نفسه، أطلق الاتحاد الأوروبي في سبتمبر 2023 تحقيقًا لمكافحة الدعم في السيارات الكهربائية الصينية وآلية تعديل حدود الكربون (2023)[7]. لكنّ الصين تستفيد من إحدى آليات العولمة التي أرستها الولايات المتحدة منذ عقود، أي “اتفاقيات التبادل الحر”، لتجاوز عقبة ذاك القانون. فهذا الأخير يعتمد، من بين أمور أخرى، على “التوطين الصديق” حيث تعتمد الولايات المتحدة على المعادن المستخرجة من المناجم وسلسلة التوريد التي جرى تطويرها في البلدان الصديقة للولايات المتحدة وتلك التي لديها اتفاقيات تجارة حرّة معها. اختارت الصين الاستثمار في البطاريات الكهربائية داخل البلدان التي تجمعها اتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي (مثل المغرب والمجر وكندا)، للتحايل على ذلك القانون.
حدود التناقض بين الصين والغرب
هناك نقاشات عديدة حول الطابع الإمبريالي للصين. وبين قولٍ بالمُطلَق بأنّ الصين إمبريالية (بيير روسيه[8]) وآخرين يحصرون الإمبريالية في الولايات المتحدة والقطب الملتفّ حولها (كلاوديو كاتز[9])، ومن يقول بأن النقاش لم يُحسم بعدُ (جلبير الأشقر[10])، وقائلٍ بأن الصين ما تزال في طريق فكّ الارتباط وتحمي مشروعها الوطني (سمير أمين[11]). يظلّ التحديد الأقرب إلى الواقع هو ما ذهب إليه والتر رودني في كتابه “أوروبا والتخلف في أفريقيا”: “الإمبريالية تعني التوسع الرأسمالي”، وعلى خلاف الذين يحصرون الإمبريالية في طابعها الأحادي الجانب: العسكري، يؤكد رودني بأن “الإمبريالية ظاهرة اقتصادية أساسا لا تؤدي بالضرورة إلى هيمنة سياسية مباشرة أو استعمار”… وهي نفس فكرة لينين الذي أكّد “أنّ الإمبريالية الحديثة ستستمر بعد انتهاء الاستعمار المُرتبط بالإمبراطوريات. كما أنه من الممكن القول بأن الإمبريالية بصفتها اقتصادًا عالميًا رأسماليًا كاملاً لا يمكنها أن تكتمل إلّا بالاستقلال عن الاستعمارية (colonialism) في آسيا وأفريقيا، لإفساح المجال أمام “الإلزام البليد للقوى الاقتصادية” سواءٌ دوليًا أو محلّيًا، كآليات تحلّ محلّ الإكراه السياسي والقانوني للحكم الاستعماري”[12]. إن الإمبريالية الخالية من الاستعمار هي “أنقى/ أذكى مراحل الإمبريالية”، إذا حوَّرنا مفهوم لينين القديم” الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، وهذا ما يخدع الاصطفافيين إلى جانب الصين وينفون عنها صفة الإمبريالية.
ولنتذكّر بأنّ صعود الإمبريالية الأمريكية وهيمنتها على العالم تزامنا مع أكبر موجة تحرّر للمستعمَرات، وضمنها الصين التي أصبحت “شيوعية” بعد ثورة وطنية ضد الاحتلال الإمبريالي الياباني. والصين الحالية ليست هي صين 1949، حيث تحدّث كريس هان وكيث هارث في كتابهما “الأنثروبولوجيا الاقتصادية” عن “ترويض الثورة الاشتراكية في الصين والإصلاحات ما بعد 1979 التي جرّدتها من صفتها الاشتراكية”[13].
تُعمي الأبصارَ الصراعاتُ الجيوستراتيجية بين الأقطاب العالمية وتُخفي المصالحَ الاقتصادية المترابطة بين رأسماليّي تلك الأقطاب، وتؤدّي إلى استنتاجات سياسية مُضرّة بالنضال ضد الإمبريالية على المستوى العالمي، عبر اصطفافية إلى جانب هذا القطب أو ذاك، ويُنسَى واقع بسيط هنا: لا تُصارع الصين من أجل التخلص من هيمنة إمبريالية (كما كان الحال في النصف الأول من القرن العشرين)، بل من أجل فرض هيمنتها العالمية، باستعمال نفس آليات الهيمنة الإمبريالية التي تصارع الشعوب حاليا للتخلص منها.
كتب روبين ميريديت منذ سنة 2007: “إن الاقتصاد الكوكبي أصبح بالفعل شديد الترابط بعضه ببعض، بحيث إنّ توجيه ضربة إلى الصين واتخاذ الهند كبش فداء يمكن أن يُفضيا إلى أضرار جسيمة باقتصاد أمريكا”[14].
يفهم الرأسماليون من كل البلدان عمق هذه الترابطات، ويعارضون- أحيانا- سياسات حكّامهم. ففي وجه “قانون مكافحة التضخم” تبدو اعتراضات أقسام من القطاع الخاص الأمريكي جليّة، إذ ورد في دراسة صادرة عن “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية Center For Strategic And International Studies”[15] حول ذلك القانون ما يلي: “ومع ذلك، فإن نجاح هذه المبادرات الحكومية يعتمد بشكل كبير على مدى استعداد القطاع الخاص في هذه الدول للاصطفاف وراء الأولويات الجيوسياسية لحكوماتها في الانفصال عن الصين. ومع ذلك، يبدو أنّ العكس هو الصحيح حتى الآن. وتكشف الشراكات الجديدة بين الشركات الصينية الخاصة أو المملوكة للدولة والشركات الخاصة الغربية عن بعض التردّد في القطاع الخاص الغربي في دعم حكوماته… يبدو أن القيود القانونية والحوافز الاقتصادية ليست فعّالة بما فيه الكفاية لردع التعاون مع الكيانات الصينية، ويذهب البعض إلى حد نقل مقرّاته الرئيسية فقط ليتمكن من التعامل مع الشركات الصينية”[16].
وفي مقال بعنوان “هل بإمكان شركات السيّارات الغربية الخروج من السوق الصينية؟”، أورد آدم توز ما يفيد عمق الارتباط بين الرأسمال الألماني وقطاع إنتاج السيارات في الصين. وفي وجه المخاوف الجيوستراتيجية الألمانية، علَّق توز قائلا: “إن العمل في الصين ليس بمثابة سَلّة تضع فيها بيضك أو لا تضعه. إنّ الصين ليست سوقاً يمكنك أن تُخفِّف من مخاطرها، أو تُوازِنها بأسواق أخرى. إنها السوق، بألف ولام التعريف. إنها البلد الذي من المُرجَّح أن يتقرّر فيه مستقبل الصناعة العالمية من حيث اتجاهات الاستهلاك والإنتاج”، مضيفا: “يمكنك بالتأكيد المغادرة. لكنك تقاتل من أجل البقاء لأنك تخشى فقدان الاتصال بوِجهَة الصناعة العالمية. إن الخروج من الصين أو عدم إعطاء الأولوية لها سيكون بمثابة هزيمةٍ، لها عواقبٌ استراتيجية”[17].
لكن هذا لا يعني أن التناقض بين القوتين العظميين قد لا يصل إلى حد التفجر الكارثي. فالحرب العالمية الأولى قامت أيضا في إطار اقتصاد عالمي شديد الترابط، والمنطق الحاكمُ هو أن قوى الإنتاج الرأسمالي قد تخطت حدود الدول القومية وتختنق بها بصورة دورية، والحرب الإمبريالية إحدى آليات الرأسمالية العالمية للتكيف الدوري مع تلك الحدود. والتشنجات الاقتصادية الناشئة منذ الركود العظيم لسنتي 2008- 2009، والتي تتعمق مفاعيلها في إثر أزمة كوفيد- 19 وحرب روسيا على أوكرانيا والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين… إلخ، كلها تشكل مادة ملتهبة في الساحة السياسية العالمية، قد تنفجر بسبب شرارة غير متوقَّعة.
لا تقدِّم الصين بديلا اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا لهيمنة الإمبريالية الغربية، وإنما هما وجهان لنفس العملة الإمبريالية[18]، وينخدع الاصطفافيون بأحد وجهي تلك العملة، دون الاهتمام بالعملة في مجملها. فمن شأن التركيز على الجيوسياسةِ التعميةَ على النموذج التدميري الذي تقدّمه الصين وإخفاء تناقضاتها الداخلية كدولة رأسمالية، قائمة على الاستغلال المفرط والقمعي لطبقاتها العاملة، وفي نفس الوقت المدمّر للبيئة، وتُرسي الصين نفس الممارسات التي أقامتها القوى الاستعمارية التقليدية في دول الجنوب العالمي، خاصة في أفريقيا[19]. هيمنة الصين على سلسلة المعادن الاستراتيجية والحرجة- على سبيل المثال- قائم على “التكاليف البيئية التي وافقت الصين على تحمّلها. وفي ظلّ معايير بيئية أقلّ تقييدًا من تلك التي تتبناها الدول الغربية، تحمّلت الصين التكلفة البيئية، الأمر الذي مكّنها من تأمين مكانة أساسية في تكرير الليثيوم لتلبية الاحتياجات الهائلة لصناعة السيارات الكهربائية[20].
طبعَا، ليس هذا نفيًا لحدّة الصراعات الجيوسياسية، ولكنّ التركيز عليها وإغفال المنطق الطبقي ومصالح رأس المال وحجم اندماجه وتناقضاته على المستوى العالمي، سيجعل التحليل قاصرًا عن إدراك التعقيد الذي يعرفه العالم حاليا، بل يؤدي إلى إلى استعارات خاطئة، مثل تلك الواردة في ورقة بحثية صادرة عن معهد TNI في دراسة بعنوان “‘العالم الدارويني الجديد’ للتحول في مجال الطاقة، كاتل والاستراتيجيات الرأسمالية والتحالفات الناشئة بين الدولة ورأس المال”[21]، وهو إسقاط لأحد أهم الإنجازات في علوم الطبيعة على مجال الاجتماع (الاقتصاد والسياسة)، فلسنا بحاجة إلى استعارة من “عالَم الحيوان وعالِمه” لكي نتحدّث عن “دماء على الأرض” تسبّبها الصراعات والتنافس بين “البشر”، أو بالأحرى بين الرأسماليين وبين دُوَلهم.
ربما يكون الأقرب إلى الصواب هو الاعتماد على هوبز (من أوائل منظّري البرجوازية) وإزاحة نظريته لتشمل المستوى العالمي. اعتمد توماس هوبز على التراث التوراتي ي ليصوغ مفهوم “اللوياثان” لتحليل بنية الدولة ومفهومها كنظام سياسي للإكراه لا تزال آثار حكم القانون وحقوق الأفراد محفوظة فيه. وبالنسبة للنظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية، تولت الولايات المتحدة دور “اللوياثان العالمي” كنظام إكراه قائم على نظام دُولي واحتكار القوة للحفاظ على حقوق “الدول الرأسمالية الأخرى”. ربما تسعى الصين حاليا – إذا أسعفها نفوذها الاقتصادي- إلى أن تكون “لوياثان عالمي” تحلّ محل الأوّل/ الولايات المتحدة الأمريكية. لكن ما يبدو أقرب إلى التحقق، اعتمادا مرة أخرى على التراث التوراتي، هو ما كتبه فرانز ليوبولد نويمان: “يدلّ البهيموت واللوياثان في الرؤية الأُخرَويّة التوراتية، البابلية الأصل، على مسخين هائليْ الحجم، البهيموت يحكم الأرض (الصحراء)، واللوياثان يحكم البحر، الأول ذكر، والثاني أنثى. بهائم الأرض تُبجّل البهيموت، وبهائم البحر تعظِّم اللوياثان كسيّديْن لها. والمسخان هما مسخا الفوضى. واستنادا إلى الكتابات الرؤيوية فإن البهيموت واللوياثان كليهما سوف يعودان إلى الظهور قبيل نهاية العالم. وسوف يبسطان حكم الإرهاب، ثم يُهلكهما الله”[22]. إنها رؤية كارثوية كئيبة للعالم، لكنها استعارة مجازية قد تساعد في تقريب الصورة عن حجم الاصطفاف العالمي القائم حاليا حول قطبيْ العالم: لوياثان- الولايات المتحدة الأمريكية/ محور الأطلسي وبهيموت- الصين/ طريق الحرير. فقط قدرة الطبقات العاملة والشعوب المضطهَدة هي ما سيمكِّن من تدارك الكارثة المُحْدِقة التي تنبّأت بها التوراة: الفوضى وحكم الإرهاب وهلاك الحضارة البشرية، أي النقيض الكلّي للشعار القديم للثورية الألمانية روزا لوكسمبورغ: “اشتراكية أو همجية”، ونقولُ حاليا: “اشتراكية إيكولوجية أو همجية”.
الصين الحالية بعيدة عن طوبى إقامة اشتراكية كما تصورها ماركس وإنجلز في القرن التاسع عشر، أو الشيوعيّين الذين حملوا السلاح في الصين منذ نهاية عشرينيات القرن الماضي. ويبدو أن يوتوبيا ماركس، حول صين شيوعية، تُخلي المكان مرة أخرى لديستوبيا برجوازية، حين تنبّأ آدم سميث بعالم متعدّد ربما تتفوّق فيه الصين مرة أخرى على أسواق أوروبا الوطنية المُجَزّأة، لا باقتصاد عالمي مُوَحَّد[23].
يبدو الوضع الحالي قاتما، ففي الاتحاد الأوروبي هناك اختراق انتخابي لليمين المتطرف، وفي الولايات المتحدة فاز دونالد ترامب بالانتخابات، وفي الصين “حزب شيوعي” استبدادي. وفي كل أنحاء العالم يوجد في السلطة إما ناكرو تغيّر المناخ، أو مُدَّعو معالجة الأزمة المناخية لكن في إطار نفس النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي سبّبها.
لن يفضي السعي إلى إقناع الرأسماليين وحكوماتهم بتبنّي سياسات ملائمة للبيئة، إلا إلى حلول تحافظ على الرأسمالية المدمِّرة للبيئة ذاتها، حلول قائمة على سلعنة الطبيعة. كانت محاولات سابقة قد قامت لإقناع الرأسماليين بأن يكونوا رحماء (الاشتراكية الطوباوية)، وأخرى قائمة على أنسَنَة الرأسمالية (اخترقت المنتديات الاجتماعية العالمية)، والآن نشهد محاولة لتخضير الرأسمالية؛ وكلّها محاولات لإقناع الرأسمالية أن تكفّ عن كونها رأسمالية، والإمبريالية عن أن تكون إمبريالية.
بالنسبة لنا، الطاقة (باختلاف مصادرها) قد تكون مساهِمة في بناء مستقبل أخضر وأكثر عدالة اجتماعية، لكن الطاقة ليست مستقلة عن البنية الاقتصادية للعالم وهيكله الاجتماعي وتنظيماته الدَوْلَتيّة وما يخترقها من أشكال اضطهاد طبقية وعرقية وجندرية… إلخ. لذلك لا يمكن الحلم بعالم أخضر مستديم ما دامت الرأسمالية قائمة.
لكن هذا المنظور ليس قائما حاليا بفعل أزمة مستديمة للحركة العمالية وتجزؤ المقاومات الاجتماعية وحَذَرها من أيّ تجذّر سياسي، وأحيانا يستفيد منها اليمين المتطرف انتخابيا. ولكن هذا لا يعني عدم السعي لربط النضالات على الأرض والحلول الجزئية بذلك الأفق التاريخي، لأنه وحده القادر على إنقاذ الكوكب. وهذا يستدعي تضافُرًا للنضالات العمالية والشعبية على المستوى العالمي، لا اصطفافًا إلى جانب هذا القطب الإمبريالي أو ذاك، والقدوة هذه المرة من الصين، أي من طبقاتها العاملة، وفيها خاض عمّال مصنع جاسيك للتكنولوجيا حملة نقابية بدعم من نشطاء نقابات الطلاب، تحت شعار “العمّال لا يخوضون حربًا تجارية، بل حربًا من أجل حقوقهم”[24]، سنة 2018 في عزّ الحرب التجارية التي قادها ترامب آنذاك ضد الصين. إن الغريزة الطبقية لعمّال الصين أكثر قوّة واتّقادًا من بصيرة أذكى الجيوسياسيين، ويربط بذلك العمالُ الصينيون- وإن بشكل غريزي نصف واعٍ- خطَّ الوصل مع يسار الحركة العمالية (يسار زيمرفالد) الذي رفض الاصطفاف مع الحكومات البرجوازية في حربها العالمية الأولى، مناديا بتحويل الحرب الإمبريالية إلى ثورة ضد تلك الحكومات.
******************************************
[1]– ديفيد هارفي (2008)، “الليبرالية الجديدة (موجز تاريخي)”، ترجمة مجاب الإمام، مكتبة العيبكان- السعودية بالتعاقد مع جامعة أوكسفورد نيويورك، الطبعة الأولى ، ص 189.
[2]– Chloé Froissart (24 janvier 2013), «L’évolution des revendications ouvrières en Chine», https://alencontre.org/asie/chine/levolution-des-revendications-ouvrieres-en-chine.html.
[3]– ديفيد هارفي (2008)، “الليبرالية الجديدة (موجز تاريخي)”، ترجمة مجاب الإمام، مكتبة العيبكان- السعودية بالتعاقد مع جامعة أوكسفورد نيويورك، الطبعة الأولى ، ص 196.
[4]-“تعايش أم صدام؟! الترامبية الجديدة ومستقبل العلاقات الأمريكية الصينية”، 28-01-2025، https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/9959.
[5]– إيمانويل فالرشتاين (يناير 2023)، “الرأسمالية التاريخية والحضارة الرأسمالية”، تعريب عومرية سلطاني”، مدار للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، الجيزة- مصر، ص 18.
[6]– International Monetary Fund (February 2024), Washington, D.C. “INDUSTRIAL POLICY COVERAGE IN IMF SURVEILLANCE— BROAD CONSIDERATIONS”, http://www.imf.org/external/pp/ppindex.aspx.
[7]– Harry Dempsey (27-09-2023), “Chinese battery groups invest in Morocco to serve western markets”, https://www.ft.com/content/9539f746-82bf-49db-ae87-237196a60c88.
[8]– بيير روسي (05-06-2024)، “أزمة عالمية ونزاعات وحروب: أي أممية للقرن الحادي والعشرين؟ إحاطة إجمالية في زمن «أزمة متعددة الأبعاد”، https://alomamia.org/node/4094.
[9]– Claudio Katz (29-01-2024), «Quelques idées erronées sur l’impérialisme contemporain», https://www.contretemps.eu/imperialisme-contemporain-usa-russie-chine-reponse-katz/?fbclid=IwY2xjawIkP2FleHRuA2FlbQIxMAABHeCecdCAius_8r84BJ5GGrc-6kz-X7APYIdfq1-Jslg_Qd7b7SvQfifGvQ_aem_v0JJ1NbIllrRfQx62eCkQw.
[10]– Gilbert Achcar: (2023), “The New Cold War”, The Westbourne Press, London 2023 <.
[11]– سمير أمين (2002)، “الاقتصاد السياسي للتنمية في القرنين العشرين والواحد والعشرين”، ترجمة فهيمة شرف الدين، دار الفارابي، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى.
[12]– أورده هنري برنستين (2024)، “الطبقة والتغير الفلاحي”، ترجمة عمرو خيري، سلسلة التغير الفلاحي والدراسات الفلاَّحية، المرايا للثقافة والفنون، القاهرة- مصر، الطبعة الأولى.
[13]– كريس هان وكيث هارث (أكتوبر 2014)، “الأنثروبولوجيا الاقتصادية، التاريخ والاثنوغرافيا والنقد”، ترجمة عبد الله فاضل، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة- قطر، الطبعة الأولى، ً 169 و184.
[14]– روبين ميريديت (يناير 2009)، “الفيل والتنين، صعود الهند والصين ودلالة ذلك لنا جميعا”، ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، العدد 359، الكويت، ص 305.
[15]– منظمة غير ربحية مقرها في إندونيسيا عملت بمثابة مركز أبحاث في القضايا الاجتماعية والدولية والسياسية والاقتصادية. تأسس المركز في 1 سبتمبر 1971 من قبل مجموعة من الزملاء الإندونيسيين الذين كانوا يأملون في تشجيع المناقشات الموجهة نحو السياسة العامة في إندونيسيا. [ويكيبيديا]
[16]– Christian Géraud Neema Byamungu (23-01-2024)., “Morocco, an Unexpected Winner of China’s Strategy to Circumvent the U.S. Inflation Reduction Act”, https://www.csis.org/analysis/morocco-unexpected-winner-chinas-strategy-circumvent-us-inflation-reduction-act.
[17]– Adam Tooze (14-08-2024), https://adamtooze.substack.com/p/chartbook-309-can-western-carmakers?r=2gf44o&utm_medium=ios&triedRedirect=true.
[18]– بيير روسي (5 يونيو 2024)، “أزمة عالمية ونزاعات وحروب: أي أممية للقرن الحادي والعشرين؟ إحاطة إجمالية في زمن «أزمة متعددة الأبعاد»”، https://alomamia.org/node/4094.
[19]– Juan Pablo Cardenal (19 août 2020), «À travers ses projets d’investissements industriels, la Chine exporte aussi son modèle et ses normes de travail», https://www.equaltimes.org/a-travers-ses-projets-d?lang=fr
[20]– Isac Babatoundé Fachina (30- 04- 2023), «Evolution du rapport de force entre les puissances économiques sur le marché mondial du Lithium», https://tinyurl.com/3ueftvvv.
[21]– 25 July 2024, “The ‘new Darwinian world’ of the energy transition, CATL, capitalist strategies and emerging state-capital alliances” (25 July 2024), https://www.tni.org/en/article/the-new-darwinian-world-of-the-energy-transition
[22]– فرانز ليوبولد نويمان (يناير 2017)، “البهيموت، بنية الاشتراكية القومية (النازية) وممارستها”، ترجمة حسني زينة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت- لبنان، ص 11.
[23]– كريس هان وكيث هارث، مرجع مذكور، ً 46- 47.
[24]– Michelle Chen (5 septembre 2018), https://alencontre.org/video/chine-les-travailleurs-ne-menent-pas-une-guerre-commerciale-mais-une-guerre-pour-leurs-droits.html.
اقرأ أيضا

