لنسدد حيث يجب ( تفاعل مع الرفيق التيتي الحبيب)
سعيد الريشة
رائع جدا أن يكون المرء على صواب، ولكن الأورع أن يعتقد الناس ويؤمِنوا أنه على صواب. ما يَصدُق على الأفراد يصدُق أيضا على المنظمات والأحزاب. أن يقوم تكتيك واستراتيجية حزب يساري جذري على نظرية ثورية أمر مهم جدا، لكن الأهم هو أن تعتقد الجماهير وتؤمن بتلك النظرية، وإلا سيظل الحزب مجرد حلقة معزولة عن الجماهير، ولن يتمكن من تحقيق ما أصرت عليه روزا لوكسمبورغ: “انتقال الأفكار من الدماغ إلى العضلات”.
في اللحظة السياسية الحالية أصغر تقدُّم تُحرزه وحدة فعل اليسار أهم مائة مرة من مائة انتصار في مائة سجال نظري وفكري. لهذا لا أقبل دعوة الرفيق التيتي “الصريحة والمباشرة لرفع تحدي خوض المناظرة السياسية والفكرية حول موقف مقاطعة الانتخابات بالمغرب كموقف ماركسي”، ليس لأنني لا اعتقدُ في “صواب موقفنا ماركسيا من الانتخابات”، بل لسببين اثنين:
الأول، سبب ثانوي، وهو أن أكثر من عقدين من المساجلات السياسية والفكرية لم تؤدِّ إلى تغيير موقف رفاقنا في النهج الديمقراطي العمالي من الانتخابات، وكما قال الرفيق التيتي نفسه: “سبق لي مناقشة أطروحاتهم في مناسبات سابقة”.
أكثر من عقدين من السجال، لا نحن تمكَّنا من إقناع رفاقنا في النهج بصواب موقفنا من الانتخابات، ولا هم تمكنوا من إقناعنا بصواب موقفهم. وهذه مسألة بسيطة، فالتكتيك الماركسي في أي مسألة (الانتخابات في حالتنا هذه) ليست مسألة مدرسية تُحل بالسجالات النظرية والسياسية وحدها، ولكن بقوة الواقع وامتحان المواقف أمام الجماهير. فلا أنصار- ات جريدة المناضل- ة لهم- هن من القوة السياسية والانغراس الجماهيري ما يتيح البرهنة عمليا على سداد موقفها السياسي من الانتخابات، عبر تقديم مثال حي على مشاركة عمالية في مؤسسات البرجوازية واستعمالها كما شرح لينين أكثر من مرة: “على الاشتراكيين، المناضلين لتحرير الكادحين من الاستغلال، أن يستفيدوا من البرلمانات البرجوازية كمنبر، كقاعدة من قواعد الدعاية والتحريض والتنظيم، طالما كان نظامنا محدودا في إطار النظام البرجوازي”، ولا مقاطعة رفاق النهج الديمقراطي للانتخابات استطاعت أن تحقق المأمول منها حسبهم.
لذلك فإن الاستمرار في مساجلة سياسية وفكرية أخرى لن تزيد شيئا عن ركام السجالات السابقة، التي يمكن للقارئ- ة أن يجدها في موقع المناضل- ة وموقع النهج الديمقراطي. ولن نتمكن عبر جرد مئات الاستشهادات من الماركسيين- ات بضرورة استعمال البرلمانات البرجوازية، من إقناع الرفيق التيتي بصواب موقفنا من الانتخابات وعدم صواب موقفه، تماما كما لن يتمكَّن الرفيق التيتي من إقناع الرفيق حسن أحراث بأن عقد اللقاءات والتنسيقات الميدانية واللحظية (وهي كلها أسماء مختلفة للتحالف السياسي) مع قوى يسارية غير جذرية (الاشتراكي الموحد والفيدرالية) جزء من التكتيك الماركسي الصائب.
ثانيا، سبب جوهري. فلو استجبتُ إلى تحدي الرفيق التيتي للمناضرة السياسية والفكرية، لناقضتُ جوهر ما جاء في المقال المعني: “ليس هناك، حاليا، ما يبرر عدم وحدة فعل “اليسار”، سياسيا ونضاليا. فالخلافات التاريخية الموروثة عن قرن مضى، فضلا عن الاختلافات حول المرجعيات الفكرية، وحتى الاختلافات حول تدبير اللحظة السياسية (المشاركة في الانتخابات، الموقف من الصحراء)، كلها أمور يمكن تدبيرها بنقاش ديمقراطي داخل إطار أوسع يجمع هذا “اليسار”؛ وقد يكون هذا الإطار تحالفا أو جبهة، أو حتى التجمع في حزب يساري كبير يضمن حربة تشكيل التيارات والاتجاهات السياسية، وسيكون هذا خطوة تاريخية جبارة”. وفي هذا الصدد اتفق تماما مع ملاحظة الرفيق محمد السفريوي (تدوينة مؤرخة بـ 30 ماي 2026): “كل حديث عن تقارب بين مكونات اليسار المغربي يبعث نسبة من الأمل لدى كل من اقتنع أن حالة التشتت هاته ليست قدَرا لا يمكن تجاوزه. وبما أن الرغبة وحدها لا تكفي، فإن النجاح في بناء فعل وحدوي يقتضي قبل كل شيء حسن اختيار المداخل والموضوعات التي توسع مساحة الاتفاق بدل إعادة إنتاج نقاط الانقسام”.
لكن الرفيق التيتي اختار عن وعي التركيز على ما يكرس تشتت اليسار وأغفل ما يعزز وحدة فعله، بقوله: “لن انخرط في مناقشة الفكرة العامة كما وردت لأنها لحد الساعة لا ترتكز على أية برهنة دقيقة. ارغب في فتح نقاش دقيق حول الموقف الماركسي اللينيني من الانتخابات بالمغرب وفي حلتها المقبلة لشهر شتنبر 2026”. وبنفس الروحية فإنني لن “انخرط في فتح نقاش دقيق حول الموقف الماركسي اللينيني من الانتخابات” و”ارغب في مناقشة الفكرة العامة للمقال الأول وتبيان أنها ترتكز على برهنة دقيقة”.
التحدي الأول- وحدة فعل اليسار
اتفق كليا مع ما جاء في المقال الانتقادي الذي نشره موقع “من أجل بديل جذري”: “إن أزمة اليسار في المغرب، كما في كثير من البلدان، ليست أزمة برامج أو شعارات، بل ‘أزمة الذات’، أي أزمة الحزب الثوري القادر على قيادة الطبقة العاملة”. لكنني اختلف مع استنتاجاته السياسية حول موقفه من تحالف النهج اليمقراطي العمالي مع حزبي الاشتراكي الموحد والفيدرالية. فذاك استنتاج غير منطقي من مقدمة منطقية.
إن “أزمة الذات”، أي أزمة اليسار الجذري في المغرب تتلخص إلى درجة كبيرة، وليس حصرا، في عزلته عن الطبقات الشعبية القادرة وحدها على التغيير. أين يظهر هذا، إذا أردنا “برهنة دقيقة”، حسب تعبير الرفيق التيتي؟ إنها في النتائج الانتخابية لجزء من اليسار المغربي، أي اليسار الليبرالي/ الإصلاحي (الاشتراكي الموحد والفيدرالية)، ولكن بشكل وازن جدا في عدم قدرة اليسار أن يكون مؤثرا في النضالات الاجتماعية والشعبية والعمالية، بما يضمن انتصارها. وقد سبق وكتبتُ مقالا حول الموضوع بعنوان “لماذا لا يؤثر اليسار في حَراك جيل- زد وفي سواه من حركات النضال الشعبي؟”.
إلى جانب القمع والتضييق، فإن أحد أهم أسباب عدم تأثير اليسار في النضال الاجتماعي (العمالي والشعبي) هو تشتته وعصبويته وحلقيتُه، وإيثاره أحيانا كثيرا الحصول على انتصارات سجالية على بعضه البعض أكثر من إيجاد أرضية للتلاقي النضالي. لهذا أصريتُ في المقال السابق على: “كلُّ إعلاء لشأن خلافات مذهبية وأيديولوجية، وأيضا خلافات حول أمور لحظية سياسية (مثل المشاركة أو مقاطعة الانتخابات)، من أجل تبرير الشقاق السياسي المزمن في صفوف “اليسار”، ومحاربة أي وحدة لفعله، إنما يعبِّر عن عصبوية مقيتة، وتقديس للحلقية وللمصالح الحزبية الضيقة، وتفضيل كل ذلك على وحدة فعل ما يمكن أن يشكِّل راية “يسارية” تستقطب الاستياء الشعبي والغضب الجماهيري، وتوجيهه لما فيه مصلحة الشعب: إسقاط الاستبداد السياسي وتحقيق الحرية السياسية وإرساء حكم الشعب”.
التحدي الثاني- إسقاط الاستبداد
هذا أكبر تحدٍّ يجب أن ينبري اليسار (الجذري منه والإصلاحي) من إجل مواجهته. وأمام مهمة إسقاط الاستبداد واكتساب الحرية السياسية، ستكون السجالات الفكرية والسياسية (رغم ضرورتها) مجرد ألاعيب أطفال لا يُلقون بالاً لتحديات الحياة الفعلية، وسنتحول إلى ما عبَّر عنه موقع “من أجل بديل جذري” بصيغة موفقة جدا: “نادٍ ثقافي أو منتدى لتبادل الأفكار”.
لا يمكن إسقاط الاستبداد بمجرد امتلاك خط سياسي سليم وسجالات سياسية تنتهي بانتصار هذا الطرف اليساري على الآخر. إن السمات الدقيقة للحظة السياسية الراهنة تؤكد على أن قوة الاستبداد في تشتت وضعف المعسكر السياسي النقيض، أي معسكر الكادحين- ات، وضمنه اليسار. وكل إصرار على إيلاء الأسبقية لما يفرق هذا اليسار على ما يعزز وحدة فعله، إنما يقوي الاستبداد، ويفوت على الشعب فرصة إسقاطه.
التحدي الثالث- أن نحظى بثقة الشعب
أكثر المهام تحديا أمام اليسار حاليا هي التحول إلى “حزب يتمتع بثقة كل ما هو شريف في الطبقة المعنية، حزب يتحلى بمعرفة تتبع مزاج الجماهير والقادر على أن يؤثر فيه”، وقد استعملت هنا كلمات لينين.
لا يمكن ليسار أن يحظى بثقة شعب سمته الأساسية (“الدقيقة” بكلمات الرفيق التيتي) هي اللامبالاة السياسية. فالنضال من أجل مطالب اقتصادية واجتماعية ليس بَعدُ سياسة. السياسة هي أحد وجهين: النضال المباشر والآني من أجل السلطة السياسية، وهذا يجري فقط في لحظات الصعود الثوري؛ أما الوجه الثاني، فهو الذي يطغى في لحظات الجزر الثوري، ويسمى بـ”الطرق المتعرجة”، ويتضمن استعمال كل أوجه العمل الشرعي (وضمنها الانتخابات)، أي كما قال لينين بالضبط: “وما دمتم عاجزين عن حل البرلمان البرجوازي وسائر أنواع المؤسسات الرجعية، أيا كانت، لا بد لكم أن تعملوا في داخلها، بالضبط لأنه لا يزال هناك عمال ممن خدعهم القسس وتبلدوا في بيئة الأرياف النائية، وإلا فقد تصبحون مجرد مهذارين”.
إن الامتناع الشعبي عن الانتخابات، تعبير عن سلبية سياسية وليس فعلا سياسيا مباشرا. إنه نوع من الاستسلام الانهزامي أمام الاستبداد، ولن يغيِّر من هذا الواقع عبارات قوية في بيانات أحزاب تدعو إلى المقاطعة، وتبرهن بدقة بأن نسبة المقاطعة الشعبية تلك، دليل على صحة موقف المقاطعة.
ما موقف العامل والعاملة المغربية من القضايا الكبرى بالبلد؟ إنه- باستعارة تعبير إنجلس- نفس موقف البرجوازية وممثلها السياسي المَلكية. لماذا؟ بالتعبير الدقيق لإنجلس: “هنا لا وجود لحزب عمال”. وفي المغرب: هناك يسار. ولكنه يسار ضعيف جدا، مشتت جدا، عصبوي جدا، يعطي الأولوية لما يفرِّق على حساب ما يجمِّع. ولا استنثني نفسي من هذه النقيصة، التي يجب أن نتعاون من أجل تجاوزها.
إيقاظ الشعب ليهتم بأمور السياسة مهمة صعبة، صعبة جدا، مقارنة بإعلان أن ما يقوم به من استنكاف وامتناع عن المشاركة في الانتخابات هو عين السياسة. وفي هذا يمكن أن يتعاون اليسار، الجذري منه والإصلاحي. السجالات السياسية والفكرية رغم أهميتها بالنسبة لمناضلي- ات اليسار، إذ توضح الخطوط والفروق السياسية وتهيئ أرضية صلبة لوحدة الفعل بدل التحالفات الهشة والظرفية والبرغماتية، إلا أنها- أي السجالات- لا يمكن أن توقظ الشعب من اللامبالاة السياسية؛ وهنا اقتبس فقرة معبّرة جدا من رسالة فرديناند لاسال إلى كارل ماركس: “أنت على حق تماما في القول إنه لا يمكن التغلب على اللامبالاة الحالية بالوسائل النظرية… إن الإطاحة النظرية باللامبالاة السياسية أنتجت أتباعا أو شيعا أو حركات عملية غير ناجحة، لكنها لم تُنتج حتى الآن حركة حقيقية أو حركة عقول جماعية عامة. لقد انجذبت الجماهير إلى الحركة الحالية، لا عمليا فحسب، بل فكريا أيضا، بقوة دفع الأحداث الفعلية الحقيقية وحدها”. إنه توصيف دقيق (“برهنة دقيقة”) لوضع اليسار بالمغرب حاليا: “أتباع أو شيع أو حركات عملية غير ناجحة”، كما أنه استنتاج سياسي دقيق: لن يتمكن اليسار من جذب الحركة الحالية إلا بـ”قوة دفع الأحداث الفعلية الحقيقية وحدها”، لا بالانتصارات السجالية.
كيف يتعاون اليسار في الانتخابات؟
في المقال السابق، أوردتُ سيناريوهين اثنين:
الأول- في حالة قام النهج الديمقراطي بمراجعة موقفه من الانتخابات وتبنى موقف المشاركة بدل المقاطعة. آنذاك، كما ورد في المقال السابق، سيكون برلمان مكوَّن من عشرات من جمال براجع ومنيب والعسري والعزيز عبد السلام، أفضل بكثير من برلمان ممتلئ بخدام الاستبداد الوضيعين، وسيتيح لمنتخَبي النهج الديمقراطي العمالي إمكانَ استعمال مؤسسة البرلمان، كما قال لينين: لـ”النضال من على منبر البرلمان أمر لا بد منه لحزب البروليتاريا الثورية، وذلك بالضبط لأغراض تربية الفئات المتأخرة من طبقته هو، وبالضبط لأغراض إيقاظ وتنوير جماهير القرويين الملبدة والمظلومة والجاهلة”.
الثاني- في حالة استمرار رفاق النهج في تبني موقف المقاطعة، فإن التحالف السياسي مع حزبي الاشتراكي الموحَّد والفيدرالية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار اللحظة السياسية الراهنة، التي تتميز بشكل “دقيق” بالانتخابات التشريعية في سبتمبر 2026. واقترحَ المقال حملة سياسية تحت شعار “كل السلطة للمنتخَبين- ات”. فالنهج الديمقراطي يبرر مقاطعته للانتخابات- ضمن مبررات أخرى- أن المؤسسات لا صلاحية فعلية لها، كما يتشكى الحزبان (الموحد والفيدرالية) من طغيان صلاحيات المعيَّن على صلاحيات المنتخَب. وسيستفيد كلا الطرفان: يتاح للنهج إمكان مخاطبة أوساط أكثر اتساعا معية أطراف يسارية أخرى؛ وسيمكن الاشتراكي الموحد من تعزيز إمكانات فوزه الانتخابي، وسيكون بذلك برلمان مكون من عشرة أو عشرين أو حتى عشرات من منيب والعسري والعزيز أفضل بكثير من برلمان مكون حصرا من خدام الاستبداد الصريحين.
اقتراح الحملة السياسية (“كل السلطة للمنتَخبين- ات”) كان وراءها هدفان؛ الأول، وهو ثانوي، ألا يكون التحالف مع النهج مجرد مطية لتحقيق أهداف سياسية ليسار ليبرالي/ إصلاحي يمثله الموحد والفيدرالية؛ والثاني، وهو الأهم والجوهري، وهو أن هذه الحملة السياسية (“كل السلطة للمنتَخبين- ات”)، سيكون لها تأثير سياسي كبير على الشعب، وهذا ما سيتيح فعلا “تحويل المحطة الانتخابية المقبلة إلى معركة سياسية واعية”، كما ورد في بلاغ الموحد والفيدرالية.
لا يتناقض السيناروهان أبدا، فهدفهما واحد: إتاحة استعمال البرلمان منبرا للتحريض. إن تحقق السيناريو الأول (مراجعة النهج لموقفه) فسيمكن تجسيد هذا حاليا؛ وإن تحقق مطلب لسيناريو الثاني (“كل السلطة للمنتخَبين- ات”)، فسيتاح للنهج المشاركة لأن أحد مبررات المقاطعة سيكون قد انتفى آنذاك.
إن الهمَّ الأساسي وراء هذين الاقتراحين هو وحدة فعل اليسار، المهم أن يتوحد ويقوم بحملات سياسية في اتجاه الشعب؛ سواء من أجل المشاركة في الانتخابات (السيناريو الأول)، أو من أجل حملة سياسية (السيناريو الثاني). وعندما يظهر اليسار موحَّدا أمام الشعب، فإن ذلك خطوة تاريخية جبارة، وأعظم من مائة انتصار في مائة سجال سياسي وفكري حول الموقف من الانتخابات. ولا يمكن لليسار أن يصل إلى هذه النتيجة إلى من خلال ما وصفه غرامشي بـ: “أن يعرف كيف يفهم المراحل المختلفة، والأحداث والوقائع المختلفة، والظواهر المتعددة للتوصل إلى الوحدة من خلال التباين المتعدد”.
الموضوعي والذاتي
إن الموضوعي أهم بدرجة لا تقاس عند الماركسيين- ات مقارنة بالذاتي، دون إغفال أهمية هذا الأخير. وما سُميت الماركسيةُ “ماديةً تاريخيةً” إلا لأنها ألقت أرضا كل الفلسفات الذاتية، التي تعتقد أن التغيير إنما يأتي بعمل النخب وحدها.
إن الشعارات الحزبية والتكتيكات الحزبية عوامل أقل ثباتا، مقارنة بالعوامل التاريخية الأشد ديمومة وأهمية: البنية الاجتماعية للأمة، علاقات القوى الطبقية، واتجاهات التطور القائمة بالفعل. وهذا هو ميدان التحدي الفعلي والحقيقي أمام اليسار المغربي (خصوصا الجذري منه)، أي كيف يتحول إلى قوة فاعلة (ذاتية) في الوقائع الموضوعية المذكورة (البنية الاجتماعية وعلاقات القوى الطبقية واتجاهات التطور القائمة بالفعل). إذا لم تكن السجالات السياسية والفكرية تخدم هذا الهدف، وتتجه فقط نحو تسجيل نقاط ضد طرف من أطراف اليسار، فإننا سنعيد إنتاج نفس الواقع: “مجرد أتباع وشيع وحركات عمَلية غير ناجحة”.
إن العدو واضح: الرأسمالية وخادمها السياسي (الاستبداد)؛ فلنسدد حيث يجب، حسب العبارة المفضَّلة لدى الرفيق التيتي، والتي اتفق معها كليا. وإنها لدعوة رفاقية صادقة للتعاون اليساري- اليساري، مستندة إلى “برهنة دقيقة” لوضع البلد ووضع اليسار، وليست مجرد دعوة برغماتية لحظية.
اقرأ أيضا
