هل يستقيم الحديث عن موقف ماركسي لينيني حول الانتخابات؟

 

ستسير الحياة السياسية الرسمية في الأشهر القليلة المقبلة على إيقاع التحضير للانتخابات التشريعية، حيث ستشتغل آلية تحديد تركيبة مجلس النواب بنحو يضمن استمرار السياسات المدمرة اجتماعيا. فالأدوات القانونية لتأمين لذلك، من قانون للأحزاب، وقوانين انتخابية وأخرى منظمة للمؤسسة المنتخبة ذاتها، جرى شحذها وملاءمتها لتحقيق المطلوب. يبقى ترتيب توزيع الأدوار بين الأحزاب، سواء صنيعة النظام أو تلك المعبرة عن دينامية فعلية في المجتمع ومنخرطة في “المسلسل الديمقراطي”.

الانتخابات لحظة سياسية بامتياز، لأنها تعني جوهر السياسة، أي ممارسة السلطة الطبقية، وهي بذلك تجعل نسبة من الناس أكبر من المعتاد تهتم بالشأن السياسي. يتيح هذا لأنصار تغيير جذري، سياسي واقتصادي-اجتماعي، إمكانات بسط رؤاهم، والتعبئة لتغليب ما يرونه صائبا من موقف سياسي. وقد شغلت مسألة الانتخابات دائما اليسار المغربي، بمكوناته الإصلاحية و الثورية وما بينهما. وبحكم استمرار “المسلسل الديمقراطي” منذ نصف قرن  بلا انقطاع (بعكس ما قبل 1976)، تراكمت تجربة لدى قوى اليسار (بتنوع المواقف وتعارضها) تتيح النظر بدقة في مختلف المواقف من الانتخابات و المؤسسات المنبثقة عنها، بما يتيح السير قدما في بناء القوة الجماهيرية، العمالية والشعبية، القادرة على انجاز التغيير.

إسهاما في بلوغ هذه الغاية، تفتح جريدة المناضل-ة صفحاتها لهذا النقاش. فيما يلي رأي في الموضوع .

المناضل-ة

——-

 

محمد الطيب

يطرح غالبا داخل الأوساط  اليسار الجذري المغربي سؤال يبدو للوهلة الأولى منطقيا: هل تعدّ مقاطعة الانتخابات موقفاً ماركسياً لينينياً؟ ويقدَّم الجواب بصورة قطعية مصحوبا بنوع من الخفة النظرية والكسل المعرفي، وكأن  المقاطعة أو المشاركة تمثلان جزءاً من العقيدة السياسية الثابتة للماركسية. غير أن مثل هذا التصور لا ينسجم مع المنهج الذي أسسه ماركس وإنجلز وطوره لينين، والقائم على التحليل الملموس للواقع الملموس، لا على تحويل التكتيكات السياسية إلى مبادئ أيديولوجية جامدة.

فالانتخابات، من منظور ماركسي، ليست قيمة في ذاتها، ولا تمثل المشاركة فيها أو مقاطعتها معياراً للحكم على مدى “ماركسية” أي تنظيم سياسي. إن الأمر يتعلق أساساً بتقدير سياسي يرتبط بطبيعة المرحلة، وميزان القوى، ومستوى الوعي والتنظيم داخل الطبقات الشعبية، والوظيفة التي يمكن أن يؤديها العمل البرلماني أو الامتناع عنه في خدمة المشروع السياسي للقوى الثورية.

ويكفي الرجوع إلى تجربة لينين نفسه لاكتشاف الطابع المتحرك لهذا الموقف. فالبلاشفة لم يتبنوا خطاً ثابتاً تجاه البرلمان القيصري (الدوما)، بل تراوحت مواقفهم بين المقاطعة والمشاركة تبعاً لتغير الظروف السياسية ومتطلبات الصراع الطبقي. لذلك لم يكن السؤال عند لينين: “هل المشاركة مبدئية أم لا؟”، بل كان: “هل تخدم المشاركة أو المقاطعة أهداف الحركة الثورية في هذه اللحظة المحددة؟”.

من هذا المنطلق، تحاول هته الورقة تفكيك الفكرة الشائعة التي تربط المقاطعة بالماركسية اللينينية باعتبارها موقفاً مبدئياً ثابتاً، والعودة إلى الأدبيات والتجارب المؤسسة للحركة الشيوعية، من أجل إبراز أن المسألة كانت دائماً مسألة تكتيك سياسي يخضع لشروط الواقع المتحرك، لا جزءاً من العقيدة أو الهوية الأيديولوجية.

بالتأكيد، إن العودة إلى مجمل كتابات لينين حول المقاطعة البرلمانية والعمل البرلماني ضرورية إذا أردنا بناء تصور دقيق عن موقفه من الانتخابات. والحقيقة أن من أكثر الأخطاء شيوعاً في نقاشاتنا السياسية الحالية هي اقتطاع نص واحد للقول إن لينين كان “مشاركًا” أو “مقاطعاً”، بينما كان موقفه أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

يمكن تلخيص تطور موقفه في ثلاث مراحل أساسية:

 

أولا : المقاطعة الثورية كتكتيك استثنائي (1905)

خلال المد الثوري الذي سبق ثورة 1905، دعا لينين إلى مقاطعة ما عُرف بـدوما بوليغين.

لم يكن السبب رفض الانتخابات من حيث المبدأ، بل لأنه اعتبر أن روسيا كانت تعيش وضعاً ثورياً متصاعداً، وأن الدعوة إلى الانتفاضة والإضراب العام أكثر فائدة من الانخراط في مؤسسة كان يتوقع أن تنهار تحت ضغط الحركة الجماهيرية.

هنا تظهر فكرة أساسية عند لينين: المقاطعة لا تكون صحيحة إلا عندما تكون الجماهير متجهة نحو النضال المباشر خارج المؤسسات.

ثانيا: نقد “المقاطعة المبدئية” (1906-1912)

بعد تراجع الثورة وهزيمة الحركة الجماهيرية، تغير موقف لينين. ففي كتاباته حول الدوما الثانية والثالثة والرابعة بدأ يهاجم ما سماه “المقاطعيين” داخل الحركة الثورية. إذ كان يرى أن الظروف تغيرت، والثورة في حالة تراجع والجماهير ليست في حالة انتفاضة. إضافة إلى أن الدولة استعادت زمام المبادرة. ليستخلص أنه في هذه الحالة تصبح المقاطعة، نوعاً من الانعزال عن الجماهير. ودعا مراراً أن على الثوريين أن يستفيدوا من النقابات والصحافة القانونية والانتخابات وباقي المؤسسات حتى لو كانت رجعية أو محدودة.

و أخيرا : الصياغة النظرية الأكثر نضجاً (1920)

حيث خصص لها الفصل السابع من كتابه “في مرض اليسارية الطفولي ” تحت عنوان: “هل يجب الاشتراك في البرلمانات البرجوازية؟”. وضِمنه نجد موقفه الشهير من البرلمان، حين انتقد الشيوعيين الألمان والبريطانيين الذين كانوا يرفضون الانتخابات البرلمانية رفضاً مطلقاً. ويؤكد أنه حتى لو كانت البرلمانات البرجوازية مؤسسات طبقية لكنها ما زالت تؤثر في قطاعات واسعة من الجماهير، لذلك لا يجوز للثوريين تركها للأحزاب البرجوازية و الإصلاحية، وأن العمل داخل البرلمان لا يعني الإيمان بالبرلمان بل يعني استخدامه منبراً سياسياً.

إذن ما هي المعايير التي وضعها لينين للمقاطعة؟

من خلال مختلف نصوصه يمكن استخلاص معيار تقريبي: المقاطعة تكون مفيدة عندما تكون هناك أزمة ثورية حقيقية وتكون الجماهير في حالة تعبئة واسعة. وأشكال النضال المباشر في تصاعد. حينها تصبح المقاطعة وسيلة لدفع الجماهير نحو المواجهة الثورية.

أما المشاركة فتكون ضرورية عندما تصبح الحركة الثورية في حالة تراجع أو دفاع وبالتالي تسمح الانتخابات بالوصول إلى العمال والفلاحين باستخدام البرلمان للدعاية والتنظيم وفضح الخصوم.

لو أردنا تلخيص موقف لينين في عبارة واحدة لقلنا: لم يكن لينين مع الانتخابات ولا ضدها من حيث المبدأ؛ بل كان مع استخدام أو مقاطعة الانتخابات وفق ما يخدم تطور النضال الطبقي والثورة، ووفق استراتيجية ثورية متماسكة.

ولهذا فإن استخدام لينين لتبرير المشاركة الدائمة أو المقاطعة الدائمة  خطأ منهجي، لأنها  في الحالتين تقدير موقف. إذ الانتخابات عنده ليست قيمة بحد ذاتها،  كما أن المقاطعة ليست فضيلة هي الأخرى. كلاهما مجرد أداة تكتيكية تُقاس بقدرتها على رفع وعي الجماهير وتنظيمها وتطوير ميزان القوى لصالح الحركة الثورية.

و من زاوية البحث التاريخي، فيمكن الرجوع إلى الوثائق الأكثر أهمية لفهم هذه المسألة:

*  مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية؛

*  حول مقاطعة الدوما؛

*  المنصة الانتخابية لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي؛

*  خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية.

ومن خلال هذه النصوص مجتمعة يظهر أن موقف لينين كان أقرب إلى ما يمكن تسميته “التقدير الثوري التكتيكي”  لا إلى المقاطعة المطلقة ولا إلى الإصلاحية البرلمانية.

 

 

 

 

شارك المقالة

اقرأ أيضا