لماذا اعتبار الحاضنة الشعبية مدخلا رئيسيا لتقييم “المقاومة الإسلامية”؟
بقلم؛ السفريوي محمد
يمكن مقاربة أداء محور المقاومة من زوايا متعددة. إما باعتماد المدخل العسكري وقياس النجاح بحجم الخسائر التي أُلحقت بالعدو أو بمدى تطور القدرات القتالية. أو يمكن اعتماد المدخل السياسي من خلال الوقوف عن مدى تأثير المقاومة على موازين القوى الإقليمية والدولية، أو المدخل التنظيمي الذي يركز على بنية الحركة وآليات اتخاذ القرار داخلها، أو حتى المدخل الأيديولوجي الذي يدرس تطور خطابها الفكري والعقدي.
غير أن هذه الورقة اختارت الحاضنة الشعبية مدخلا مركزيا للتقييم، ليس لأنها العامل الوحيد المحدد لنجاح أو فشل حركات التحرر، بل لأنها تمثل النقطة التي تتقاطع عندها مختلف أبعاد المشروع المقاوم؛ العسكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية.
فالحاضنة الشعبية ليست مجرد قاعدة اجتماعية توفر للمقاومة الملاذ أو الحماية أو التعاطف. إنها التعبير الملموس عن التصور المجتمعي الكامن في العقل السياسي للحركة، وهي كذلك أهم مصادر قوتها.
فكل حركة مقاومة، بصرف النظر عن مرجعيتها الفكرية، تحمل في داخلها تصوراً معيناً للمجتمع الذي تسعى إلى تمثيله أو بنائه أو قيادته. وهذا التصور لا يظهر فقط في البرامج السياسية أو النصوص النظرية، بل يتجسد عملياً في طبيعة العلاقة التي تنسجها الحركة مع محيطها الاجتماعي.
ومن هنا تكتسب دراسة الحاضنة الشعبية أهمية خاصة في حالة المقاومة الإسلامية. فهذه الأخيرة لا تقدم نفسها بوصفها تنظيماً عسكرياً فحسب، بل باعتبارها مشروعاً مجتمعيا وأخلاقيا وعَقديا متكاملا. لذلك فإن الحاضنة التي تنتجها ليست مجرد خزان بشري للمقاتلين أو شبكة دعم لوجستي، بل هي الترجمة الحية لرؤيتها للإنسان والمجتمع والدولة والعلاقة بين الدين والسياسة.
وفي هذا السياق يمكن اعتبار الحاضنة الشعبية بمثابة “المَخبر الاجتماعي” الذي تقاس داخله الأفكار المجردة للحركة. فمن خلالها يمكن معرفة طبيعة المشروع المجتمعي الذي نجحت الحركة في بنائه أو التأثير فيه، ونوعية الروابط التي أقامتها مع الجماهير، ومدى قدرتها على تحويل التأييد العاطفي إلى مشاركة واعية ومنظمة في مشروعها.
كما أن الحاضنة الشعبية تكشف ما هو أبعد من الأداء العسكري المباشر. فهي تسمح بفهم مدى نجاح المقاومة في إنتاج أشكال جديدة من التنظيم الاجتماعي، وفي بناء مؤسسات وسيطة، وفي خلق فضاءات للمشاركة الشعبية، وفي تحويل الجماهير من مجرد موضوع للتعبئة إلى فاعل حقيقي في صناعة القرار التاريخي.
ولهذا فإن تقييم الحاضنة الشعبية لا يعني قياس حجم التأييد الذي تحظى به المقاومة فقط، بل يعني أيضا تقييم المشروع المجتمعي الذي أفرز هذا التأييد. فالحاضنة ليست انعكاساً سلبياً للحركة، بل هي مرآة لبنيتها الفكرية والسياسية، وتجسيد عملي لفهمها للوطن و للسلطة والتنظيم والهوية والمشاركة.
ومن هذا المنطلق، تصبح دراسة الحاضنة الشعبية مدخلا يسمح بتجاوز النقاش التقليدي حول الانتصار والهزيمة العسكرية، نحو سؤال أعمق يتعلق بطبيعة المجتمع الذي تنتجه المقاومة أثناء مسارها التاريخي. ذلك أن حركات التحرر لا تقاس فقط بقدرتها على القتال، بل أيضاً بقدرتها على بناء المستقبل الممكن و المتاح.
موضوع الحاضنة الشعبية ظل إلى حد الآن سجالا سياسياً وإعلامياً هامشيا، يتأرجح بين الاحتفاء بصمود الجماهير أو تحميلها عبء الخيارات العسكرية، دون محاولة تفكيك المفهوم نفسه بوصفه مدخلا رئيسيا في دراسة حروب التحرر.
فالرهان الحقيقي لا يتعلق بوجود حاضنة شعبية من عدمه، وإنما بطبيعة هذه الحاضنة ووظيفتها التاريخية. هل هي مجرد بيئة اجتماعية توفر الشرعية والحماية للمقاومة؟ أم أنها قادرة على إنتاج القوة المادية والسياسية اللازمة لتحقيق التحرير؟
ومن هذا المنطلق يستدعي تقييم “المقاومة الإسلامية” بعد السابع من أكتوبر سؤال قدرتها على تحويل المجتمع من قاعدة دعم إلى شريك في إنتاج شروط النصر.
تذكير تاريخي: الحاضنة الشعبية في الفكر الثوري وحروب التحرر
لا يظهر مفهوم الحاضنة الشعبية كمصطلح هامشي في الأدبيات الكلاسيكية، لكنه حاضر بشكل رئيسي في مختلف نظريات حرب العصابات وحرب الشعب.
في كتابه “حول حرب العصابات” يرى ماو تسي تونغ أن الثوار يعيشون وسط الشعب كما تعيش السمكة في الماء. و المقصود هنا أن الشعب ليس مجرد مؤيد للمقاومة، بل هو الوسط الحيوي الذي يسمح لها بالبقاء والاستمرار. فالحاضنة عند ماو شرط سابق على العمل العسكري ومحدد له.
لكن هذا التصور تعرض للمراجعة مع التجارب الثورية في أمريكا اللاتينية. ففي كتابه “ثورة في الثورة” اعتبر ريجيس دوبريه أن البؤرة الثورية المسلحة يمكن أن تخلق بنفسها شروط التعبئة الشعبية. أي أن الحاضنة لا تسبق الفعل المسلح بالضرورة، بل قد تكون إحدى نتائجه.
أما التجربة الفيتنامية فقد قدمت تصوراً أكثر تركيباً. ففي كتاب “حرب الشعب، جيش الشعب”، يؤكد الجنرال جياب أن الجماهير لا تستدعى فقط لدعم الحرب، بل يعاد تشكيلها سياسيا واقتصاديا وتنظيميا عبر الحرب نفسها. ومن هنا نشأت فكرة المجتمع المقاوِم الذي يصبح جزءاً من عملية إنتاج القوة العسكرية والسياسية.
ويضيف فرانز فانون في “معذبو الأرض” بعداً آخر للمفهوم، حين يربط نجاح حركة التحرر بقدرتها على تحويل الجماهير من موضوع للسياسة إلى ذات تاريخية فاعلة. فالمقاومة ليست مجرد عمل عسكري، بل عملية بناء للشعب نفسه.
أما أنطونيو غرامشي، وإن لم يكتب عن حروب التحرر بصورة مباشرة، فقد قدم من خلال مفهوم الهيمنة أدوات مهمة لفهم المسألة. فالقوة لا تقوم على السيطرة العسكرية وحدها، بل على بناء شبكة من المؤسسات والروابط الاجتماعية والثقافية التي تجعل المشروع السياسي متجذراً داخل المجتمع.
انطلاقاً من هذه الأدبيات يمكن القول إن الحاضنة الشعبية ليست معطى سوسيولوجياً ثابتاً، بل علاقة تاريخية بين الحركة التحررية والمجتمع.
نحو تصنيف تاريخي لأنماط الحاضنة الشعبية الحالية
تكشف الحالة الفلسطينية و اللبنانية حاليا عن نمطين من الحواضن الشعبية.
أولا: الحاضنة الرعائية
يقوم هذا النموذج على توفير الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية والإغاثية، بما يخلق شرعية واسعة للحركة داخل بيئتها الاجتماعية.
ويمثل حزب الله المثال الأبرز لهذا النموذج في العالم العربي. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي بنى الحزب شبكة واسعة من المؤسسات الخدمية والتنموية والصحية والتعليمية، الأمر الذي سمح له بتكوين قاعدة اجتماعية متماسكة وقادرة على تحمل الضغوط والحروب.
وتتمثل قوة هذا النموذج في قدرته العالية على إنتاج الاستقرار والاستمرارية. لكنه يحمل في الوقت نفسه حدوداً بنيوية، إذ قد تتحول العلاقة بين التنظيم والمجتمع إلى علاقة تعتمد على إعادة توزيع الموارد أكثر مما تعتمد على المشاركة السياسية الواسعة.
ثانيا- الحاضنة التعبوية التقليدية
يقوم هذا النموذج على الروابط العائلية والعشائرية والدينية والمحلية.
وتقترب تجربة حماس من هذا النمط. فقد نشأت الحركة داخل نسيج اجتماعي محافظ ومتماسك، واستطاعت بناء حضورها من خلال المساجد والجمعيات الخيرية وشبكات التضامن المحلية.
وتتميز هذه الحاضنة بقدرتها العالية على الصمود والتعبئة السريعة، لكنها تواجه صعوبات في التحول إلى فضاء سياسي حديث قائم على المؤسسات المستقلة والتنظيمات الجماهيرية المتنوعة.
نحن هنا أمام نموذجين أنتجهما العقل السياسي الإسلامي بشقيه الشيعي والسني، وهما الإثنان مختلفان عن النموذج الذي جسدته الثورة الفيتنامية.
لم يكن الفلاحون والعمال في فيتنام مجرد مؤيدين للكفاح المسلح، بل كانوا جزءاً من عملية إنتاج الغذاء والسلاح والمعلومات والاستخبارات والقرار السياسي.
في هذا النموذج تتحول الحاضنة إلى منتج مباشر للقوة، وليس مجرد سند لها.
صحيح أن الحرب التي أعقبت السابع من أكتوبر أظهرت قدرة استثنائية لدى المقاومة الإسلامية على الصمود.ففي غزة استمرت البنية التنظيمية للمقاومة رغم التدمير الشامل الذي تعرض له القطاع. كما أظهر المجتمع الفلسطيني قدرة هائلة على التحمل في ظروف غير مسبوقة. أما في لبنان تمكن حزب الله من الحفاظ على تماسك بيئته الاجتماعية رغم الكلفة الاقتصادية والبشرية العالية للمواجهة المفتوحة مع الكيان الصهيوني. وهذا يدل على أن المقاومة الإسلامية نجحت خلال العقود الماضية في بناء حواضن شعبية متينة نسبياً. غير أن السؤال الأكثر أهمية يتعلق بطبيعة هذه المتانة.
فهل أنتجت هذه الحواضن قوة استراتيجية جديدة، أم أنها اقتصرت على ضمان الاستمرار والصمود؟
فللأسف تكشف المقارنة مع التجربة الفيتنامية عن فجوة مهمة.
ففي غزة، أدى الحصار الممتد منذ سنوات طويلة إلى تآكل القاعدة الاقتصادية المنتجة. كما تراجع حضور النقابات المهنية المستقلة والاتحادات الجماهيرية ومنظمات المجتمع المدني لصالح أشكال من الاقتصاد الإغاثي والاعتماد على المساعدات الخارجية. أما في لبنان، ورغم تطور البنية المؤسساتية لحزب الله، فإن الحاضنة ظلت مرتبطة إلى حد كبير ببيئة طائفية محددة، ولم تتحول إلى مشروع مجتمعي شامل قادر على إعادة تشكيل الاقتصاد والدولة والمجتمع على نطاق وطني واسع.
و في الحالتين نجد قدرة كبيرة على إنتاج الصمود، لكن قدرة محدودة على إنتاج التحول التاريخي.
هنا تبرز فكرة الحاضنة السالبة. فالحاضنة تظل سالبة عندما يقتصر دورها على امتصاص الصدمات دون أن تكون قادرة على إنتاج مصادر جديدة للقوة. ففي غزة، أدى الحصار إلى نشوء اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات والتحويلات الخارجية. وفي مثل هذا السياق يصبح المجتمع مستهلكاً للموارد أكثر مما هو منتج لها. كما أن ضعف النقابات المهنية والاتحادات العمالية والجمعيات المستقلة حدّ من قدرة المجتمع على تنظيم نفسه خارج الأطر التقليدية. والنتيجة أن الحاضنة استطاعت حماية المقاومة، لكنها لم تستطع بالقدر نفسه توسيع قدرتها الاستراتيجية.
ماذا تعلمنا فيتنام؟
تكشف التجربة الفيتنامية أن الانتصار لم يكن نتاج العبقرية العسكرية وحدها، بل كان ثمرة عملية طويلة من التسييس والتنظيم والمشاركة الشعبية. فالحزب الشيوعي الفيتنامي لم يكتفِ بإدارة الحرب، بل عمل على بناء نقابات واتحادات فلاحية ومنظمات شبابية ونسائية وهياكل حكم محلية جعلت المجتمع نفسه جزءاً من آلة التحرير. وهذا ما يفسر قدرة فيتنام على تحويل التفوق العسكري الأمريكي الساحق إلى مأزق تاريخي.
ضرورة التحول: من حاضنة الصمود إلى حاضنة التحرير
إذا كان السابع من أكتوبر قد أثبت أن المقاومة الإسلامية ما زالت قادرة على المبادرة وكسر الجمود الاستراتيجي، فإنه كشف أيضا حدود النموذج القائم على حاضنة تنتج الصمود أكثر مما تنتج القوة.
ومن ثم فإن السؤال المركزي الذي يواجه المقاومة الإسلامية اليوم ليس كيف تحافظ على حاضنتها الشعبية، بل كيف تحول هذه الحاضنة إلى فاعل تاريخي منظم وقادر على إنتاج شروط التحرير.
ففي نهاية المطاف، لا تنتصر حركات التحرر لأنها تمتلك جماهير مستعدة للتضحية فقط، بل لأنها تنجح في تحويل تلك الجماهير إلى قوة قادرة على صناعة التاريخ.
اقرأ أيضا

