الحق النقابي في المغرب في عهد الحماية (1912-1956)
بقلم؛ دومينيك بلونز-كولومبو Dominique Blonz-Colombo
تقديم: لا شك أن الإهمال البالغ الذي صار إليه تاريخ الحركة العمالية بالمغرب لا يعدو أن يكون سوى أمارة من أمارات التردي الإجمالي لهذه الحركة. فالجهود الجدية المتناولة جانبها النقابي كادت تتوقف كليا بإتمام الفقيد البير عياش ثلاثيته الموسومة “الحركة النقابية بالمغرب” بصدور جزئها الثالث قبل 31 سنة (سبتمبر 1993). وكذا الأمر من جانبها السياسي، بإيقاف المَنِيَّة جهودَ الفقيد شكيب أرسلان، الذي خص الحزب الشيوعي المغربي بدراسة هي أجود ما تناول هذا الحزبَ العمالي. والأمَرُّ ما هي عليه انشغالاتُ المنظمات النقابية اليوم بتاريخ كفاح الطبقة العاملة ومنظماتها. فهذا موضوع مهجور ما خلا بعض جهود التوثيق التي تقوم بها كدش بإصدار مصنفات بيانات وكرونولوجيا.
سعينا دوما، منذ صدور جريدة المناضل- ة قبل 20 سنة، إلى إتاحة المكتوب عن الحركة العمالية لمناضلي طبقتنا ومناضلاتها، بترجمة ما يتناول حقبا سالفة، وبمتابعة لأبرز نضالات العقود الثلاثة الأخيرة. نواصل بإتاحة تعريف بأعلام الحركة العمالية المغربية، بتناول حالة المناضل و المؤرخ جرمان عياش كما وردت في قاموس اعلام الحركة العمالية المغربية.
ومن نافل القول أن القصد إتاحة أدبيات في التاريخ العمالي للمغرب، بلا مشاطرة بالضرورة لآراء من ننشر كتاباتهم- هن.
جريدة المناضل-ة
******
كان الاعتراف بالحق النقابي في المغرب موضوع نقاشات مديدة طيلة زهاء عشرين عامًا، من العام 1936 إلى العام 1955. لذا من المفاجئ ملاحظة أنه لم يُثر سوى القليل من الدراسات. أولى ألبر عياش، أستاذ التاريخ والجغرافيا، وكذلك المنظم والمسؤول في الاتحاد العام للنقابات المغرب المتحدة ، باهتماما النقابات من زاوية الحركة النقابية وليس من منظور القانون النقابي1.
القانون النقابي هو الذي يُطبق على النقابات. يُمثل القانون الفرنسي الصادر في 21 مارس 1884 بشأن إنشاء النقابات المهنية مرجعاً للمستعمرين المستقرين حديثاً في المغرب والذين يطالبون بطبيعة الحال بالحق في إنشاء نقابات مهنية في بلدهم المضيف الجديد.
القانون النقابي في المغرب قانون يعبر عن أيديولوجية وتمييز بين الأوروبيين والمغاربة من قبل القوة الحامية. ويستند منحه إلى تمثلات سلطات المتروبول ونظام الحماية والمعمرين عن السكان الأصليين المغاربة. ولذلك، من المثير للاهتمام دراسته. كما أنه يشهد على تطور العقليات والوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في المغرب وخارجه، ويتشكل تحت ضغط هذه العناصر.
تتناول هذه الدراسة القانون النقابي كما يظهر من المحفوظات الموجودة في مركز المحفوظات الدبلوماسية في نانت، ووزارة الشؤون الخارجية في لا كورنوف، والمحفوظات الوطنية المغربية في الرباط. وتعود الوثائق التي تم الرجوع إليها إلى مختلف إدارات الحماية وموظفيها وإلى المتروبول. وبالتالي، فإن وجهة النظر هي تلك التي أوردتها سلطات الإقامة أو في المتروبول؛ ومن ثمة، فإنها مغلوطة ومنحازة.
تسعى هذه الدراسة إلى إظهار تطور هذا القانون. وبذلك، تسلط الضوء على مختلف الفاعلين الذين أسهموا في ظهوره أو تراجعه، والمناقشات التي رافقت الاعتراف بهذا الحق.
تؤسس المعاهدة المبرمة بين فرنسا والمغرب في 30 مارس 1912 نظامًا سياسيًا جديدًا يتضمن إصلاحات من كل نوع. ويختلف هذا النظام، أي الحماية، عن النظام الاستعماري. فهو «اتفاق بين دولة قوية وأخرى ضعيفة، تضمن الأولى أمن الثانية دون تدخل في علاقاتها الخارجية أو حكومتها الداخلية2″. في نهاية القرن التاسع عشر، بدت الحماية صيغةً سياسية وقانونية جديدة لترسيخ السيطرة والنفوذ والقوة في ما وراء البحار. هذا النظام طريقة للسيطرة على إقليم أجنبي؛ وهو بديل للاستعمار أقل تكلفة منه، لأنه لا ينطوي على «إنشاء إدارة جديدة تحل محل الإدارة القائمة وتمويلها من قبل القوة الحامية3 “. ثمة تجاور نظامين مؤسسيين – نظام الدولة المحمية ونظام الدولة الحامية – واعتراف بالتعددية القانونية. كما أن الحماية، على عكس نظام الاستعمار، مقبولة من قبل الدولة الخاضعة للحماية ومن قبل الرأي العام الفرنسي المؤيد لحقوق الشعوب وحرياتها.
في إطار هذا النظام الجديد، كانت مسألة العمل تُعالج من قبل دوائر حكومة الحماية. وكانت المؤسسات المسؤولة هي، على التوالي، مكتب العمل التابع لإدارة الشؤون المدنية حتى العام 1922، ومكتب العمل والدراسات الاجتماعية التابع لدائرة شؤون الموظفين والدراسات التشريعية حتى العام 1936، ثم دائرة العمل والشؤون الاجتماعية ضمن مديرية الشؤون الاقتصادية حتى العام 1940، ثم دائرة العمل والشؤون الاجتماعية حتى العام 1946 (من العام 1923 إلى العام 1946، كانت هذه المكاتب أو الدوائر تابعة للأمانة العامة للحماية)، وأخيراً مديرية العمل والشؤون الاجتماعية من العام 1947 إلى العام 1956. ومع تطور الصناعة وما رافقه من نمو للطبقة العاملة، اكتسبت قضايا العمل أهمية، وأصبحت، حسب حدتها ، موضوعاً لدراسات ومناقشات كثيرة إلى هذا الحد أو ذاك. وقد تمت دراسة منح الحق النقابي للمغاربة ومناقشته باستفاضة في إدارات الحماية لمدة تقارب العشرين عاماً.
يمكن أن نتساءل كيف انتقلنا من حق النقابة الممنوح للأوروبيين فقط إلى حق النقابة الممنوح للجميع. والسؤال أيضًا هو ماذا يغطي هذا الحق، وما هي لوائحه، ومن يشمل. نحن نعلم أن المناقشات شغلت السلطات الاستعمارية لما يقرب من عشرين عامًا. يمكننا التساؤل عن أولئك الذين عملوا من أجل الاعتراف بهذا الحق وعن الذين حاولوا إنكاره. ومن المثير للاهتمام معرفة أسباب وحجج كل طرف، وكذلك القيود التي فرضها كل من المعسكرين على الاعتراف بهذا الحق. كما ستتم دراسة وسائل عملهم ودعمهم ومساندتهم. وإذا كان من الصعب قياس وزن كل معسكر في الاعتراف بالحق النقابي، فسوف نسجل نتائج كل منهما. وسيتم عرض وضع المستفيدين من الحق النقابي كعنصر نضالي من أجل الاعتراف بالحق النقابي في المغرب، فضلاً عن تزايد شعبية حزب الاستقلال لدى الشعب المغربي وعزل السلطان محمد الخامس. كما سيتم دراسة البديل للحق النقابي الذي اقترحته الإدارة في انتظار الاعتراف به للجميع.
أثار الحق النقابي، على مدى ما يقرب من عقدين، العديد من التقارير والمراسلات داخل دوائر الحماية. ولم يُعترف به للمغاربة إلا في العام 1955، في حين مُنح للأوروبيين منذ عام 1936. لماذا كان لا بد من الانتظار حتى العام 1955 لمنحه للمغاربة؟ كيف يمكن تفسير بطء الاعتراف به لجميع العمال في المغرب، في حين أن هذا الحق معترف به منذ عام 1944 في أقاليم ما وراء البحار؟
سنفصل في القوانين المتعلقة بالنقابات المهنية والمناقشات التي أثارتها حتى عام 1945 قبل أن نعرض المشاريع التي اقترحتها السلطات الإدارية التي تعرضت لضغوط من الحركة الوطنية، من أجل توسيع نطاق الحق النقابي ليشمل المغاربة، والترددات المرتبطة بهذا الاعتراف.
اعتراف يقتصر على الأوروبيين فقط
تم منح الحق النقابي للأوروبيين فقط بموجب ظهير ملكي صادر عام 1936، قبل أن يُحظر صراحةً على المغاربة بموجب ظهير ثان عام 19384. وأثار هذا الظهير الأخير غضب العديد من الأطراف، بما في ذلك النقابات. في انتظار الاعتراف به لجميع العمال، جرت تجربة مثيرة للاهتمام ابتداءً من عام 1944، وهي تجربة مكتب العمل المغربي.
التشريعات التمييزية في الفترة 1936-1938 و ما أثارت من ردود الفعل
منذ عام 1920، تم إنشاء نقابات؛ وقد تساهلت معها الإدارة رغم انعدام أي تشريع في هذا الشأن. وهكذا، تجمعت المنظمات المنضوية تحت راية الاتحاد العام للعمل (CGT)، والتي تضم أوروبيين وأصليين، في عام 1929 في «اتحاد مقاطعي تابع للـاتحاد العام للعمل الذي «على الرغم من كونه غير قانوني بالمعنى الدقيق للكلمة، لم تتجاهله على السلطات العامة التي تستقبل ممثليه برحابة صدر». كما منحته هذه السلطات العامة نفسها بورصة عمل في الدار البيضاء5.
في عام 1936، وتحت تأثير الجبهة الشعبية التي كانت تولي اهتمامًا خاصًا بحقوق العمال، صدر ظهير بتاريخ 24 ديسمبر 1936 بشأن النقابات المهنية معترفا بالحق النقابي للأوروبيين وحدهم. وقد استلهم هذا الظهير إلى حد كبير القانون الفرنسي الصادر في 21 مارس 1884 المتعلق بإنشاء النقابات المهنية، المشار إليه في بيان الأسباب المرفق بالظهير المذكور.
كان ظهير 24 ديسمبر 1936 بشأن النقابات المهنية ثمرة مشاريع عديدة. في صيغته النهائية، تنص المادة 1 منه على أن «الغرض الحصري من النقابات أو الجمعيات المهنية هو دراسة المصالح الاقتصادية والصناعية والتجارية والزراعية لأعضائها والدفاع عنها”6. وتنص المادة 2 على أنه: « يمكن إنشاء النقابات أو الجمعيات المهنية بين الأوروبيين الذين يمارسون منذ عام على الأقل، في المنطقة الفرنسية من إمبراطوريتنا، نفس المهنة، أو مهن مشابهة، أو مهن ذات صلة تساهم في إنتاج منتجات محددة. ويمكن إنشاء النقابات في نفس الظروف بين الأوروبيين الذين يمارسون المهن الحرة.” ويمكن التساؤل عن سبب هذا التفاوت في المعاملة بين الأوروبيين والمغاربة. تقدم لنا المراسلات والتقارير المتبادلة حول الحق النقابي إجابات على هذا السؤال.
يقتصر هذا الحق النقابي على الأوروبيين بحجة أن هؤلاء العمال الأوروبيين الذين يؤدون نفس العمل يمثلون «عنصرًا متجانسًا بما يكفي لتشكيل تجمعات ذات طبيعة خاصة في ظل نظام مناسب، يكون هدفها الحصري دراسة مصالح مهنتهم أو حرفتهم والدفاع عنها”7. تسعى سلطات الحماية إلى إرضاء الأوروبيين الذين يتمتعون عموماً بهذا الحق في بلدانهم الأصلية؛ فهي تحاول جذب عناصر إلى المغرب تساهم في تنمية البلد الاقتصادية.
لم يُمنح هذا الحق للعمال المغاربة. في الواقع، تخشاهم هذه الإدارة وترفض منحهم سلطة تفاوضية قد تُستخدم، في رأيها، كوسيلة لعرقلة ومعارضة أرباب العمل وليس كوسيلة للدفاع عن مصالحهم المهنية.
على الرغم من هذا القيد، انضم المغاربة إلى النقابات؛ وتم تنظيمهم بشكل أساسي من قبل الاتحاد العام للعمل CGT. أبدت الإدارة تسامحاً كبيراً حتى عام 1938. لكن الظهير الصادر في 24 يونيو 1938 غيّر موقف الإدارة بقدر ما أنه يحظر صراحةً على المغاربة الانضمام إلى النقابات ويصاحب هذا الحظر بعقوبات جنائية. تُفرض عقوبة السجن لمدة تتراوح بين 5 أيام و3 أشهر وغرامة تتراوح بين 5 و300 فرنك على السكان الأصليين الذين ينضمون إلى جمعية مؤسسة بشكل غير قانوني أو إلى نقابة. وتُفرض العقوبات نفسها على من «يشرع أو يحاول ضم رعايا مغاربة إلى المنظمات التي يستهدفها الظهير”8. العقوبات رادعة عندما يكسب المرء بالكاد ما يكفيه للعيش. ويوضح بيان الدواعي أسباب هذا الحظر: فمن خلال الانضمام إلى النقابات، يخرج المغاربة عن سلطة المخزن وسلطة السلطان. ومع ذلك، لا يمكن للإدارة أن تسمح بمساس هيبة السلطان بهذه الطريقة. في الواقع، تنص الفقرة 2 من المادة الأولى من معاهدة عام 1912 على أن «هذا النظام سيحافظ على الوضع الديني، واحترام السلطان وهيبته التقليدية9 “. وبذلك، تهدف سلطات الحماية من خلال هذا الظهير الصادر عام 1938 إلى «ضمان الالتزام الفعال بالقانون”10. كما تسعى إلى حماية نفسها من أي حركة احتجاجية مستقبلية يمكن تجنيد أعضائها بسهولة من داخل النقابات.
من جانبه، كان الصدر الاعظم عازماً هو الآخر على فرض احترام هذا الحظر؛ حيث دعا في يوليو 1938 الباشا والقياد إلى توخي أقصى درجات اليقظة من خلال إجراء تحقيقات وإبلاغه بأسماء المغاربة الذين انضموا إلى نقابات أوروبية حتى يتسنى له اتخاذ الإجراءات اللازمة11.
لم تتأخر رد فعل النقابات على الظهير الصادر عام 1938. فقد اجتمعت اللجنة الإدارية لاتحاد نقابات المغرب المتحدة (USCM) في الدار البيضاء في 24 يوليو 1938، وكان جدول أعمالها يتناول أهداف ومخاطر ظهير 1938، وأكدت أن هذا الظهير «ضربة قوية تهدف إلى تحطيم كل نشاطها [نشاط المنظمات النقابية] وإفساد مصداقيتها لدى العمال المغاربة الذين من واجبنا الدفاع عنهم وحمايتهم […] بسبب وضعهم الاجتماعي الذي يقترب من الانحطاط”12. كما أن من شأنه أن يعزز «الاختلافات […] التي كان من المفترض أن تختفي في المجتمع النقابي بين العمال الأوروبيين والمغاربة». وتحذر هذه اللجنة نفسها حكومة الحماية، موضحة أن المغاربة، وقد بات متعذرا حصولهم على الحماية من النقابات، «لن يترددوا في اللجوء إلى المنظمات الوطنية» وأن الحكومة وحدها ستتحمل المسؤولية في حالة حدوث اضطرابات أو صعوبات سياسية13. وعلى عكس السلطات الاستعمارية التي لا تريد سماع أي شيء، كان أعضاء اللجنة يدركون عواقب عدم الاعتراف بالحق النقابي للمغاربة. فهم يتوقعون أن يصبح الشعب المغربي المحبط متجاوباً مع المطالب الوطنية وأن يبتعد عن نقاباتهم.
قررت هذه اللجنة أخيرًا عقد مؤتمر استثنائي لاتحاد نقابات المغرب المتحدة (USCM) يومي 14 و15 أغسطس 1938 في الدار البيضاء، والذي سيحدد الموقف الذي يجب اتخاذه إزاء حظر الحق النقابي على السكان الأصليين. وتشير المعلومات الاستخباراتية إلى احتمال ظهور اتجاهين: إلغاء ظهير 1938 أو تعديله بما في ذلك تخفيف العقوبات المنصوص عليها14.
كما أوضح الاتحاد العام للعمل CGT لوزارة الشؤون الخارجية أن ظهير 1938 غير قانوني لأنه يتعارض مع الجزء الثالث عشر من معاهدة فرساي التي «تؤكد في ديباجتها مبدأ الحرية النقابية وتعترف في مادتها 427 بالحق في تكوين الجمعيات لأي غرض لا يتعارض مع القوانين، سواء بالنسبة للموظفين أو لارباب العمل”15.كما تدعي اتحاد نقابات المغرب المتحدة أن النقابات توفر للعمال المغاربة ظروف معيشية طبيعية، وبالتالي تجعلهم «يحبون فرنسا ويسرعون في سحق العدو»، لكن السلطات الإدارية لا تبدو مستمعة لهذه الحجة القوية. علاوة على ذلك، وفقًا لاتحاد العام للعمل (CGT)، فإن عدم الاعتراف بالحق النقابي للمغاربة قد يدفعهم نحو الأحزاب الوطنية التي ستحظى عندئذ بكتلة من العمال ونفوذ ستستخدمه لمواجهة إجراءات السلطات في المغرب.
يستخدم الأمين العام لنقابة موظفي التجارة، روبرت ريفستيك، حجة أخرى لتبرير منح الحق النقابي للمغاربة، ويخاطب المفوض المقيم العام (CRG)، الجنرال نوغيس، بالعبارات التالية: «بما أن مصير سكان هذا البلد الأصليين قد حُسم هكذا، وبما أنه في حالة الحرب سيتعين عليهم، مثل الفرنسيين، أن يغادروا حاملين حقائبهم على ظهورهم، أعتقد أنه من العدل أن يتمتعوا هم أيضًا بالحق في الدفاع عن أنفسهم ضد المستغلين الذين سُلِّموا إليهم مقيّدي الأيدي والأرجل16”. لكن أيا من الحجج المقدمة تزحزح موقف سلطات الإقامة.
عبر أرباب العمل في المغرب، الطرف آخر في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، عن رأيهم في هذه المسألة عبر ممثليهم الذين يشغلون مقاعد في غرف التجارة والصناعة ولجنة الصناعيين المغاربة. عارض معظمهم منح الحق النقابي للمغاربة لأنه سيشكل انتهاكاً لسلطتهم المطلقة داخل المؤسسة. هذا الرفض له عواقب وخيمة على النقابات، فهو يحرمها من أعضاء محتملين، مما لا يمكن إلا أن يضعها في مواجهة أرباب العمل ويغذي قائمة الخلافات الطويلة بالفعل بين هذين الطرفين.
أما بالنسبة للأوساط المحلية، فهي، وفقاً لمذكرة استخباراتية تتعلق بمدينة الدار البيضاء صادرة عن إدارة الأمن العام، غير راضية؛ فلم يعد بإمكانها الدفاع عن مطالبها وأجورها بواسطة التجمعات المهنية. ويزيد من استيائها أن بعض أرباب العمل قد فصلوا الاجراء المغاربة المنتمين إلى نقابة الاتحاد العام للعمل CGT17.
يُعدّ الظهير الصادر عام 1938 مثالاً على تشريع قائم على تصور للسكان الأصليين، الذين تعتبرهم كل من السلطات والمعمرين غير متطورين بما فيه الكفاية. كما يرى هؤلاء السكان الأصليون النقابة كوسيلة لمعارضة أرباب عملهم، ولا يقتصرون على دراسة مصالحهم المهنية والدفاع عنها، بل يضيفون إليها مطالب وطنية. تخيف هذه المطالب الأخيرة السلطات بقدر ما تخيف المعمرين، المدعوين للعمل مع السكان الأصليين، وتثير مخاوف بشأن مصالح ممثلي القوة الحامية.
لم يدخل التغيير في موقف الإدارة، الذي جسده ظهير العام 1938، حيز التنفيذ لأن السلطات سمحت بعد عام 1938 بنقابات تضم مغاربة. اقتصرت حركة الانضمام غير القانوني هذه على المؤسسات والمهن التي يتعامل فيها المغاربة مع الأوروبيين. في المقابل، في القطاعات التي لا يوجد فيها وجود أوروبي (الحرف التقليدية، نظام الخماسة18)، يتم تجاهل النقابات. وينطبق الأمر نفسه على الطبقة العاملة الريفية.
أدت الحرب إلى توقف نشاط النقابات. وابتداءً من أغسطس 1943، استؤنف نشاطها، حيث طُلب من السلطات أن تضع تحت تصرفها المقرات التي كانت متاحة لها سابقًا19. أما المغاربة، الذين كانوا لا يزالون محرومين نظريًا من الحق النقابي، فقد أتيحت لهم حينها إمكانية التوجه إلى مكتب مخصص لهم، وهو المكتب المغربي للعمل؛ وكان هذا المكتب مكلفًا بالدفاع عن مصالحهم المهنية وتعريفهم بالحق النقابي
يتبع …
إحالات
1Albert AYACHE, Le mouvement syndical au Maroc, Paris, L’Harmattan, coll. « Racines du présent », 3 vol., 1982-1993.
2Henri BRUNSCHWIG, « Colonisation-Décolonisation, Essai sur le vocabulaire usuel de la politique coloniale », Cahiers d’études africaines, vol. 1, no 1, 1960, p. 44-54.
3Annie DEPERCHIN et Farid LEKEAL, « Le protectorat, alternative à la colonie ou modalité de colonisation ? », Clio@Themis, no 4, 2011.
4Dahir, règle juridique dans le domaine législatif ou réglementaire, expression du pouvoir du Souverain.
5CADN, Protectorat Maroc, 1MA/10/149, Cabinet du DRG, correspondance de la CGT Paris datée du 9 août 1938 transmise par le ministère des Affaires étrangères Afrique-Levant au DRG.
6CADN, Protectorat Maroc, 1MA/10/149, Cabinet du DRG, dahir du 24 décembre 1936 sur les syndicats professionnels.
7BOM, no 1262 du 1er janvier 1937, dahir du 24 décembre 1936, exposé des motifs.
8BOM, no 1342 du 15 juillet 1938, dahir du 24 juin 1938 complétant la législation sur les associations et sur les syndicats professionnels.
9Traité conclu entre la France et le Maroc, le 30 mars 1912, pour l’Organisation du Protectorat français dans l’Empire chérifien.
10CADN, Protectorat Maroc, 1MA/10/149, Cabinet du DRG, dahir du 24 juin 1938 complétant la législation sur les associations et sur les syndicats professionnels.
11CADN, Protectorat Maroc, 2MA/1/147, Secrétariat général du Protectorat, circulaire du Grand Vizir à destination des pachas et des caïds, 6 juillet 1938.
12CADN, Protectorat Maroc, 1MA/10/149, Cabinet du DRG, ordre du jour de la commission administrative de l’USCM du 24 juillet 1938 à Casablanca.
13CADN, Protectorat Maroc, 1MA/10/149, Cabinet du DRG, ordre du jour de la commission administrative de l’USCM, Casablanca, 24 juillet 1938.
14CADN, Protectorat Maroc, 1MA/10/149, Cabinet du DRG, direction de la Sécurité publique (Service de police générale), note de renseignements, origine : Casablanca, objet : dahir du 24 juin 1938, 9 août 1938.
15CADN, Protectorat Maroc, 1MA/10/149, Cabinet du DRG, copie de la note de la CGT datée du 9 août 1938, adressée au ministère des Affaires étrangères, et transmise au DRG.
16CADN, Protectorat Maroc, 1MA/10/149, Cabinet du DRG, Travail du 15 août 1938.
17CADN, Protectorat Maroc, 1MA/10/149, Cabinet du DRG, direction de la Sécurité publique (Service de police générale), note de renseignements du 9 août 1938, origine : Casablanca, objet : dahir du 24 juin 1938.
18Contrat conclu entre un propriétaire terrien et un khammès ou métayer au quint, c’est-à-dire ayant droit à un cinquième de la production.
19CADN, Protectorat Maroc, 1MA/10/149, Cabinet du DRG, service du Travail, note au sujet de la reprise de l’activité syndicale au Maroc, Rabat, 6 août 1943.
اقرأ أيضا
