الصراع الطبقي اليوم: التشظي وأزمة الشكل السياسي
بقلم؛ سوشوفان دهار Sushovan Dhar
أصبح موضةً قولُ إن الصراع الطبقي قد بات من الماضي — إنه ذاب بفعل تفكيك الصناعة، وشتت بسبب تشظي أسواق العمل، وحجبته الحركات القائمة على الهوية، واستُنفد مع المؤسسات التي كانت سابقا تمنحه شكلاً سياسياً. تبدو الطبقة، من زاوية النظر هذه، فاقدة طابعها المركزي، مواصلةً البقاء في أحسن الأحوال كمقولة تحليل متبقية.
بيد أن هذا الحُكم يستند إلى خلط أساسي بين الطابع المرئي للصراع الطبقي وضرورته الهيكلية. فعوض تجاوز التعارض الطبقي، غيرت الرأسمالية موضع ساحة المعركة، وأعادت هيكلتها. ليست علاقة التعارض بين رأس المال والعمل هي التي ضعُفت، بل الأشكال السياسية والتنظيمية التي كانت في الماضي تجعل هذا التعارض جليا ودائمًا وفعالًا.
لذلك، ليست الأزمة الحالية للسياسة الطبقية أزمة غياب، بل أزمة إعادة تشكيل في ظل ظروف غير ملائمة. يتطلب فهم الصراع الطبقي اليوم الانطلاق من إعادة التنظيم هذه، عوض الحنين إلى أشكال مفقودة أو الانكفاء صوب تفسيرات ثقافية.
النيوليبرالية وإعادة تنظيم العلاقات الطبقية
أدت النيوليبرالية، التي غالبًا ما يُساء وصفها بأنها انسحاب للدولة لصالح الأسواق، إلى إعادة تنظيم عميقة لسلطة الدولة، بهدف إعادة تشكيل العلاقات الطبقية. وقد أسفرت عن مرونة في التوظيف (التشغيل)، وإضعاف أنظمة الرعاية الاجتماعية، وتشديد أنظمة الهجرة، وتسليع الخدمات العامة.
وبعيداً عن الانسحاب، أصبحت الدولة منخرطة بعمق في تنظيم شروط التراكم وفرض انضباط العمل. وقد غيّرت إعادةُ الهيكلة هذه شكلَ الصراع الطبقي، الذي تشتت من مكان الإنتاج نحو مجال اجتماعي أوسع: السكن، والديون، والرعاية، والصحة، والتعليم، والحدود، والحفاظ على النظام. ولا يعني التأكيد على هذه النقطة إنكار الأهمية المستمرة للنضالات في أماكن العمل، بل اعتراف بأن الاستغلال والسيطرة باتا منظمين عبر الحياة الاجتماعية برمتها. ليس السؤال ما إذا كان الصراع الطبقي موجوداً، بل لماذا يفشل في كثير من الأحيان في التبلور في قوة سياسية مستمرة.
غالباً ما يُعامل عدم إضفاء طابع مهيكل على علاقة العمل كحالة وصفية: غياب العقود، أو القوانين التنظيمية، أو الأمان في أسواق العمل، إما كبقايا للتخلف في بلدان الجنوب العالمي، أو كتآكل عرضي لعمالة كانت مستقرة سابقاً في بلدان الشمال. بيد أن الأمر ليس مجرد إعادة هيكلة لسوق العمل؛ إنه نمط سيطرة طبقية.1
ليس العمل غير المهيكل، في قسم كبير من الجنوب، هامشياً أو انتقالياً، بل هو الشكل السائد لوجود البروليتاريا. تاريخياً، لم تعمل العمالة المهيكلة أبداً كقاعدة عامة قادرة على ترسيخ إعادة الانتاج الاجتماعية.2
لطالما كان التشغيل متقطعاً، ومتعدد المواقع، وثيق الارتباط باستراتيجيات بقاء الأسر، وبالإنتاج البضاعي الصغير، والهجرة، والديون. لم تُدخل إعادة الهيكلة النيوليبرالية هذه الحالة؛ بل عززتها.
العمل غير المهيكل هو اليوم منظم بواسطة سياسة الدولة، حيث تجرم أنظمة التخطيط الحضري الباعة الجائلين، بينما تتسامح معهم بشكل انتقائي. وتنظم أنظمة الحماية الاجتماعية السكان دون ضمان الحقوق، وتُمارس الرقابة من خلال الشرطة والتنظيم بدلاً من قانون العمل. وتخلق أنظمة الهجرة قوة عاملة عديدة وضرورية تظل في وضع قانوني غير مستقر. يمثل العمل غير المهيكل تنظيمًا بدون حماية، وليس غيابًا للتنظيم.
في الشمال العالمي، يتخذ القطاع غير المهيكل شكلاً تاريخياً مختلفاً، لكنه يؤدي وظيفة مماثلة. يبدو هنا أنه عملية تقهقر: سلاسل تعاقد من باطن، وعمل حر زائف، وعقود عمل بدون ساعات محددة، ووظائف المنصات، وتوسع أنظمة العمالة المهاجرة والعرقية. غالباً ما يُصوَّر ذلك على أنه اضطراب تكنولوجي أو مرونة في سوق العمل، لكن الحقيقة هي أنه تفكيك متعمد لمعيار الأجور.
تم إفراغ التنازلات المؤسسية التي كانت تضمن استقرار علاقات العمل — المفاوضة الجماعية، والحقوق الاجتماعية، وقانون العمل — من مضمونها، وجرى إلقاء المخاطر المرتبطة بإعادة انتاج هذه الشروط على الأسر والأفراد. تعيق استراتيجية التجزئة هذه المفاوضة الجماعية، وتنقل التكاليف الاجتماعية إلى كاهل المجتمعات المحلية، ما يقوض بدوره قوة الشغيلة الجماعية.
برغم الاحتجاجات المحلية، وتحركات الشغيلة، يفتقر هؤلاء إلى التماسك التنظيمي. لا يؤدي إضفاء الطابع غير المهيكل إلى تجزئة علاقات العمل فحسب، بل أيضاً الوقت والمكان والوضع القانوني. يصبح العمل متقطعاً، ومشتتاً في مواقع عديدة، وغالباً ما يُجرّم أو يصبح شبه قانوني، ما يرفع تكاليف تنظيم مستمر ومخاطره. في ظل هذه الظروف، يُجبر العمل الجماعي باستمرار على الدخول في دورات تعبئة قصيرة، ما يجعل المراكمة صعباً هيكليا وليس بسبب سوء توجيه سياسي.
الصراع الطبقي بدون معيار الأجر
برغم أن الصراع الطبقي تجاوز دائما مكان العمل، كانت العلاقة الأجرية، إبان معظم القرن العشرين، بمثابة محوره التنظيمي الرئيس. فقد أتاح استقرار علاقة العمل، ووجود أرباب عمل مكشوفين، والمفاوضة الجماعية، والنقابات المعترف بها قانونياً، الأساس المادي والمؤسسي الذي يتيح تعميم الصراع بين العمل ورأس المال.
لم تعد العلاقات الأجرية، حاليا، قادرة أن تكون نقطة التجميع السياسية الأساسية. لم يعد الشغيلة يواجهون رب عمل واحد، بل مجموعة متفرقة من وسطاء وخوارزميات وسلطات بلدية وخدمات اجتماعية. يفقد الإضراب الكلاسيكي، رغم استمراره، مقدرته على العمل كسلاح شامل.
لا يزيل هذا التحول تسيُّس الشغيلة؛ بل ينقل مواقع النضال. ويؤدي هذا النقل إلى تضاعف مناطق الصراع، دون إتاحة نقطة ترسيخ مؤسسية أو تنظيمية مشتركة. تنبثق نضالات متزامنة في مجالات السكن، والمساعدة الاجتماعية، والرعاية، والعمالة، ومع ذلك لا توجد آلية قادرة على ربط هذه المواقع في مقاومة موحدة. ليست النتيجة إزالة الطابع السياسي، بل تشتت الطاقات السياسية في جبهات منفصلة.
تنعكس الأهمية المتزايدة للنضالات حول إعادة الانتاج الاجتماعية (مجمل الأنشطة الضرورية لرعاية قوة العمل وتجديدها. م) أيضًا في توسع ما وُصف باليد العاملة «المتصلة» connecté عبر مجالات الرعاية والتعليم والصحة والعمل في الخدمات.3 وبعيدًا عن كونها مجالا معزولا عن الهيمنة الرأسمالية، تخضع هذه اليد العاملة بشكل متزايد لنفس متطلبات السيطرة وإلغاء المهارات والترشيد التي غيرت العمل الصناعي تاريخيًا. الآن، تقوم تقنيات التدبير والأنظمة الرقمية بشكل منهجي بقياس وتخطيط وإعادة تنظيم ممارسات الرعاية والانخراط العاطفي والتواصل البشري — التي طالما عُوملت على أنها قدرات غير مهيكلة أو مضفى عليها طابع أنثوي أو طبيعي.
لا يسمو هذا التغيير بإعادة الانتاج فوق الصراع الطبقي؛ بل يزيدها حدة. وبينما يسعى رأس المال إلى استخراج قيمة من عمل لا ينفصل عن التفاعل البشري، تغدو النضالات حول أعباء العمل ونسب التوظيف والوقت والاستقلالية المهنية أشكالاً مركزية للتعارض الطبقي. ليس تسييس عمل الرعاية تحولاً ثقافياً، بل نتيجة مادية لتنامي تغلغل تراكم رأس المال في ظروف إعادة الانتاج الاجتماعية.
عمل الرعاية نموذجي وليس استثنائياً. تؤثر عمليات مماثلة على التعليم واللوجستيات وخدمات المنصات والعمل في القطاع العام، لأنها تُخضِع باطراد القدرات العلائقية والزمنية للقياس والرقابة. ولا يدل توسع هذا النوع من العمل على ابتعاد عن الصراع الطبقي، بل على امتداد رأس المال إلى مجالات كانت في السابق محمية جزئياً من التثمين المباشر.
الهوية والاختلاف وإعادة التشكل الطبقية
غالباً ما يُعزى تشظي الصراع الطبقي المعاصر إلى صعود السياسة الهوياتية. تبدو النضالات حول العرق، أو الجندر، أو الفئة Caste الاجتماعية، أو الهجرة، أو الجنسانية، أو القومية، مُحدِّدة. وهذا يحوِّل الانتباه عن الاستغلال، ويقوض الوحدة الطبقية. يعامل مؤيدو السياسة الهوياتية الطبقةَ بما هي مجرد هوية من بين هويات أخرى، لم تعد قادرة على توفير وحدة مركزية للعمل السياسي. تُخطئ هذه المواقف في تحديد المشكلة بتحويلها لشرط هيكلي إلى نزاع ثقافي.
وبالطبع، تؤدي الهوية دوراً حاسماً في تراتب العمل، وفي ضبط وتنظيم التفاوت في المجتمعات الرأسمالية، بدلاً من أن تكون مجرد بناء أيديولوجي. إنها تسهم في فصل الشغيلة على أساس الجنس والعرق والفئة والمواطنة والوضع القانوني، ما يؤدي إلى تراتبيات تدعم تراكم رأس المال وسيطرته. على سبيل المثال، يمكن ترحيل العمال المهاجرين، وغالبًا ما يُحصر عمل النساء في الرعاية أو الوظائف المرنة، وكثيرًا ما يشغل الأفراد الذين يتعرضون للتمييز العنصري، أو المصنفين في نظام فئات Castes ، أنواع العمل الأشد خطورة والأكثر تهميشًا. إن الرأسمالية، بما هي تجسيد شامل لكل أشكال الاستغلال، تستوعب الهوية كآلية أساسية للسيطرة الطبقية، بدلاً من كونها مجرد علامة سطحية على الاختلاف.4
وبالتالي، لا تكمن المشكلة في الهوية بما هي تجربة معاشة أو أساساً للمقاومة، بل بما هي شكل سياسي منفصل عن آليات التعميم. عندما تظل النضالات محصورة في مظالم محددة، تصبح مقبولة من السلطة لأنها على وجه التحديد لا تهدد تنظيم تراكم رأس المال برمته.
تعد النضالات القائمة على الهوية جزءاً لا يتجزأ من النضالات الطبقية، لأنها تمثل ردودا على أشكال خاصة من الهيمنة، مثل العنف القائم على النوع الاجتماعي، والحفاظ العنصري على الأمن، وقمع الفئات Castes الاجتماعية، وممارسات المواطنة الإقصائية. ومع ذلك، من المفيد دراسة الأشكال السياسية لتجلي نضالات الهوية هذه. ففي سياق نيوليبرالي، تجنح هذه النضالات إلى أن تكون فردية، تتوسط فيها منظمات غير حكومية وإطارات قانونية، ما يحول التركيز من المعارضة الجماعية إلى قضايا اعتراف ودمج. على الرغم من الاعتراف بالاختلافات، تظل إلى حد كبير الهياكل الأساسية التي تديم التفاوتات دون تغيير.
يمثل هذا الشكل من التوسط استراتيجية حوكمة متعمدة لتدبير الصراع الاجتماعي مع الحفاظ على التراكم القائم. يستمر ”اضفاء طابع المنظمات غير الحكومية“ ليس فقط بسبب سذاجة سياسية، بل لأنه يتوافق أيضا مع منطق الحوكمة النيوليبرالية القائم على المشاريع ومنزوع الطابع السياسي. تعمل هذه الأشكال ضمن إطار تفويضات المانحين والتوجيهات الإدارية، فتُثبِّت البقاء على قيد الحياة بينما تحيد الصراع، وتستبدل في الغالب المواجهة بالتدبير، والقوة الجماعية بالتمثيل.
إن إضفاء طابع المنظمة غير الحكومية، إذ يفسر الهيمنة الهيكلية على أنها مظالم شخصية أو جماعية، يُقيد إمكانية النضالات الأوسع نطاقاً، جاعلا من الهوية علامة على وضعية ضعف/هشاشة بدلاً من أن تكون أساساً للقوة الجماعية. يؤدي هذا إلى مفارقة حيث، على الرغم من تكاثر النضالات الهوياتية وزيادة طابع البروز فيها، تظل الديناميات الطبقية ثابتة. تبدو الطبقة العاملة منقسمة، لا بسبب اختلافات جديدة، بل بسبب نقص في التنظيم السياسي.
يجب أن نعترف بدور صراعات الهوية الحاسم في تشكيل الطبقات، بدلاً من استبعادها باعتبارها مجرد أشكال إلهاء عن المسائل الطبقية. وبدون عملية إعادة تشكيل، يعزز التمايزُ التراتبيةَ، ويحول الهوية إلى أداة لإعادة تنظيم القوة الطبقية عوض أن تكون وسيلة لمناهضتها.
لا ينبغي تأويل المكانة الغالبة التي تحوزها اليوم هوية «الطبقة الوسطى» — التي يُحتفى بها في الجنوب العالمي ويُتحسَّر عليها في الشمال— كدليل على تجاوز الطبقات، بل كتشكيل مستحدث سياسيا لتوجيه القلق من المكانة الاجتماعية والتفاوتات بعيداً عن رأس المال ونحو أشكال متشظية، وغالباً ما تكون رجعية، من الهوية الاجتماعية.
لا يمكن لسياسة طبقية متجددة أن تحل هذا المأزق باللجوء إلى وحدة مجردة، أو اشتراط خضوع نضالات خاصة لبرنامج طبقي محدد سلفاً. ليست الوحدة الطبقية واقعا سوسيولوجيا؛ إنها إنجاز سياسي. يجب بناؤها عبر مواقع متمايزة أنتجها الرأسمالية نفسها. وهذا يتطلب الاعتراف بنضالات الهوية على أنها تشخيصية — تكشف مكامن أشد تركز للاستغلال والحرمان والإكراه — مع التأكيد على أن أفقها السياسي لا يمكن أن يظل محصوراً في الاعتراف أو التمثيل.
بهذا المعنى، لا تعني إعادة التشكيل محو الاختلاف. إنها تعني التنظيم عبر الاختلاف. تتجه النضالات النسوية صوب إزالة الطابع السلعي عن الرعاية وتشريك إعادة الإنتاج الاجتماعية. تثير نضالات المهاجرين مسائل حدود، وانضباط العمل، وتراتبيات إمبريالية. تكشف الحركات المناهضة للعنصرية ولنظام الفئات castes عن الأجهزة القسرية التي تدير اليد العاملة الفائضة وغير المهيكلة. عند تعميمها بهذه الطريقة، تعمق نضالات الهوية السياسة الطبقية بدلاً من تجزئتها.
المراكمة السياسية والشكل السياسي
يُجلي التحليل أعلاه مفارقةً تحدد الوضع الراهن. التناحر الطبقي معمم وغالباً ما يكون حاداً. يؤدي إضفاء الطابع غير المهيكل، ونزع الملكية، والحكم القسري، إلى موجات متكررة من النضال عبر أسواق العمل والمجتمعات والأقاليم. ومع ذلك، نادراً ما تتراكم هذه النضالات لتشكل تحديات دائمة للسلطة الرأسمالية. التعبئة متواترة؛ لكن التغيير نادر. لذا فإن المشكلة المركزية التي تواجه اليسار اليوم ليست غياب النضال، بل غياب الأشكال السياسية القادرة على مراكمته.
المراكمة السياسية معناها المقدرة على الحفاظ على النضالات بعد لحظة اندلاعها، وتعميم المطالب عبر القطاعات، ومواصلة الضغط مع الزمن. وهي تختلف عن التعبئة. فبدون مراكمة، تفشل حتى النضالات الشديدة والمتكررة في تغيير ميزان القوى الطبقي.
لا يمكن تفسير هذه المشكلة بنقص في النضال، أو في الوعي، أو في الالتزام الأخلاقي. ولا يمكن اختزالها في القمع وحده. فهي متجذرة في الظروف الهيكلية؛ أي تجزئة العمالة، ونقل النضال من مكان العمل إلى مواقع متعددة من إعادة الإنتاج، وتمايز الطبقة العاملة على أسس الهوية والطابع الشرعي والوصول إلى الموارد. تولد هذه الظروف التناحر بينما تقوض في الآن ذاته الآليات التي يمكن بها تعميم هذا التناحر.
تتطلب المراكمة السياسية وساطة.5 وتتوقف على منظمات ومؤسسات قادرة على ربط النضالات بين القطاعات، وترجمة الصراعات المحلية إلى مطالب عامة، والحفاظ على المواجهة مع رأس المال والدولة على المدى الطويل. في ظل الظروف المعاصرة، تكون أشكال الوساطة هذه ضعيفة أو غائبة أو غير متوافقة سياسياً. والنتيجة تكاثر النضالات التي تظل عرضية أو قطاعية أو رمزية.
كانت النزعة الانتخابوية إحدى الإجابات على هذا المأزق. في مواجهة تشظي الحركات وتدهور المقدرة التنظيمية، اعتبر الكثيرون في اليسار النجاح الانتخابي طريقا مختصرا إلى السلطة، مستعيضين عن التنظيم بالتمثيل، وعن القوى الاجتماعية بالبرامج السياسية. والحال أن الاستراتيجيات الانتخابية المنفصلة عن التنظيم الطبقي تصطدم بجهاز دولة معادٍ ورأس مال منظم، دون امتلاك المقدرة على إعادة تشكيل ميزان القوى. وعندما تنغلق الفرص الانتخابية، كما يحدث غالبًا، ينكشف بحدة الضعف الكامن في المراكمة.
يظهر هذا الاستبدال حتى في أكثر النقاشات المعاصرة تعقيداً حول «عدم المطابقة» لدى الطبقة العاملة، لا سيما في الولايات المتحدة، حيث توثق أعمال تجريبية عديدة تراجع الدعم الانتخابي للأحزاب الاشتراكية الديمقراطية بين ناخبي الطبقة العاملة، بمختلف أصولها العرقية. ومع أن هكذا تحليلات ترفض، عن صواب، التفسيرات الثقافوية، وتؤكد على المظالم المادية، فإنها تعامل إعادة الترتيب الانتخابي باعتباره الأفق الأساسي للسياسة الطبقية — ما يختزل إعادة التشكيل إلى مشكلة تواصل أو اختيار مرشحين أو تنفيذ سياسات.
وتمثل حدة هذا النقاش بحد ذاتها أحد أعراض فراغ تنظيمي أعمق: فحيثما تكون أشكال التنظيم الطبقي الدائمة ضعيفة أو غائبة، تصبح المطابقة الانتخابية العوض الذي تُفسر من خلاله أزمة المراكمة السياسية.
تمثل رد ثان في “النزعة الحركية”، أي تثمين العفوية والأفقية والتعبئة المستمرة. يدرك هذا التوجه بشكل صحيح حدود السياسة المؤسسية، وأهمية النضالات خارج مكان العمل. لكنه يجنح، لغياب أشكال مستدامة من التنسيق والاستراتيجية، إلى الخلط بين الحدة والقوة. تندلع التعبئات، وتولد بروزا، ثم تتلاشى، تاركة القدرات التنظيمية بقدر ضعفها السابق.
تعبر المناقشات الأخيرة داخل الحركة العمالية عن هذا المأزق. فالاقتراحات التي تركز على مفعول الرافعة في «نقاط الاختناق» اللوجستية في سلاسل التوريد — الموانئ والمستودعات ومراكز النقل — تعترف ضمناً بأن القوة الرأسمالية لم تعد مركزة في مكان عمل واحد أو علاقة أجرية واحدة، بل منتشرة عبر شبكات التداول وإعادة الانتاج. ويوجه هذا التحول الانتباه بشكل مفيد إلى البنى التحتية المادية التي يتم من خلالها تنظيم التراكم في ظل الرأسمالية المعاصرة.
ومع ذلك، لا تكمن الحدود الاستراتيجية لهذه المقاربات في تشخيصها لنقاط القطع الممكنة، بل في عدم قدرتها على حل مشكلة المراكمة السياسية. فالمقدرة على إحداث الاضطراب، حتى عندما تكون موجهة بدقة، لا تولد في حد ذاتها تنظيمًا دائمًا أو قوة طبقية قابلة للتعميم. وبدون أشكال وساطة قادرة على ربط الاضطرابات العرضية باستراتيجية جماعية مستدامة، فإن مفعول الرافعة اللوجستي قد يعيد إنتاج نفس الترسيمة التي تعاني منها التعبئة المعاصرة على نطاق أوسع، أي الكثافة بلا مراكمة، ومواجهة بلا إعادة تشكيل.
شكلٌ ثالث من أشكال الوساطة هو «صبغة منظمات غير حكومية»، وهو سائد بشكل خاص في سياقات إضفاء الطابع غير المهيكل وانسحاب الدولة. غالبًا ما تعمل المنظمات غير الحكومية على تأمين البقاء على قيد الحياة، وتقديم الخدمات، والتعبير عن المظالم بلغة الحقوق والاندماج. ولكن عملها ضمن تفويضات مؤسسية ضيقة يجعلها تميل إلى نزع الطابع السياسي عن الصراع. فهي تقوم بتدبير الضعف/الهشاشة عوض مواجهة التراكم، محولة التناقضات الهيكلية إلى مشكلات تقنية أو حالات فردية.
تختلف هذه الاجابات سياسياً، لكنها تلتقي في حد مشترك: فهي تستعيض بأشكال جزئية من الوساطة عن العمل الشاق لإعادة التشكيل الطبقية. لا يحل أي منها مشكلة المراكمة السياسية لأن أياً منها لا يعيد بناء المقدرات التنظيمية اللازمة لمواجهة رأس المال والدولة بما هما فاعلين طبقيين.
هكذا، ليس ضعف الشكل السياسي عرضياً، بل تعبير عن تفكك الحركة العمالية التاريخي، وتآكل الأحزاب المتجذرة في التنظيم الطبقي، وغياب أشكال جديدة قادرة على الاشتغال عبر أنظمة العمل الجديدة. وحيثما توجد هكذا أشكال، غالباً ما تكون محصورة في قطاعات أو لحظات خاصة، وتفتقر إلى القدرة على التعميم.
لا يعني هذا إمكان إعادة اختراع الشكل السياسي ببساطة حسب الرغبة. فالأشكال تنبثق من النضال، لكنها تشكل مساره أيضًا. لا يتمثل التحدي الراهن في تكرار المؤسسات الموروثة — النقابات أو الأحزاب أو الجبهات — كما كانت موجودة في السابق، بل تطوير أشكال تنظيمية قادرة على ربط الإنتاج وإعادة الانتاج، والعمل المهيكل وغير المهيكل، والمواطنين وغير المواطنين، دون تحويل هذه الاختلافات إلى مجرد.
والأهم من ذلك، لا يمكن التعامل مع الدولة بما هي أداة محايدة تنتظر الاستيلاء عليها. فهي موقع مركزي للسلطة الطبقية. لذا، تتطلب المراكمة السياسية استراتيجيات تواجه الدولة بما هي ساحة نضال، وليس مجرد ساحة تمثيل. فبدون ضغط مستمر من القوى الاجتماعية المنظمة، تعيد سلطة الدولة إنتاج العلاقات الطبقية القائمة، أيا تكن نتائج الانتخابات.
أدى استمرار النضال المجزأ، إلى جانب ضعف المراكمة، إلى إحباط واسع النطاق في أوساط اليسار. غالبًا ما يتجلى هذا الإحباط إما في شكل تشكيك في السياسة أو نفاد صبر تجاه التنظيم ذاته. تتطلب المراكمة السياسية اليوم إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية المتشظية. تتطلب أشكالَ تنظيم قادرة على الاشتغال على مستويات متعددة، وعلى الاستمرار إلى ما بعد لحظات التعبئة، ومفْصَلةَ صراع عام دون محو الاختلاف.
هذه مهمة شاقة، ولا توجد طرق مختصرة. ولكن مع عدم مواجهة مشكلة الشكل السياسي مباشرة، سيستمر الصراع الطبقي في الاندلاع دون أن يتضافر، وستستمر التعبئة في الحلول محل القوة.
ينبغي النظر إلى إعادة التشكيل على أنها عملية تاريخية، وليست مجرد مشروع تنظيمي. فهي تجري بنحو متفاوت، وتتميز بصراعات وإخفاقات وأوجه تقدم جزئية، وتتأثر بالعلاقات المتغيرة بين الإنتاج وإعادة الانتاج وسلطة الدولة. وستنشأ أي سياسة طبقية مستدامة من هذه التناقضات، وليس من حلول تبسيطية.
لا يوجد أنموذج جاهز لهذه المهمة. ولا يمكن تصور الأشكال السياسية بمعزل عن النضال، ولا يمكن ارتجالها دون مراعاة الظروف التي يجب أن تواجهها. ما يمكن قوله هو إن المشكلة التي تواجه اليسار اليوم ليست غياب التناحر الطبقي، بل غياب القوى القادرة على تنظيمه على نطاق واسع وعلى المدى الطويل.
المصدر:
https://links.org.au/class-struggle-today-fragmentation-and-crisis-political-form
إحالات
· 1
Jan Breman, At Work in the Informal Economy of India (Oxford University Press).
· 2
Jairus Banaji, Theory as History: Essays on Modes of Production and Exploitation (Haymarket).
· 3
Lise Vogel, Marxism and the Oppression of Women (Brill) ; voir également Nancy Fraser, « Contradictions of Capital and Care », New Left Review, sur la reproduction en tant que lieu structurel de crise.
· 4
Stuart Hall, « Race, Articulation and Societies Structured in Dominance », et Nicos Poulantzas, State, Power, Socialism
· 5
Daniel Bensaïd, Marx for Our Times, sur l’accumulation politique, la temporalité et l’organisation.
اقرأ أيضا

