عاملات وعمال شركة Nika SARL  في طنجة:  من إغلاق المعمل إلى معركة استرجاع الحقوق ( حوار مع عاملة)

الحوار منشور في العدد 63 من أسبوعية جريدة المناضل – ة

في مدينة طنجة، يتجدد فصل آخر من فصول الصراع الطبقي داخل معامل النسيج. يكشف ما جرى لعاملات وعمال شركة Nika SARL أسلوبًا مألوفًا لدى أرباب العمل: الالتفاف على الحقوق المكتسبة للعاملات والعمال عبر توقيف النشاط، والمماطلة، وخلق ذرائع واهية للتنصل من الالتزامات القانونية.

الأمر لا يتعلق باختفاء ربّ العمل عند أول أزمة، بل باستعمال “الأزمة” كأداة ضغط للتهرب من أداء المستحقات، وربما لإعادة ترتيب النشاط بشكل يطيح بالحقوق المرتبطة بالأقدمية والتعويضات. هكذا تتحول هشاشة عقود الشغل وضعف التنظيم النقابي إلى مدخل سهل لضرب المكتسبات.

أما الدولة، التي يفترض أن تحمي الأجراء عبر أجهزتها الرقابية، فقد بدا تدخلها باهتًا، ما يعمّق شعور العمال بوجود تساهل مع خروقات أرباب العمل. في غياب نقابة داخل الشركة، لم يكن أمام العمال سوى التنظيم الذاتي، فنسّقوا مع عاملات وعمال شركة Namatex  وخاضوا وقفة احتجاجية مشتركة، كما تلقّوا دعمًا من جمعية أطاك المغرب لمواكبة المسار القانوني والنضالي.

إنها معركة تتجاوز حدود معمل واحد، لأنها تطرح سؤال ميزان القوى بين العمل ورأس المال، ودور الدولة في هذا الصراع: هل هي حكمٌ محايد، أم طرف يميل بحكم بنيته لحماية مصالح أرباب العمل؟ في هذا الحوار، تكشف إحدى العاملات كيف يتحول الإغلاق إلى وسيلة للضغط والالتفاف على الحقوق، وكيف يصبح التضامن العمالي السبيل الوحيد لمواجهة هذا الواقع.

  • لماذا توقفت شركة Nika SARL عن العمل؟ كم هو عدد العاملات و العمال وسنوات عملهم ؟ وماهي تبعات هذا التوقف عليهم/هن؟

توقّف العمل في الشركة بحجّة غياب الإنتاج، وكرّر المسؤولون أعذارهم الواهية مرارًا، فتارة يبرّرون الأمر بعدم توفر المادة الأولية، وتارة بأسباب أخرى لا أساس لها من الصحة. لكن الحقيقة الصادمة أنّهم حرمونا من أجر شهر كامل اشتغلناه بجدّ واستحقاق، وكأن تعبنا وجهدنا لا قيمة لهما.

هذا التصرّف لم يكن مجرّد تأخير، بل خلّف آثارًا قاسية على حياتنا اليومية. فبيننا من تراكمت عليه ديون لدى البقالة، ومن عجز عن أداء واجب كراء منزله، ومن بقي بذمته  أداء شراء اللوازم المدرسية لأطفاله. هناك من أنهى عمل شهر أكتوبر دون أن يتوصل بأجره إلى اليوم، وآخرون ما زالوا ينتظرون مستحقات شهر نونبر من سنة 2025.

  • هل تنتمون إلى نقابة معينة، وما هو دورها في تنظيم نضالاتكم؟ كيف تنظمون احتجاجاتكم في مواجهة توقف الشركة عن العمل؟ وماهي الأشكال التي قمتم بها من أجل تحقيق المطالب ؟

ليست لدينا نقابة تمثلنا أو تدافع عن حقوقنا، وهو ما زاد من صعوبة وضعنا وجعلنا نبحث بأنفسنا عن سبل قانونية تحفظ كرامتنا ومستحقاتنا. في هذا الإطار، تلقّينا دعمًا من جمعية أطاك، التي ساندتنا ووجّهتنا إلى المسارات الممكنة من أجل انتزاع حقوقنا .

وبتاريخ 12 يناير 2026، قمنا باستقدام مفوض قضائي لمعاينة وضعية الشركة وإثبات توقفها عن العمل بشكل رسمي. غير أنّ حارس الشركة صرّح له بأن التوقف لم يمضِ عليه سوى شهر واحد، في حين أن الحقيقة تؤكد أننا توقفنا عن العمل منذ 21 نونبر 2025، وهو ما يكشف حجم التناقض في الروايات ومحاولة التهرب من المسؤولية.

كما تواصلنا مع مفتشية الشغل بحثًا عن حل يضمن حقوقنا، إلا أن ربّ العمل تخلف عن الحضور إلى الموعد المحدد. وتجدر الإشارة إلى أننا لم نقم بأي شكل من أشكال الاحتجاج، باستثناء وقفة تضامنية واحدة شاركنا فيها إلى جانب عاملات وعمال شركة Namatex، في إطار التعبير عن مطالبنا.

وأمام استمرار هذا الوضع، قررنا تسليم ملفنا إلى أحد المحامين من أجل مباشرة المساطر القانونية المعمول بها في مثل هذه الحالات، ومتابعة الشركة قضائيًا قصد استرجاع مستحقاتنا كاملة. المرة الوحيدة التي بادر فيها ربّ العمل بالاتصال بنا لم تكن بدافع البحث عن حلٍّ عادل أو تسويةٍ منصفة، بل جاءت فقط عندما بلغه خبر عزمنا تنظيم وقفة احتجاجية. عندها سارع للتواصل معنا محاولًا ثنينا عن هذه الخطوة، مستخدمًا خطابًا عاطفيًا، مدّعيًا أننا نسعى إلى إدخاله السجن أو التسبب في تشريده، وأنه لا يملك السيولة الكافية لتسديد ما بذمته من مستحقات.

كان ذلك الاتصال خاليًا من أي عرضٍ عملي أو التزامٍ واضح، ولم يتضمّن مقترحًا جادًا لمعالجة المشكلة أو جدولًا زمنيًا للسداد، بل اقتصر على محاولة التأثير علينا نفسيًا لنتراجع عن حقّنا المشروع في الاحتجاج. بدا واضحًا أن الغاية منه لم تكن حلّ النزاع، وإنما فقط تعطيل تحرّكنا والالتفاف على مطالبنا العادلة.

هل تعتمدون الاعتصام داخل مكان العمل كأداة نضالية، وكيف تُدار أيام الاعتصام من حيث التسيير والتضامن بين العمال؟

نحن حاليًا لا نقوم بالاعتصام داخل مكان العمل دفاعًا عن حقوقنا. وكما سبق أن ذكرت، فقد توقف العمل يوم الجمعة 21 نونبر 2025 على أساس أنه توقف مؤقت، على أن نستأنف نشاطنا يوم 24 نونبر. غير أننا فوجئنا عند حلول ذلك التاريخ بإخبارنا بعدم توفر المادة الأولية، وطُلب منا مغادرة المعمل إلى حين وصولها، مع وعد بالاتصال بنا فور استئناف العمل.

إلا أن ما زاد من شكوكنا واستغرابنا هو أن المادة الأولية كانت متوفرة بالفعل داخل المعمل، قبل أن يجري إخراجها ونقلها إلى معمل آخر يقع بمنطقة “العوامة” في طنجة. هذا التصرف عزز لدينا القناعة بأن الأمر لم يكن مجرد تأخر في التموين، بل خطوة مقصودة لإفراغ المعمل من نشاطه.

ورغم ذلك، واصلنا التوجه يوميًا إلى مقر العمل للاستفسار عن موعد استئناف النشاط، لكننا كنا نصطدم بباب مغلق في وجوهنا. لم يكن هناك أي مسؤول للإجابة عن تساؤلاتنا، وكان الحارس وحده من يتواصل معنا، مكررًا نفس الرواية: لا وجود للمواد الأولية، والشاحنات لم تصل بعد. وهكذا بقينا في حالة ترقب وانتظار دون جواب.

وتجدر الإشارة إلى أن مكان العمل في الأصل مُكترى من طرف ربّ العمل، ولا يُسمح لأي شخص بولوجه دون إذن، ما جعلنا في وضعية صعبة، إذ حُرمنا من العمل ومن التواصل المباشر مع الإدارة في الوقت نفسه ما زاد من معاناتنا.

  • كيف جرى تنظيم الوقفة الاحتجاجية المشتركة مع عاملات Namatex، وهل ترون أن هذا التضامن بين العمال يشكل خطوة نحو وحدة نضالية أوسع للضغط على أرباب العمل والدولة المتواطئة؟

كان لنا شرف كبير أن نتعرّف على عاملات وعمال شركة  Namatex، فقد شكّل لقاؤنا بهم نقطة تحوّل مهمة في مسار نضالنا. لقد استقبلونا بروح تضامنية عالية، وشجّعونا على التواصل مع جمعية أطاك طنجة، التي بادرت إلى دعمنا ومساندتنا. لم نكن نتوقع أبدًا أن نجد أنفسنا، بين عشية وضحاها، دون عمل ودون أي إشعار مسبق، وكأن سنوات من الجهد والعطاء يمكن أن تُمحى فجأة. استيقظنا على واقع صادم: أبواب المعمل مغلقة في وجوهنا، ومستقبلنا المهني معلق. شعور الإقصاء هذا كان قاسيًا، خصوصًا وأن أغلبنا راكم سنوات طويلة من العمل داخل الشركة؛ فمعظم العاملات والعمال تفوق أقدميتهم 12 سنة من الخدمة المتواصلة، أما أنا شخصيًا فقد اشتغلت هناك لمدة 9 سنوات.

جعلتنا تجربة الوقفة الاحتجاجية التي نظمنها مع عاملات وعمال شركة  Namatex نؤمن أكثر بقيمة التضامن بين العاملات والعمال، وبأهمية توحيد الصفوف في مواجهة مثل هذه الأوضاع. لذلك نأمل أن يتوسع هذا التضامن ليشمل جميع عاملات وعمال طنجة الذين يعانون أوضاعًا مشابهة، حتى يصبح صوتنا جماعيًا أقوى.

  • هل كان هناك تنسيق مع جمعيات أو منظمات أخرى للمشاركة في هذا النضال وتوسيع نطاق التضامن مع العمال؟

نحن على تنسيق مستمر مع جمعية أطاك، التي كان لها فضل كبير في إيصال صوتنا إلى الرأي العام وتمكيننا من الخروج للاحتجاج بشكل منظم. بفضل دعمهم ومواكبتهم، أصبح الجميع على علم بقصتنا وبما تعرّضنا له من طرف ربّ العمل. لولا مساندتهم لما عرف أحد حجم المعاناة التي نعيشها، ولا التجاوزات التي طالت حقوقنا.

لقد لعبت الجمعية دورًا أساسيًا في تأطير تحركاتنا وتوجيهنا، فمن خلال هذا التواصل المستمر تلقّينا الإرشاد والمشورة بخصوص الخطوات القانونية والنضالية التي ينبغي اتباعها من أجل انتزاع حقوقنا المشروعة بطرق قانونية ونضالية.

إن هذا الدعم لم يكن مجرد تضامن معنوي، بل كان سندًا حقيقيًا أعاد إلينا الثقة في قدرتنا على الدفاع عن أنفسنا، ومنحنا الأمل في أن حقوقنا يمكن أن تُسترجع حين نتشبث بها ونتحرك بشكل منظم ومشترك.

شارك المقالة

اقرأ أيضا