الديون في المغرب: كيف تحوّل الاقتراض إلى آلية دائمة لنهب الطبقات الشعبية وإخضاعها؟
بقلم: سليم نعمان
المقال منشور في العدد رقم 87 من جريدة المناضل-ة
ليست الديون مسألة تقنية محايدة، ولا مجرد أرقام تُتداول في تقارير رسمية جافة، بل هي علاقة قوة تُدار عبرها الدولة والمجتمع. فكل درهم يُسدَّد للدائنين يقابله حرمان من مقعد في المدرسة أو من سرير في مستشفى عمومي، أو من أجر عامل–ة، أو من أفق شاب وشابة في عيش لائق وكريم.
يُطلب من الأغلبية الساحقة، منذ أربعة عقود، أن «تشُدّ الحزام» باسم الاستقرار المالي، بينما الواقع أن الكادحين-آت يُستنزفون لتمويل نموذج اقتصادي لم يُبنَ لخدمتهم-هن، ولا ليستجيب لحاجاتهم-هن، ولا ليضمن كرامتهم-هن. ليست الديون انحرافاً عرضياً، بل جوهر سياسة اقتصادية اختارت التبعية بدل السيادة، والربح الرأسمالي بدل العدالة الاجتماعية.
الحالة الراهنة لديون المغرب
بلغت ديون المغرب الخارجية حوالي 67.99 مليار دولار بنهاية 2024، أي ثاني-أعلى مستوى في تاريخه (بعد 69.63 مليار دولار في 2023). وسجل البلد رقماً قياسياً في مدفوعات خدمة ديونه الخارجية في 2024 بــ حوالي 7 مليارات دولار–وهي أعلى قيمة تسدّدها البلاد في سنة واحدة. يعكس هذا العبء أن المغرب ينفق جزءاً كبيراً من صادراته لسداد الديون، ما يزيد الضغط على ميزانيته العمومية. ويظل البنك العالمي من أكبر الدائنين للمغرب، يليه البنك الأفريقي للتنمية والبنك الأوروبي للاستثمار.
ومؤخرا، بدأت نسبة الديون العمومية، بحسب بيانات رسمية محلية ودولية في الانخفاض على نحو طفيف بعد ذروة بلغتها خلال سنوات 2020–2022، لكن النسبة من الناتج الداخلي الخام (قرابة 70 بالمئة) تبقى أعلى من مستويات ما قبل الجائحة. والجزء الكبير من الدين الخارجي دين حكومي طويل الأجل بغرض تخفيف مخاطر السيولة قصيرة الأجل.
يشير تقرير البنك العالمي لعام 2025 (تقرير ديون العالم2025) (1) إلى ضغوط ديون متزايدة عالميا على البلدان النامية (والمغرب واحد منها) بسبب زيادة تكلفة خدمة الديون على خلفية ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً. وهذا يقود إلى فجوة بين ما تُسدّده الدول من ديون وما تحصل عليه من تمويل جديد، وإلى تحوّل البعض نحو الديون المحلية في محاولة لتخفيف مخاطر العملات الأجنبية. والمغرب متأثر بهذه الضغوط العالمية من حيث تكلفة التمويل وإرهاق موازنته بسبب خدمة الديون.
ويوصي البنك العالمي بتحسين الشفافية في بيانات الديون وتقاريرها، والتركيز على إدارة الدين بشكل فعّال لضمان استدامته على المدى المتوسط، وتنويع مصادر التمويل والتحوّل نحو أسواق الدين المحلية بحذر، في حين يشير التقرير إلى أن المغرب شهد تباطؤاً في تدفقات الاقتراض الجديدة الخارجية وصافي التدفقات أصبح قريبًا من الصفر، ما يعني أنّ الاقتراض الخارجي الجديد يقترب من مستويات السداد/تقليص الدين، فيما تظل خدمة الدين مرتفعة تاريخياً–تمثل ضغطاً مالياً شديدا على ميزانية الدولة. نسبة الدين العمومي إلى الناتج: تقريباً 59% في 2014-2015، ثم استقرت حول 60% حتى 2019، وقفزة كبيرة إلى حوالي 72% في 2020 أثناء صدمة كوفيد-19، ثم تراجع طفيف- متقلب إلى نحو 67-71% خلال فترة 2021-2024. وتقدر نسبة الدَّين العام الخارجي (من الناتج الداخلي الخام) حسب البنك العالمي بحوالي 13% (2016-2019)، تلاها ارتفاع إلى زهاء 17% بعد 2020، واستقرت حوالي 17.1% في 2023-2024.
من التقويم الهيكلي إلى اليوم: نفس السياسات، نفس الضحايا
تفجّرت أزمة الديون في بداية الثمانينيات من القرن المنصرم، ففُرض على المغرب ما سُمّي «التقويم الهيكليّ». لم يكن ذلك إصلاحاً، بل هجوماً طبقياً منظماً أعاد ترتيب المجتمع لصالح الرأسمال المحلي المرتبط بالخارج، وعلى حساب العمال-آت والفلاحين-آت والموظفين-آت والفئات الشعبية. جرى تفكيك الخدمات العمومية، وخوصصة القطاعات الحيوية، وتجميد الأجور، وضرب القدرة الشرائية، وقيل للشعب الكادح: «تحمّل اليوم، وستنعم غداً بالتنمية». وها قد مرّت أربعون سنة على الأقل، والنتيجة واضحة: لا تنمية، بل مديونية دائمة وماضية في التفاقم.
ليس المقلق فقط استمرار هذه السياسات، بل الخطير ترسيخها. الآن، صار التقشف، والهشاشة، وغلاء المعيشة، جزءاً من «الوضع الطبيعي»، بينما تُقدَّم الديون كحل لا مفر منه.
أزمة 2007–2008: لحظة تعرية النموذج
كشفت الأزمة المالية العالمية سنة 2007-2008 هشاشة الاقتصاد المغربي المعتمد على أوروبا، وعلى السياحة، وعلى تحويلات المهاجرين، وعلى الاستثمار الأجنبي، دون قاعدة صناعية محلية قادرة على الصمود. هكذا اهتز المغرب حين اهتزت المراكز الرأسمالية، وبدل القطع مع نموذج تبين إفلاسه، فضلت الدولة المغربية الهروب إلى الأمام باللجوء إلى المزيد من الاقتراض كي تسدد ما تراكم من ديون، وليس لتغيير ما أنتج الهشاشة ودوام التبعية والتخلف. ومنذ تلك اللحظة (أزمة 2007-2008)، دخل المغرب في مسار مديونية تصاعدي، لأن الاستدانة بالنسبة للبرجوازية المغربية ودولتها خيار لا غنى عنه، ليس فقط لأنها تتيح تأجيل الانفجار الاجتماعي، بل لأن المديونية أداة رئيسية لتمويل إغناء الرأسمال المحلي منذ فجر الاستقلال الشكلي، بدل فرض ضرائب على الثروة والأرباح وجعل الطبقات السائدة تتحمل أكلاف التمويل الإنمائي، والآن نشهد استخدام المديونية، خيارا لا غنى عنه، للطبقات السائدة ودولتها، عبر الأموال الضخمة المقترضة الموجهة لبنية تحتية تخدم القطاع الخاص وأرباحه.
كوفيد-19: بلد منهك بالديون يقف عاجزا أمام الجائحة
شكّلت جائحة كوفيد-19 لحظة الحقيقة. توقّف النشاط الاقتصادي، وانهارت السياحة، وتراجعت الموارد، وظهر بوضوح تخلي الدولة عن حماية شعب كادح ضحية دولة ممولة بالديون.
جرى مجددا اللجوء إلى قروض خارجية جديدة، وسحب مليارات الدولارات من خطوط ائتمان صندوق النقد الدولي، وتوسيع الدين الداخلي. وقُدِّم ذلك كضرورة ظرفية، لكن ما حدث فعلياً هو تعميق الارتهان بالديون. بالتالي، لم تقُد الجائحة إلى تغيّر السياسات، بل منحتها دفعة جديدة: باسم «الاستثناء»، و»الضرورة، و»الإنقاذ»… وهكذا، أضحت الديون أداة دائمة لإدارة الأزمات، لا للقطع مع أسبابها.
الديون ليست حيادية: من يدفع الفاتورة؟
لا تُسدَّد الديون من فراغ، بل تُسدَّد بواسطة ضرائب غير مباشرة تثقل كاهل الفقراء، وتسبب تدهور الخدمات العمومية، وتجميد الأجور، وخوصصة ما تبقى من الملك العمومي، بينما تستفيد البنوك، وكبار الرأسماليين، والشركات متعددة الجنسيات، والدائنون الدوليون… لذا، تٌعد الديون آلية منظمة لإعادة توزيع الثروة من الأسفل إلى الأعلى. إنها تضخ الثروة من أسفل الهرم الاجتماعي. طبعا، إنها أداة اقتصادية، لكنها قبل ذلك أداة سياسية طبقية.
لماذا لا يمكن إصلاح هذا المسار من داخله؟
لأن المديونية ليست خللاً عرضياً، بل وظيفة أساسية للنموذج القائم، فهي تتيح تقييد القرار الوطني، وفرض التقشف دون إعلان، وإخضاع السياسات الاجتماعية لمنطق «الاستدامة المالية»، أي خلق إمكانات مواصلة سداد الديون وفوائدها، لا لتلبية حاجات المجتمع. لذا، طالما ظل هذا النموذج قائماً، فإن أي حديث عن «تنمية شاملة» حقيقية أو «نمو منصف» هو مجرد تزيين لفظي لواقع قائم على الاستغلال والتبعية.
الديون أداة حكم واستغلال
لم تعد الديون، في المغرب، على غرار بلدان طرفية عدة، وسيلة لتغطية عجز مؤقت، بل تحولت إلى أسلوب حكم واستغلال؛ فهي، من جهة، آلية لضبط المجتمع وتأجيل السخط الشعبي، ومن جهة لأنها مضخة لتمويل تراكم القطاع الخاص ونماء أرباحه. إنها أيضا وسيلة لربط الدولة بصورة أوثق بالمؤسسات المالية العالمية، وتقييد أي أفق ديمقراطي حقيقي، بالتالي فهي ليست مجرد أموال، بل قيود سياسية قاسية.
الديون خيارٌ سياسي… والبديل ممكن
ليست الديون قدراً محتوماً ولا قانوناً اقتصادياً أزلياً، بل هي نتاج اختيار سياسي طبقي واضح، جرى ترسيخه على مدى عقود باسم “الاستقرار” و“الإصلاح”، بينما كانت كلفته الفعلية تُلقى باستمرار على كاهل الطبقات الشعبية. إن المديونية، في الحالة المغربية، لم تعد أداة استثنائية لتدبير اختلالات ظرفية، بل تحولت إلى ركيزة من ركائز الحكم، وآلية دائمة لإعادة توزيع الثروة من الأسفل إلى الأعلى، ولتكبيل القرار السيادي وإخضاع السياسات العمومية لمنطق الدائنين.
لهذا، لا يمكن الخروج من الحلقة المفرغة للمديونية عبر تحسينات تقنية، أو وعود رسمية، أو وصفات المؤسسات المالية الدولية ذاتها التي كانت الجزء الرئيسي من المشكلة. فطالما استمر النموذج الرأسمالي التابع المتخلف، القائم على التقشف، والخوصصة، والاعتماد على الاقتراض بدل العدالة الجبائية، ستظل الديون تتجدد، وستظل الأزمات تُدار ولا تُحل.
تقتضي مواجهة المديونية قطيعة سياسية واقتصادية واضحة: تدقيقاً شعبياً شاملاً للدين العمومي لتحديد الجزء غير المشروع منه وتعليق سداده، وبناء نظام ضريبي تصاعدي وعادل يحمّل الثروة والأرباح الكبرى العبء الأقصى، والدفاع عن الخدمات العمومية باعتبارها حقاً اجتماعياً لا مجالاً للاستثمار الربحي. كما تقتضي تحرير التمويل العمومي من ارتهانه للأسواق المالية، وتوجيه الموارد نحو تلبية الحاجات الاجتماعية الأساسية والتحولات البيئية الضرورية.
غير أن هذا الأفق لن يتحقق دون فاعل اجتماعي وسياسي منظم. فالبديل الحقيقي لا يُمنح من فوق، بل يُبنى من أسفل: من نضالات العمال والعاملات، والنساء، والشباب، والعاطلين، وسكان الهوامش، عبر تنظيم عمالي–شعبي ديمقراطي يربط المطالب اليومية بأفق تحرري شامل. عندها فقط يمكن فتح مسار جديد، قوامه العدالة الاجتماعية، والسيادة الشعبية، والديمقراطية الفعلية.
وهكذا، يبقى الخيار مطروحاً بوضوح: إما الاستمرار في مسار يراكم الثروة لدى أقلية ويعمّق الإفقار والتبعية، أو خوض معركة واعية ضد المديونية بوصفها أداة استغلال، وفتح أفق تحرري بديل. فالصراع ضد الديون، في جوهره، هو صراع من أجل الكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، والحرية.
(1) تقرير ديون العالم 2025 (International Debt Report 2025) هو تقرير سنوي يصدره البنك الدولي يقدّم تحليلاً شاملاً لوضع الديون الخارجية للحكومات والدول منخفضة ومتوسطة الدخل، ويشمل إحصاءات حول مستويات الديون الخارجية حتى نهاية 2024، وتحليلا عن ديناميات الديون وتكلفة خدمتها، بالإضافة إلى مؤشرات حول نسبة الديون إلى الناتج القومي، وعبء الفوائد، وتوقعات عام 2025 وما بعده.
اقرأ أيضا


