إبستين: وجه الرأسمالية المريض والفاسد
بقلم؛ كلوي رافيرتي
بموجب قانون شفافية ملفات إبستين الذي أُقِرَّ في نوفمبر الماضي، كان يتعيّن على إدارة ترامب نشر جميع الملفات غير السرية المرتبطة بجيفري إبستين في غضون ثلاثين يومًا. غير أن ترامب تجاهل هذا الالتزام تجاهلًا صريحًا، وهو ما لا يُفاجئ من يعرف طبيعة المحيطين بإبستين؛ إذ يتصرفون جميعًا وكأن القانون لا يسري عليهم، ويعدّون أنفسهم فوق المساءلة، ويرون في انتهاك الأنظمة والالتفاف على الضوابط الأخلاقية امتيازًا حصريًا لا يُنازَعون فيه.
وكما كان متوقعًا، تكرّر اسم دونالد ترامب نحو أربعة آلاف مرة في الوثائق التي أُفرج عنها، وقد يرد بأعداد أضخم بكثير في ثلاثة ملايين وثيقة لم تُنشر بعد. بيد أن قضية جيفري إبستين لا تقف عند حدود فضح شخصيات مثيرة للجدل؛ بل تطرح تساؤلات أعمق حول بنية النظام الرأسمالي العالمي، ومن يمسكون بزمام السلطة داخله. فحجم التشابكات يبهر العقل: تمتد خيوطها إلى شخصيات نافذة في السياسة والأعمال والعلوم والفنون والأوساط الأكاديمية والإعلام، تجمعهم مصالح مالية متداخلة وشبكات علاقات تُتيح النفوذ والثروة والامتيازات الاجتماعية.
تكشف الوثائق عن نمط واسع النطاق من الانتهاكات بحق النساء والأطفال؛ فمن وكالة عارضات أزياء استخدمها إبستين لاستقدام شابات من أوروبا الشرقية، إلى عشرات الفتيات من أسر متواضعة في مدرسة ثانوية مجاورة، جرى استدراجهن واحدةً تلو الأخرى إلى شبكة استغلال ممنهجة. وتُشير تقديرات وزارة العدل الأمريكية إلى أن إبستين اعتدى على أكثر من ألف امرأة.
ولم يكن ما يجري خافيًا على أصدقائه وشركائه. ففي عام 2008، أقرّ إبستين بذنبه في تهمة تحرش بقاصر، في إطار تسوية جنّبته الملاحقة الفيدرالية، فلم يمضِ خلف القضبان سوى ثلاثة عشر شهرًا من أصل ثمانية عشر. وأمضى معظم تلك الفترة في إفراج مشروط بمكتبه في بالم بيتش، بينما كان يبيت في جناح منفصل داخل سجن المقاطعة بعيدًا عن سائر السجناء.
وقد أسهم في الترتيب لهذه الصفقة ألكسندر أكوستا، الذي كان آنذاك المدعي العام الفيدرالي، وأصبح لاحقًا وزيرًا للعمل في إدارة ترامب الأولى؛ إذ منح حصانةً للمتآمرين ومهّد الطريق لإفلات إبستين من الملاحقة الفيدرالية رغم وجود أدلة دامغة على استغلال جنسي ممنهج. ولم تُبلَّغ الضحايا بالاتفاق، ومن بينهن ستة وثلاثون قاصرًا جرى تحديدهن خلال التحقيق.
واصلت شبكة إبستين النافذة اتساعها بعد إدانته؛ ففي قصره بنيويورك أو فلوريدا، أو على جزيرته الخاصة ليتل سانت جيمس، كانت تلتقي وجوه هوليوود بالمليارديرات ورجال الاستخبارات والوزراء والأمراء وأساتذة هارفارد في مشهد يجمع أصحاب النفوذ من كل حدب وصوب.
وتكشف الوثائق أن بعض الأسماء المرتبطة بإبستين تنتمي إلى صفوة أثرى الرأسماليين في العالم؛ فقد راسل إيلون ماسك إبستين يستفسر عن موعد “الحفلة الأكثر جنونًا” على الجزيرة، وكتب ريتشارد برانسون أنه يودّ اللقاء به “شريطة أن تحضر حريمك”. ويظهر اسم بيل غيتس وسيرجي برين من جوجل، إلى جانب حشد من مصرفيي وول ستريت ورجال أعمالها، في سياقات القضية المختلفة.
يُقدَّم لنا النظام الرأسمالي الليبرالي الغربي باعتباره حارسًا للمساواة وحقوق الإنسان وسيادة القانون؛ ويُشاع أن ثمة “نظامًا قائمًا على القواعد” يُحكم ضوابطه على السياسيين والمصارف والشركات، ويكفل الشفافية ونزاهة الأسواق وعدالة القضاء للجميع. بيد أن ما يتكشّف خلف هذا الستار الكثيف يوحي بأن تلك الصورة لا تعدو كونها وهمًا مُحكَم الصنع.
فقد أمضى كلٌّ من جي بي مورغان تشيس ودويتشه بنك سنواتٍ يوفران لإبستين الغطاء المصرفي، متجاهلَيْن إشارات الخطر المتعلقة بشركاته الوهمية ومؤسساته الخيرية وتحويلاته المالية المريبة والمدفوعات التي كانت تصب في حسابات وكالات عارضات الأزياء. وهذا النوع من المعاملة الاستثنائية ليس استثناءً في عالم الأثرياء، بل قاعدةٌ راسخة.
وقد شكّل إبستين ورقةَ نفوذ ثمينة بوصفه وسيطًا لعقد الصفقات واستقطاب أصحاب الثروات الطائلة. وكان الرئيس التنفيذي السابق لجي بي مورغان، جيس ستالي، يقضي عطلاته منتظمًا على الجزيرة، ويستقل طائرة إبستين الخاصة الملقّبة بـ”لوليتا إكسبريس”، بل كان يزوره حتى خلال فترة الإفراج المشروط. وفي عام 2008، في خضم الأزمة المالية العالمية، توجّه ذلك المدير المصرفي إلى إبستين قائلًا: “أحتاج إلى صديق ذكي يساعدني على استيعاب ما يجري”، في إشارة إلى الانهيار الذي كان يعصف بالنظام المالي العالمي آنذاك.
ولعل أكثر ما تكشفه الوثائق إدهاشًا ذلك الطابع العابر للأحزاب الذي طبع عالم إبستين. فخلف السجالات السياسية المحتدمة في الفضاء العام، تبدو النخب وكأنها تنتمي إلى نادٍ واحد مغلق. فقد كان رئيسان من حزبين متناقضين كدونالد ترامب وبيل كلينتون يتحركان بيسر داخل الفضاء الاجتماعي ذاته، إذ يتجاوز التضامن النخبوي الحواجز الحزبية، ويتغاضى عن الامتيازات والإفلات من المساءلة.
وتُعري رسائل إبستين الإلكترونية شبكةً متشابكة من الصفقات غير المعلنة والعلاقات السياسية غير الرسمية والترتيبات المصممة لخدمة أصحاب الثروات. كما تُجلّي بجلاء قدرًا من الاستخفاف في تعامل الطبقة الحاكمة مع التفاهمات الدبلوماسية والاقتصادية عبر القنوات الخلفية، حيث تتداخل إدارة الشأن العام مع المصالح الخاصة دون أدنى حرج.
ومن الشخصيات التي أطلّت من بين طيات الوثائق لورد بيتر ماندلسون، أحد أبرز مهندسي حزب العمال الجديد في عهد توني بلير. فقد حملت رسائله غير الرسمية إلى إبستين خططًا لإنقاذ اليورو، ومقترحًا بأن يُمارس جي بي مورغان “ضغطًا خفيًّا” على حكومة ماندلسون ذاتها لإلغاء ضريبة على مكافآت المصرفيين.
وتميّزت أجندة إبستين السياسية، بينما كان يحتفي بالدوائر الدبلوماسية والسياسية والاستخباراتية، بدعم راسخ لإسرائيل وعلاقات متينة مع مؤسستها السياسية. ويغدو احتمال عمله عميلًا للاستخبارات الإسرائيلية احتمالًا وجيهًا؛ وسواء أكانت تلك الصلات رسمية أم لا، فقد ظل مدافعًا ثابتًا عن المصالح الإسرائيلية. فقادته علاقته الوثيقة برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك إلى التعاون في بيع الأسلحة الإسرائيلية وتطويرها، وتنظيم لقاءات دبلوماسية سرية مع رئيس وزراء قطر، وإعادة صياغة مقالات رأي تتعلق بالاتفاق النووي الإيراني.
ولم يقتصر إبستين في مواقفه على الملف الإسرائيلي؛ إذ ربطته صداقة وثيقة بالمستشار اليميني المتطرف ستيف بانون، وجمعتهما عدائية مشتركة تجاه الصين. وفي إحدى رسائلهما المتبادلة، تناول إبستين الأيديولوجية القومية لحركة ماغا والتنافس الأمريكي الصيني، ليكتب إلى بانون عام 2019 بأنه “يثير الشفقة”.
أما على الصعيد الأكاديمي، فقد أظهر عدد من الأكاديميين استعدادًا للتنازل، بل وإهانة أنفسهم، في سبيل نيل رعاية إبستين؛ إذ تسابق قادة الجامعات والعلماء والأساتذة لاستجلاب انتباهه، وحضروا قممه الفكرية غير الرسمية في شقته النيويوركية، حيث كان يبهرهم بتساؤلات من قبيل “ما هي الجاذبية؟” ويُغريهم بوعود منح مالية سخية.
ولعل نعوم تشومسكي يُجسّد هذا النمط بجلاء مؤلم؛ فذلك الأكاديمي اليساري الذي أفنى عمره يكتب عن الإمبريالية وآليات صنع الموافقة الشعبية على الحروب، كان يُسرّ في الوقت ذاته بمراسلات ودية مع إبستين. ويُذكّرنا هذا بضرورة توخي اليقظة الدائمة تجاه من ينتقدون السلطة من داخل مؤسساتها دون أن يخطوا خطوة واحدة نحو العمل الفعلي في مواجهتها.
ينبغي النظر إلى الانتهاكات الجنسية التي ارتكبتها شبكة إبستين لا بوصفها شذوذًا من شذوذات النخبة المترفة، بل بوصفها حلقةً في سلسلة منظومة أشمل وأعمق جذورًا في هياكل الرأسمالية ذاتها. فالطبقة الحاكمة لا ترى في عامة الناس سوى أشياء، تشبه اليخوت الفاخرة وسيارات المازيراتي، لكنها أرخص بكثير. والعمال الذين يشكّلون غالبية البشرية لا يُنظر إليهم من قِبَل مالكي رأس المال وحواشيهم إلا بوصفهم عوامل إنتاج. ومن هذا المنطق، لا يبعد كثيرًا أن يتحول استغلال الناس لتحقيق الثراء إلى استغلالهم لإشباع الرغبات الجنسية.
وتزداد الإساءة سهولةً حين يسود خلل صارخ في ميزان القوى بين المعتدي وضحيته. فقد وُصف الطريق الفاصل بين قصر إبستين في بالم بيتش والأحياء الفقيرة التي خرجت منها معظم ضحاياه بأنه “رحلة خمس عشرة دقيقة بين الجنة والجحيم”. ففي أغنى دولة في العالم، ينزل هؤلاء “الخدم” في أحياء تبتلعها الفاقة، بينما يجاورهم الرؤساء والمصرفيون الذين يعاملونهم كخدم شخصيين في سائر شؤون حياتهم.
يجسّد إبستين الوجه المريض والفاسد للرأسمالية؛ ينقل عدوى تراكم الأرباح والسلطة عابرًا الانقسامات السياسية والحدود الوطنية. تضم شبكته قادة الشركات الكبرى والمصرفيين والماليين والأمراء ورؤساء الوزراء والرؤساء والجواسيس وأمراء هوليوود ونجوم الأوساط الأكاديمية، بينما كانت ضحاياه أطفالًا وفتياتٍ وشابات من الفقراء وأبناء الطبقة العاملة.
يحرصون على إخفاء فسادهم لأنهم يعلمون أن كشف نفاقهم وانتهاكاتهم الجسيمة أمام الرأي العام سيُسقط الشرعية التي تمنحها لهم ثروتهم ونفوذهم، ويُدركون جيدًا تبعات ذلك. ومن يبحث عن سبب إضافي للتشكيك في الطبقة الحاكمة، فإن ملفات جيفري إبستين تُغنيه عن كل حجة أخرى.
المصدر: https://redflag.org.au/article/epstein-is-the-sick-and-depraved-face-of-capitalism/
اقرأ أيضا


