فيضانات الشمال: الاختيارات المسببة، والتضامن الشعبي ومهام منظمات النضال، في حوار مع الرفيق اشرف ميمون -تطوان

الحوار منشور في العدد 62 من أسبوعية جريدة المناضل- ة

ليست الفيضانات نتيجة حتمية للظروف الطبيعية، وليس حجم الخسائر ناجما بنحو آلي عن تغير المناخ. فنمط تنظيم المجتمع وأولياته هما العامل الحاسم فيما يحصل ويعزى الى عوامل موضوعية. فعندما يكون منطق تدبير الحياة الاجتماعية هو مصلحة الأقلية المالكة و الحاكمة، تؤدي قاعدة المجتمع العريضة، أي الطبقات الشعبية، الكلفة. وبقدر تهيكل هذه الطبقات في تنظيمات يتعاظم التضامن، ويكسب الكادحون منظورا للنضال عند حلول كوارث المجتمع الرأسمالي. من زاوية النظر هذه، نلقي ضوءا على الفيضانات التي شهدها شمال المغرب في حوار مع الرفيق أشرف ميمون ، بصفته عضواً في حزب النهج الديمقراطي العمالي وفاعلا في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان – فرع تطوان، متابعاً لما يجري بالمدينة ونواحيها

1 –  إلى أي حد تكشف الفيضانات أن ما حدث لم يكن كارثة طبيعية بقدر ما كان نتيجة لاختيارات اقتصادية وتخطيط مجالي غير عادل راكم الهشاشة داخل المدن، وما الذي يبيّنه ذلك عن أداء الدولة قبل وأثناء الكارثة، وهيمنة منطق التدبير بعد وقوعها وغياب سياسات وقائية حقيقية تحمي الحق في الحياة والسلامة؟

 

بدايةً، أتقدم بجزيل الشكر لجريدة المناضل-ة على تواصلها وإتاحة هذه الفرصة لإجراء هذا الاستجواب، الذي يهدف إلى نقل صورة حقيقية عن حجم الكارثة التي حلّت بمناطق الشمال، آملاً أن يكون هذا الحوار مفيدًا للقراء، وللكادحين والكادحات، ويساهم في تسليط الضوء على معاناة الساكنة المتضررة.

يمكن اليوم اعتبار ما نعيشه تجلّيًا واضحًا، لا يحتاج إلى كثير نقاش، لطبيعة الاختيارات الاقتصادية التبعية للدولة المغربية، والتي تتجسد في سياسات نيوليبرالية تقوم على تركيز الثروة في يد أقلية، مقابل تهميش واسع للأغلبية. فالمتضررون من الفيضانات اليوم، وضحاياها المباشرون، هم عموم الشعب، ولا سيما الطبقات المسحوقة والكادحة، وهو ما يبيّن بوضوح من هم المستفيدون الحقيقيون من السياسات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة.

وعلى مستوى التوزيع المجالي غير العادل، يتضح أن سكان المداشر والقرى والبوادي وهوامش المدن هم الأكثر عرضة للمخاطر. إذ يقطن هؤلاء في محيط الأودية والأنهار، وفي مساكن غير لائقة أقيمت في مناطق يعلم الجميع، بمن فيهم المتخصصون، عدم صلاحيتها للسكن بسبب هشاشة تربتها وقابليتها للانجراف. وقد تجلّى ذلك بوضوح في قرية “اغبالو” بإقليم شفشاون، حيث انهارت مساكن قرية كاملة، وتم تدمير نحو مئة منزل بشكل كامل. ويضاف إلى ذلك التهميش الذي تعانيه مدينة القصر الكبير، إحدى مدن الشمال التاريخية، الواقعة بحوض اللوكوس، ما جعلها تفتقر اليوم إلى الإمكانيات، الطبيعية منها وغير الطبيعية، لمواجهة خطر الفيضانات، وهو ما أظهرته بجلاء الصور ومقاطع الفيديو المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وخلاصة القول، فإن ما راكمته الاختيارات الاقتصادية، إلى جانب التخطيط المجالي المختل، والهشاشة، وسوء التدبير، والانحياز الطبقي الواضح لصالح المالكين وأصحاب الثروة، جعل فقراء الشعب وعموم الكادحين هم من يدفعون كلفة الكوارث وحدهم.

  • من يدفع ثمن هذه الفيضانات؟
    هل تؤكد هذه الكارثة مرة أخرى أن الكلفة تقع أساساً على العمال، وصغار الفلاحين، وسكان الهامش، بينما تظل الاختيارات العمرانية والاقتصادية، وكبار المستفيدين منها، بمنأى عن أي محاسبة فعلية؟

فيما يتعلق بتقييم أداء الدولة، ونحن نعيش على وقع كارثة الفيضانات بالإقليم، سواء من حيث تدبير الأزمة أو من حيث المساهمة في استقبال الوافدين من مدينة القصر الكبير ومناطق أخرى، يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات الجوهرية.
أولًا، يبرز بشكل واضح غياب سياسات وقائية حقيقية بالمنطقة، إذ كان من المفترض على الدولة العمل مسبقًا على توسيع مجاري الأودية والأنهار، وإصلاح وتحديث البنية التحتية، خاصة تلك المرتبطة بتصريف المياه، بهدف الحد من المخاطر المحتملة الناتجة عن التساقطات المطرية الغزيرة. غير أن الدولة، وللأسف، لم تتحرك في هذا الاتجاه، وفضّلت توجيه استثماراتها نحو مشاريع أخرى، من قبيل بناء الملاعب في الرباط ومدن أخرى، في الوقت الذي تُركت فيه البنية التحتية للمدن على حالها منذ سبعينيات القرن الماضي دون أي تجديد يُذكر.

ويُعد هذا الإهمال أحد الأسباب الرئيسية للكوارث التي نشهدها اليوم في القصر الكبير وشفشاون وتطوان. وعليه، يمكن الجزم بغياب شبه تام للإجراءات الاستباقية، وهو ما تجلّى بوضوح خلال عملية إجلاء سكان حي “كويلما” وحي “مكلاتة”، حيث لم يتم التدخل إلا في صبيحة يوم الفيضان، دون أي إعداد مسبق، لا على المستوى النفسي ولا اللوجيستيكي، ودون توفير الإمكانيات الضرورية لإنجاح عملية الإجلاء.

هذا الواقع يؤكد مرة أخرى أن الفئات التي تؤدي ثمن الكوارث الطبيعية هي الشغيلة الزراعية والفئات الهشة والمهمشة التي لا تملك أي وسائل للحماية. فقد عاش سكان مدن تطوان وطنجة وعدد من المناطق الهامشية ليلة الفيضان في حالة من الرعب والحزن الحقيقيين. كما شهدت مدينة تطوان وفيات مأساوية إثر جرف السيول لأسرة مكونة من ستة أفراد، في دليل صارخ على سوء التدبير، وضعف الوقاية، وغياب أجهزة الدولة في عدد من المناطق المتضررة.

حاليًا، يوجد بتطوان ما لا يقل عن 12 دوارًا معزولًا بشكل تام عن العالم بسبب الفيضانات، حيث قُطعت الطرق وتضررت القناطر، وتعيش الساكنة أوضاعًا مأساوية في ظل غياب شبه كامل للدولة. ولم تُقدِم السلطات على اتخاذ أي إجراءات، حتى البسيطة منها، كتوفير المواد الغذائية والأغطية للسكان المتضررين، خاصة في جماعتي “السحرتيين” و”السوق القديم”، اللتين تطلق ساكنتهما نداءات استغاثة دون أن تجد آذانًا صاغية.

إلى جانب ذلك، غمرت المياه مساحات شاسعة من الأراضي الفلاحية، ونفقت مئات من الحيوانات المدجنة، ما فاقم من معاناة الفلاحين الصغار. وقد عبّر فلاحو سهل مارتيل، وكذا مناطق قبيلة “وادراس” و”أخماس”، عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن حجم الخسائر التي تكبدوها، نتيجة غياب أي تحذير مسبق أو مواكبة من الجهات المسؤولة.

بشكل عام، يمكن القول إن الوضع في عدد كبير من القرى يُنذر بكارثة إنسانية حقيقية، حيث تسود أجواء من الخوف والمعاناة، وتنتشر شبه “رائحة موت” نتيجة الدمار الذي لحق بعدد من الدواوير، ودخول المياه إلى أخرى، في ظل غياب أدنى حضور لأجهزة الدولة المعنية بالوقاية، وحماية المواطنين، وتوفير المتابعة والطمأنة والرعاية الضرورية.

  • كيف تجلى التضامن الشعبي إبان الفيضانات؟ في ظل ضعف تعامل الدولة وتخلّيها عن مسؤولياتها الاجتماعية وما هي الأشكال التنظيمية التي يتخذها التضامن الشعبي، وهل من دور لمنظمات النضال ( يسار ، نقابات، جمعيات حقوقية …) ؟

 في مقابل الغياب الواضح لأجهزة الدولة، يبرز حضور قوي وملموس للتضامن الشعبي، خصوصًا في المناطق القروية المتضررة. فقد شهدت هذه المناطق حركية واسعة شارك فيها شباب وجمعيات محلية، تجسدت في مبادرات تطوعية متعددة الأشكال. وفي هذا السياق، أفادني أحد أقاربي بوجود تضامن لافت بين متطوعين من مداشر مختلفة لدعم فلاحي قرية أغبالو، والعمل على توفير الغذاء والمأوى لساكنتها، وهو ما ينطبق كذلك على قرى أخرى من قبيل “الدردارة” و”زينات”.

لقد أثبتت هذه التجربة، مرة أخرى، أن الشعب هو من يحمل الشعب، وأن الشعب هو من ينقذ الشعب، دون مزايدة أو انتظار مقابل. فقرابة 70% من الأشخاص الذين تم إجلاؤهم بمدينة تطوان، أو الوافدين من القصر الكبير، جرى إيواؤهم بفضل مجهودات خالصة نابعة من تضامن الساكنة المحلية، بعيدًا عن أي تدخل فعلي وفعّال لأجهزة الدولة. وفي نهاية المطاف، نحن أمام شكل عميق من التضامن بين أفراد الشعب المغربي الفقير، في مواجهة ضعف صارخ في قدرة الدولة على إطعام وإيواء الفارين من الكارثة.

وفي ظل التحولات المناخية المتسارعة وتزايد مخاطر الفيضانات، يصبح من الضروري التفكير في استعدادات مزدوجة: استعدادات نضالية، وأخرى قائمة على ترسيخ وتعزيز التضامن الشعبي. فالاستعدادات النضالية ترتبط أساسًا بما بعد الفيضانات، حيث إن حجم الخسائر، على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والبنيوية، هائل. كما أن هناك قرى ومداشر بأكملها باتت في حاجة ماسة إلى إعادة الإعمار، وإلى مواكبة حقيقية تضمن كرامة الساكنة المتضررة وحقها في العيش الآمن.

  • في سياق التغير المناخي وتزايد مخاطر الفيضانات بالمغرب، كيف يمكن تصور الاستعداد من منظور حقوقي وطبقي؟ بوجه الخطاب  الدولة وتواصلها الظرفي، ما السبيل لنهوض المنظمات الشعبية (حزبية ونقابية وجمعوية)  بدورها النضالي من أجل سياسات عمومية جذرية تقوم على التخطيط العادل للمجال، والاستثمار العمومي في البنية التحتية، والنضال من أجل مشاركة الساكنة المتضررة في اتخاذ القرار؟

تخوض اليوم الساكنة المتضررة ومعها قوى المجتمع الحي معركة حقيقية للضغط على الدولة من أجل الاعتراف بالمناطق التي اجتاحتها الفيضانات كمناطق منكوبة. فرغم جسامة الخسائر التي عرفتها هذه المناطق، من تهجير للسكان وسقوط ضحايا في الأرواح، لا تزال الدولة ترفض الإقرار بهذا الوضع، في تجاهل صارخ لحجم المأساة الإنسانية والاجتماعية القائمة. ويجب أن يشكل هذا المطلب، في المقام الأول، محور معركة سياسية واضحة تخوضها كل القوى السياسية الديمقراطية، والهيئات الحقوقية، والتنظيمات النقابية المناضلة.

وفي المقام الثاني، تندرج هذه المعركة في إطار أوسع يهدف إلى تعزيز التضامن الشعبي وتنظيمه، وتحويله إلى قوة ضغط نضالية قادرة على فرض مطالب مستقبلية ملموسة، من أجل تحسين أوضاع المتضررين، ومرافقتهم ميدانيًا، والترافع باسمهم قانونيًا وسياسيًا، بما يضمن انتزاع حقوقهم كاملة غير منقوصة.

صحيح أن الفيضانات ظاهرة طبيعية لا جدال فيها، غير أن المسؤولية عن حجم الخسائر الكارثية التي ترتبت عنها تقع، في جزءها الأكبر، على عاتق الدولة، نتيجة اختياراتها السياسية والاقتصادية. وتتمثل مسؤوليتنا، نحن كقوى سياسية مناضلة، في تعبئة الجماهير الشعبية ضد هذه السياسات، ورفع مستوى الوعي الجماعي، حتى تدرك الفئات الشعبية البسيطة، نساءً ورجالًا، أن ما يُقدَّم على أنه “قضاء وقدر” ليس سوى نتيجة مباشرة لاختيارات سياسية واقتصادية واجتماعية لدولة تنتهج سياسات نيوليبرالية قائمة على التقشف، والإجهاز على الحقوق، وتقويض أسس الحماية الاجتماعية.

شارك المقالة

اقرأ أيضا