اليسار المغربي: الأزمة، الحصيلة التاريخية، سبل توحيده (حوار مع الرفيق عبد الغني القباج)
1* مرحبا الرفيق عبد الغني القباج. بداية هل يمكنك أن تعرف نفسك للقارئ- ة؟
الحديث عن من أكون كفرد ليس مهما كتعبير عن الذات… لأن حياتي ارتبطت وترتبط بصيرورة واقع سياسي اجتماعي الذي نشأت فيه و شكلني بتناقضات وبآلام واقع الطبقات الشعبية المغربية التي خابت كل آمالها بحياة ديمقراطية حقيقية تحقق لها فعلا الحرية والكرامة والمساواة وهي آمال لن تتحقق في نظام ما يسمى الديمقراطية الليبرالية المتخلفة وفي اقتصاد الرأسمالية والتبعية..
تَشكل وعيي بالتناقضات الطبقية الاجتماعية حين كنت أصاحب أمي لزيارة خالتي التي تسكن في “كاريان سنطرال” بالدار البيضاء، حي الفئات الاجتماعية الفقيرة والمقهورة والمهدورة التي فُرِضَ عليها الاستلاب والاستغلال والقهر الذي بلوره “استقلال” سنة 1956، “استقلال” شكلي أنتج نظام الاستعمار الجديد والحكم الملكي الفردي كقدر، كما أن كينونتي ارتبطت بمستقبل لم يكن مُقدَّراً سلفاً من قِبَل إله خالق، ولا هو مُحدَّدٌ بالصدفة، بل هو نتاج، بالضرورة، لسياسة حولها النظام السياسي، منذ “استقلال” الاستعمار الجديد، إلى مصير حتمي لإلغاء مواطَنة الإنسان وفرض مكانها إنسان الرَّعِـيَّة التي ليست سوى عبودية مقنعة بمؤسسات “عصرية” مزيفة.
لم أعرف حياة الطفولة في هذا الواقع الذي يلغي إنسانية الإنسان… كنت أقاوم بصمت، وسني حوالي ست سنوات، الاستلابَ والإحساس بالقهر كأطفال الفئات الشعبية في حي عين الشق بالدار البيضاء التي هاجر إليها أبي بحثا عن العمل. أكسبني هذا الواقع نظرة نقدية للواقع الأسري والاجتماعي وعمري لم يتجاوز السادسة… نقد المظاهر الاجتماعية التافهة والسطحية المزيفة للواقع. واكتشفت، كيف قاومت أمي، كأغلب أمهات الفئات الشعبية هذا الواقع. كانت أمي تعمل بألة خياطة وتحول أجزاء الأثواب المقطوعة وفق تصاميم يعطيها لها تاجر ملابس في سوق “لقريعة”، إلى قمصان وفساتين وسراويل ووِزرات مدرسية مقابل دريهمات، وكيف اشتغلت أختي عزيزة (20 سنة)، وأخي ع. الرحمان (17 سنة)، لتوفير متطلبات استمرار الحياة داخل الأسرة بعد الانفصال عن أبي.
مكَّنتني مقاومة أسرتي وتضامنها من تجاوز هذا الواقع الاجتماعي المؤلم التي تعيشه فئات شعبية في الدار البيضاء. سأكتشف في إذاعة موسكو التي كانت تتحدث عن الاتحاد السوفياتي وتنتقد الرأسمالية وتشيد بماركس ولينين، لم أكن أعي دورهما في الثورة والتاريخ. وفي زيارة أسرية للمعرض الدولي في الدار البيضاء سنة 1959، سأكتشف رواق بلد الاتحاد السوفياتي الذي من بين معروضاته المركبة الفضائية “Vostok”. وقفت مندهشا أمام هيكل المركبة وصورها المعروضة في رواق الاتحاد السوفياتي ورائد الفضاء يوري گگارين. وسجل وعيي أن على هذه الأرض بلد متقدم في العالم يسمى الاتحاد السوفياتي.
في أحد الأيام، وأنا في سن العاشرة، اشترى لي أخي ع. الرحمان تريكو أصفر. وأنا في القسم الرابع ابتدائي بعين الشق. كانت فترةَ الانتخابات المحلية سنة 1963. في صباح أحد أيام تلك الفترة رأيت، وأنا ذاهب للمدرسة، على جدران حي عين الشق ملصقات زرقاء للاتحاد الوطني للقوات الشعبية. أُلصِقَتْ لي، ولمخازنية يقتلعونها. ونحن في القسم قام معلم مادة العربية، قصير أنيق في بذلته الزرقاء، بهجوم عليّ لأنني أرتدي تريكو لونه أصفر. لم أفهم لِـمَ هذا الهجوم العدواني وهو يتحدث عن عظمة علال الفاسي “كزعيم استقلال المغرب”. ولما عدت إلى البيت حكيت لأخي ع. الرحمان هجوم المعلم ضدي، فشرح لي أن هذا المعلم من حزب الاستقلال، واللون الأصفر لون حزب “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” في الانتخابات. بدأت أفهم في تصنيف الأحزاب: “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”، “حزب الاستقلال”، وحزب “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية”. وكان خالي محمد، موظف بمستشفى الصوفي يزورنا، وينـتـقـد الوضع في البلاد و”حزب الاستقلال”. سأعرف من بعد أنه عضو في “الاتحاد المغربي للشغل” وفي “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”.
عادت الأسرة إلى مراكش سنة 1962. جرت أحداثٌ شكَّلت وعيي وسلوكي الاجتماعي. في يوم 24 مارس 1965، ثلاث سنوات بعد عودة الأسرة إلى مراكش، حدثت مظاهرة شباب اقتحموا ثانوية المنصور الذهبي حيث كنا في ساحتها في فترة الاستراحة. أخبرنا أحدهم أنهم طلبة وتلاميذ ثانوية “دار البارود” وأنهم يتظاهرون تضامنا مع انتفاضة جماهير شعبية في الدار البيضاء يومي 22 و23 مارس ضد قرار منع التلاميذ البالغين 16 سنة وأكثر من متابعة دراستهم بسلك الثانوي للحصول على البكالوريا، وتحولت الانتفاضة ضد الأوضاع الاجتماعية المزرية وضد القمع السياسي. وواجه النظام السياسي جماهير الانتفاضة بالرصاص وقتل واعتقال مواطنين ومواطنات عُـزَّلٍ. فتم تعليق الدراسة وغادرنا الثانوية.
بداية نوفمبر 1965، اكتشفت صدفة حدث اختطاف المهدي بنبركة في زيارة أمي، وكنت معها، لبيت أسرة من العائلة بدرب تيزگارين بمراكش، وكان رب هذه الأسرة عضوا في مجلس مدينة مراكش عن “حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”. وعلى المائدة في غرفة الضيافة جريدة “الاتحاد الوطني”، في صفحتها الأولى عنوان “اختطاف المهدي بنبركة في قلب باريس”…
قرأت الخبر وحملته لأستاذ العربية الـْحَارِي أسأله عن “المهدي بنبركة”. شرح لي أن المهدي قائد يساري وأكبر معارض للنظام الملكي.. في أحد أيام ربيع 1966، ذهبت، آنذاك، إلي كيوسكات الكتب في ساحة جامع لفنا اشتريت رواية ساهمتُ بها في مكتبة القسم. وصدفة عثرت على كراس المهدي بنبركة تحت عنوان “المجتمع الجديد”. في هذه الفترة، اصْطَحَبَ أخي ع. الرحمان معه كتاب لينين باللغة الفرنسية “تحالف الطبقة العاملة مع الفلاحين” أهداه له السوسيولوجي المناضل بول باسكون. كنت أقرأ كل يوم صفحة أو صفحتين. كنت أجيد قراءة كتب باللغة الفرنسية بالنظر لأنني تعلمت هذه اللغة بداية قسم التحضيري في المدرسة الابتدائية، وفي الإعدادية كان تلقين مواد الرياضيات الفيزياء-الكيمياء والتاريخ والجغرافية والعلوم التجريبية باللغة الفرنسية، وأدمنت على قراءة قصص بالفرنسية مصورة، Blek، Le petit ranger و Zembla.
منذ القمع الدموي لجماهير انتفاضة 23 مارس، تعمقت أزمة النظام السياسي وسادت سلطويته المجتمع والحياة السياسية، فأقام في يونيو 1971 محاكمة سياسية كبرى في مراكش لقادة ومناضلي “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” وأعضاء من “الحزب الشيوعي المغربي”، كما انفجرت تناقضات الطبقة الحاكمة والنظام السياسي في انقلابين فاشلين، يوليوز 71 وغشت 72. وفي نفس الوقت كانت سنة 1972 سنة نضال “النقابة الوطنية للتلاميذ” التي قادت إضراب التلاميذ منذ شهر يناير، و عرف نضال الحركة الماركسية اللينينية دينامية، فـقرر الحسن الثاني إعلان السنة الدراسية “سنة بيضاء”. حين حصلت على شهادة البكالوريا، التحقت مع مجموعة من الرفاق والأصدقاء بكلية الحقوق في الرباط، انخرطت في “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” و بدأ انتمائي لـ”تنظيم ب”. نتوصل مع بعض الرفاق بنشرة “إلى الأمام” التي كانت مشتركة بين “تنظيم ألف” و”تنظيم باء”. لكن حدثت خلافات سياسية ونظرية حول المرحلة السياسية بين التنظيمين، وساد نقاش حول “مهام الحركة الماركسية اللينينية المغربية”. فاحتفظت “منظمة ألف” بنشرة “إلى الأمام” وأصبحت “منظمة إلى الأمام”، في حين تحول “تنظيم باء” إلى “منظمة 23 مارس”.. وبدأت تتعمق دراستي لمؤلفات لماركس ولينين وماو، ودراسة كتب ثورية تنشرها دار ماسبيرو، والمركز الثقافي السوفياتي في الرباط كان مصدرنا لمؤلفات ماركس ولينين واليسار الثوري.
في نوفمبر 1974، أفلتت من حملة الاعتقالات التي تعرضت لها تنظيمات الحركة الماركسية اللينينية “23 مارس”، “إلى الأمام” و”لنخدم الشعب”، نظرا لأنني غادرت الرباط في نهاية سنة 1973 ، بعد أن تم تعييني في أكتوبر أستاذا للفرنسية في ثانوية “قطارة”، القرية العمالية لمناجم إنتاج البيروتيت في ناحية مراكش. ومن الصدف، أنني عوضت الأستاذ المناضل حسن التيجارتي عضو “في منظمة 23 مارس”، الذي تم اعتقاله في شهر أكتوبر 1974.
منذ حملة الاختطافات التي تعرض لها أطر ومناضلو ومناضلات تنظيمات الحركة الماركسية اللينينية بداية من نوفمبر 1974، وطرح النظام السياسي لمسألة الصحراء الغربية، نهجَ أغلب أعضاء قيادة “منظمة 23 مارس” الذين استقروا في باريس، بالتخلي عن الخط السياسي الثوري للمنظمة و بلوروا خطأ سياسيا يمينيا، بعد أن برروا هذا الانحراف بمواقف تمت صياغتها في وثائق “التقرير التوجيهي” سنة 1978، “حول العمل الشرعي: ما هي سمات ومهام فترة الانتقال”، “الوعي الديمقراطي والوعي المتأخر”. فقررنا مجموعة من الرفاق ومساهمة كبيرة من رفاق داخل السجن المركزي بالقنيطرة ضمنهم الرفيق رحال جبيهة وأحمد ر. ورفاق آخرين، في نهاية 1979، استمرار الخط الثوري لـ”تنظيم 23 مارس”. أصدرنا عدة أعداد من نشرة “23 مارس” السرية، أصدرنا ووزعنا بيانات سرية، وكراس حول تقرير المصير في الصحراء الغربية، وخصصنا عددا من نشرة “23 مارس” لانتفاضة يونيو 1981. وتشكلت خلايا التنظيم خصوصا في مراكش والرباط. وساهم عدد من الرفاق في انتفاضة مراكش 1984. وعلى إثر هذه الانتفاضة تم اعتقالي مع مجموعة منهم.
بعد خروجي من السجن، ساهمت سنة 1995، في تأسيس “الحركة من أجل الديمقراطية” وفي يوليوز 2022، في تأسيس وحدة “اليسار الاشتراكي الموحد” وتم انتخابي عضوا في المجلس الوطني، وسنة 2004، انتخبت عضوا في المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد. ساهمت في التحضير لـ”حركة 20 فبراير”. وفي سنة 2015، بعد خلافات نظرية وسياسية طيلة سنة 2014، قدمت استقالتي في ماي 2015 من “الحزب الاشتراكي الموحد”. وقدمت على صفحتي فيسبوك نقدا ذاتيا لانخراطي في تأسيس “الحركة من أجل الديمقراطية” وفي تأسيس “اليسار الاشتراكي الموحد”.
2* نحن على أبواب انتخابات جديدة (2026). انقسم اليسار المغربي بين موقفين متضادين: 1) التغيير يأتي عبر العمل داخل المؤسسات؛ و3) مقاطعة تلك المؤسسات والانتخابات. في رأيك ما حصيلة هذين الموقفين؟ وهل بالإمكان موقف ثالث يجمع بينهما؟
أولا- حول المشاركة في الانتخابات كفرضية للعمل داخل المؤسسات أو مقاطعتها هي والمؤسسات كفرضية للتغيير الديمقراطي:
تبلور موقفي ورأيي في الماضي منذ انتمائي للحركة الماركسية اللينينية، ولا أزال إلى اليوم، تأسيسا على تاريخ صراع طبقي معقد، أكثر عفوية وتشرذم وأقل تنظيما وتوحد، في المغرب، والتناقض الأساسي والمرحلي الاقتصادي والسياسي الاجتماعي والثقافي بين طبقة البرجوازية الكمبرادورية المخزنية وسلطتها السياسية الملكية وبين الطبقات الكادحة، الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وجمهور الكادحين والمحرومين. وبالتالي موقفي هو أن الانتخابات، في نظام ليبرالي متقدم أو متخلف، ليست هي الديمقراطية. والانتخابات في نظام سياسي ومجتمع الديمقراطية الليبرالية، لن تـنـتج سوى “وحوش” سياسية انتهازية تعمل من أجل مصالحها الخاصة، وما عاشته شعوب العالم تاريخيا من ويلات وإبادة ومآسي الاستعمار الأوروبي الغربي المباشر وظهور النازية والفاشية، نعيش تكراره اليوم، بشكل جديد، مع ما تنتجته الرأسمالية والليبرالية و”ديمقراطية” ديكتاتوريتها من تحول الغرب الليبرالي إلى فاشية جديدة يجسدها ما يشهده اليمين الأوروبي من تحول وتحالف مع اليمين المتطرف، ويتجلى ذلك في تطبيع أفكار اليمين المتطرف في أروبا وفي أمريكا مع دونالد ترامب، ومساندتهم لمشروع ولحرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني.
وفي المغرب نعيش في واقع نظام سياسي، يحتكر فيه الملك كل السلط السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية. والديوان الملكي، مختبر القرار السياسي، والإدارة المخزنية يسيطران على جميع القرارات السياسية والاستراتيجية المهمة. ومستشارو الملك أعضاء الديوان الملكي يتوفرون على نفوذ سياسي كبير. واقتصاديا، يشكل مثال الشركة القابضة “المدى”، وهي في مِلـْكِيَّة القصر، قوة اقتصادية بجانب الشركات الفرنسية والإسبانية والأمريكية والأوروبية، والصينية، تسيطر على الاقتصاد المغربي. مثال الشركة القابضة “المدى” تتشكل من ثمانين شركة. أهمها التجاري وفا بنك، وشركة الاتصالات inwi، وشركة مناجم، وشركة ناريفا للطاقات المتجددة، وشركة الإسمنت لافارج هولسيم المغرب، وشركة الصلب سوناسيد، بالإضافة إلى شركة (Optorg) المختصة في بيع السيارات وتوريد المعدات وهي مجموعة صناعية وللتوزيع الكبير، تعمل في المغرب وأفريقيا، تعمل في صناعة معدات البناء (المباني والأشغال العامة والتعدين والغابات)، وهي وكيل لشركة كاتربيلر (Caterpillar)، وتوزيع قطع غيار السيارات، بالإضافة إلى “مرجان” لتوزيع وتجارة المواد الغذائية، 171 نقطة بيع موزعة على 37 مدينة مغربية.
وأصبحت الشركات المغربية والشركات الرأسمالية الأوروبية والأمريكية تشكل مصدرا أساسيا للقرار السياسي والاقتصادي ولرأسمالية المغربي.
وللعلم، فقد بدأتْ سياسة خوصصة أهم المؤسسات الاقتصادية العمومية في بداية من سنة 1993، ضمن سياسة اقتصادية نيوليبرالية (متخلفة) في واقع برجوازية مفترسة.
ونعرف أن النيوليبرالية، أيديولوجية اقتصادية وسياسية، تهدف إلى ضرب دور الدولة في ضبط الاقتصاد، وتفويت السياسة والقرار الاقتصاديين إلى القطاع الخاص، وتفرض خضوع حياة المجتمع لقانون السوق الحر والخوصصة، وإلغاء الإنفاق والمال العام على القطاعات الاجتماعية العمومية (التعليم، الصحة، الشغل…)، وخفض الضرائب على الرأسمال. والنتيجة تعميق اللامساواة الطبقية وتهميش الخدمات الاجتماعية. إنها سياسة تفقير الطبقات الشعبية لإغناء طبقة الأغنياء.
ومثال شكلية المؤسسات السياسية “المنتخبة” يؤكده مشروع “تنموي” قرره واطلقه الملك سُمِّيّ “الحسيمة منارة المتوسط” في أكتوبر 1915، وبعد سنتين انتفض شباب ومواطنو ومواطنات منطقة الحسيمة احتجاجا على سياسة الإقصاء الاجتماعي إثر مقتل الشاب محسن فكري تاجر سمك مطحونا في شاحنة قمامة وفشل هذا المشروع. الحكومة والبرلمان والجماعات المحلية كانت ولا زالت خارج برامج اقتصادية واجتماعية.
والسياسة الاقتصادية السائدة تقرر فيها المؤسسة الملكية، وهي سياسة تخدم مصالح شركات الهولدينغ الملكي “المدى” الشركات الخاصة مغربية وعالمية. وبالتالي، فالنظام الملكي استمر ضامنا، بسلطويته وبأجهزة الأمن والقمع، لاستقرار سياسي يخدم مصالح البرجوازية المغربية الكبيرة والشركات الرأسمالية الفرنسية والأوروبية والأمريكية الكبيرة التي تستوطن في المغرب.
في هذا الوضع السياسي والاقتصادي الانتخابات شكلية وفارغة من أي رهان سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي ديمقراطي حقيقي وأحرى اشتراكي فعلي.
وبالتالي، وفي هذا الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي أتبنى موقفا سياسيا يساريا راديكاليا يقرر أنه من الوهم السياسي الانسياق مع فرضية تحقيق تغيير جوهر سلطوية وطبيعة النظام السياسي الملكي عبر الانتخابات ومن داخل النظام السياسي، إن هذه الفرضية مجرد وهم سياسي. لأن النظام السياسي يرفض ويتناقض مع أي تحول وصيرورة سياسية، عبر الانتخابات ومن داخل مؤسسات النظام السياسي، تحقق ديمقراطية حقيقية تحقق حاجات حياة كريمة للطبقات الشعبية، عمالا وفلاحين فقراء وكل الكادحين والكادحات. وبالتالي فصراع القوى الديمقراطية واليسارية التقدمية من أجل تغيير ديمقراطي صراع سياسي من أجل الوصول إلى السلطة. وكل الأحزاب السياسية المنخرطة في الانتخابات والمؤسسات السياسية لا تصارع من أجل السلطة السياسية.
فالتاريخ علمنا خلال مسار 65 سنة من الصراع السياسي، استحالة تحقيق تغيير نحو ديمقراطية حقيقية عبر العمل داخل المؤسسات لأنه صراع يُغَـيّـِـبُ الصراع من أجل السلطة السياسية. وتجربة حكومة عبد الله إبراهيم اليسارية (4 ديسمبر 1958- 21 مايو 1960)، مرورا بتجربة حكومة “عبد الرحمان اليوسفي” (14 مارس 1998- 9 سبتمبر 2000) ووصولا لانتفاضة “حركة 20 فبراير” التي فرضت تغيير الدستور سنة 2011، مسار سياسي يوضح أن الخط السياسي الإصلاحي ينتهي إلى الاندماج الكامل في مؤسسات نظام سياسي غير ديمقراطي. فالأحزاب السياسية الديمقراطية التقدمية واليسارية هي التي تغيرت، إنه وهم الأحزاب “اليسارية” والديمقراطية التقدمية الإصلاحية الذاعنة والمعارضة المرتبط خطها السياسي بالعمل داخل مؤسسات سياسية (برلمان، جماعات محلية وحكومة). وهي أحزاب اختارت استفادة صفوتها وأطرها المتنفذة من عضوية البرلمان والجماعات المحلية وعائداتهما المالية والاستفادة من رئاسة مراكز عدد من المؤسسات “العمومية”، “المجلس الأعلى للحسابات”، “الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها”، “مجلس المنافسة: ضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية ومحاربة الاحتكار”، “المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي” ، “المجلس الوطني لحقوق الإنسان”، “مؤسسة الوسيط”، “الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري ، “مجلس الجالية المغربية بالخارج”، “المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي”، “المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة”…
وهذه الأحزاب الـ”يسارية” الذاعنة لا تستفيد من دروس تاريخ الصراع السياسي والطبقي و منعطفات الصراع الطبقي والسياسي التي تؤشر على فرضية بداية صيرورة تحول ديمقراطي منشود، كما جرى مع أزمة النظام السياسي طيلة سنوات 1970 مرورا بطرح قضية الصحراء وما سُمّـِيَ بـ”الإجماع الوطني” و”المسلسل الديمقراطي”، وانتفاضات يونيو 1981، يناير 1984، ديسمبر 1990، وفشل إدماج أحزاب المعارضة الذاعنة في مشروع حكومة سنة 1992، وأزمة ما سمي “السكتة القلبية” سنة 1996، وحدث التفجيرات الإرهابية يوم 16 ماي 2003، التي مكنت النظام السياسي من بناء جهاز أمني قوي وتطبيق سياسة أمنية وانغلاقه السياسي الذي أدى إلى مقاطعة المواطنين لانتخابات 2007، وخلق “حزب الاصالة والمعاصرة” من داخل السلطة السياسية لمواجهة أزمة النظام السياسي لإضعاف المعارضات السياسية، إسلاموية ويسارية راديكالية.
ثانيا- حول مقاطعة الانتخابات:
بتحليل بسيط للواقع السياسي والصراع الطبقي (خصوصا الاحتجاجات العفوية للفئات الشعبية و”جيل زد” مؤخرا) يـبـيـن أن أغلبية الشعب تقاطع الانتخابات عفويا، مثلا من ضمن 15.5 مليون ناخب وناخبة، ولم يشارك في التصويت، حسب الأرقام الرسمية، سوى 5 ملايين و700 ألف مواطن ومواطنة، وأكثر من 7 ملايين مغربي البالغين سن 18 سنة وأكثر غير مسجلين في اللوائح الانتخابية. ومن ضمن 25 مليون و226 ألف مواطن ومواطنة بالغين 18 وأكثر لهم حق التصويت حسب إحصائيات “المندوبية السامية للتخطيط” سنة 2021.
والأحزاب المشاركة في جميع انتخابات المغرب لا تفهم علميا الصراع الطبقي على حقيقته، ولا تفهم مظاهر الوعي العفوي لجمهور الطبقات الشعبية والطبقة المتوسطة ومستوى وعيها السياسي كما هو في الواقع. إن اليسار “الإصلاحي” أو الليبرالي لا يطرح مسألة السلطة السياسية كهدف في صراعه السياسي، ويطرح بعض المطالب الدنيا الاقتصادية والاجتماعية مفصولة عن حق الأحزاب في السلطة السياسية. يتعامل هذا اليسار “الإصلاحي”/ الليبرالي في نضاله مع هذه المطالب الدنيا الاقتصادية والاجتماعية كتكـتيك يُمَكّـِـنُه من الالتحام بالجماهير الشعبية. محاولا بذلك تجاوز أزمة مشروعه/برنامجه الديمقراطي “الإصلاحي” المتمثل في “ملكية برلمانية” منذ أكثر من عقدين ونصف. ويستمر في خطه السياسي الذي يمارس الانخراط في السياسة السائدة ومؤسساتها والانتخابات دون أن يحلل علميا الواقع السياسي للإجابة الواضحة عن أسئلة:
– لماذا لا يطرح مسالة السلطة السياسية والقرار السياسي كحق وهدف لأي انتخابات و لأي انخراط في مؤسسات الدولة؟
– لماذا لم يستطع نضاله وممارسته السياسيين تغييرَ ميزان القوى لصالح إصلاح النظام السياسي السائد وتحقيق “ملكية برلمانية؟
– لماذا تقاطع أغلبية المواطنين والمواطنات الانتخابات البرلمانية والجماعية؟ كما جرى خلال انتخابات 2007 التي لم يشارك فيها سوى 37%، إذ من ضمن 15.5 مليون ناخب وناخبة، ولم يشارك في التصويت سوى 5 ملايين و700 ألف مواطن ومواطنة، إضافة إلى أن حوالي 6 ملايين مغربي البالغين سن 18 سنة وأكثر غير مسجلين في اللوائح الانتخابية.. وكما جرى خلال انتخابات نوفمبر 2011، حيث لم يسجل في اللوائح الانتخابية سوى 13 مليون و600 ألف ناخب وناخبة من أصل 25 مليون مواطن ومواطنة لهم حق التصويت، أما نسبة المشاركة لم تتعدَّ 45% رغم أنها جرت في فترة سياسية كانت حدة الصراع السياسي فيها عالية فيها.
ويتضح أن مقاطعة الانتخابات مؤشر رفض أغلبية الشعب المغربي ليس فقط لانتخابات النظام السياسي بل رفضا لطبيعة نظام سياسي لا ديمقراطي. وسيتجسد هذا الرفض في انتفاضة “حركة 20 فبراير” التي وضحت أن النظام السياسي “مهزوز”، ويستمد “قوته” من ضعف وغياب قوة سياسية اجتماعية ديمقراطية راديكالية واعية ومنظمة كشرط موضوعي للتغيير الديمقراطي، ومن عدم تأهيل سياسي ونظري وتنظيمي للقوى الديمقراطية التقدمية واليسارية وعدم توفرها على مشروع ديمقراطي وخط سياسي راديكاليين من أجل تغيير النظام السياسي.
وبالتالي، لا يزال الحكم والنظام السياسي الملكي يرفض أي تحول ديمقراطي سياسي ومجتمعي حقيقي.. وواقع الصراع الطبقي وحدته في كل المنعطفات السياسية: انتفاضات، واحتجاجات شعبية وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، يواجهها النظام السياسي الملكي بالقمع و بخطاب سياسي ظرفي، وبسياسة تدعم، بمشاريع اقتصادية، طبقة البرجوازية الكمبرادورية والرأسمال الإمبريالي، وبتقوية السلطة والأجهزة الأمنية لفرض استقرار هش في البلاد، وبالتالي تحول النظام السياسي إلى نظام سلطوي مغلق وخادم للمصالح السياسية والاقتصادية لبرجوازية كمبرادورية متخلفة وخادم للمصالح السياسية والاقتصادية الاستراتيجية للإمبريالية والصهيونية وللرأسمال الاحتكاري العالمي.
وبالتالي، فالانتخابات ليست سوى استقطاب لنخب الأحزاب السياسية والنقابات والمجتمع، ولتعميق إدماجها في هذا النظام السياسي. فمنذ بداية حكم الملك محمد السادس في نهاية يوليوز 1999، عزز حكمه في المغرب من خلال ترسيخ استراتيجية والده في استقطاب النخب وتناوبها. وبعد عقدين من الاستغلال الاقتصادي، والتراجع التدريجي لقنوات توزيع الريع، وغياب الديمقراطية الحقيقية، فإن استراتيجية الملك هي توطيد السلطة التي بدأت تفقد سيطرتها، بعد تزامن تبني الحكم سياسة نيوليبرالية بلا حدود، مما أتاح فرصًا جديدة للاستقطاب الرأسمالي الاقتصادي، التبعي المحلي والأوروبي والأمريكي والصيني، وتقوية تحالف النظام الملكي مع النخب الاقتصادية والسياسية والثقافية المحلية.
ثاثا- هل بالإمكان موقف ثالث يجمع بينهما؟
إنه سؤال “ما العمل؟” خصوصا بالنسبة للقوى الديمقراطية التقدمية واليسارية الديمقراطية الراديكالية، المستقلة بقرارها والغير مندمجة في سياقات مؤسسات النظام السياسي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
لذلك لا بد من أجل تصور ثوري لنضال اليسار الراديكالي والماركسي:
بداية سأوضح لماذا أستعمل مصطلح “يسار راديكالي”[1] وأطرحه متآلف ومتحالف مرحليا مع يسار ماركسي. اليسار الراديكالي يناضل وفق خط سياسي يتناقض أساسا مع الديمقراطية المزيفة الليبرالية التي تخدم أساسا مصالح البرجوازية والرأسمال وبالتالي يتناقض مع “ديمقراطية” الليبرالية النيوليبرالية ويطرح تحقيق “ديمقراطية حقيقية” وعدالة اجتماعية مناهضة الرأسمالية النيوليبرالية، محاربة الاستعمار والإمبريالية والدفاع عن العدالة المناخية والاجتماعية. يسعى اليسار الراديكالي اليوم إلى استعادة دور الجماهير، ورفض التوجهات النخبوية، ومواجهة هيمنة اليمين، مع تبني المنهج الماركسي لتحليل الواقع دون أن يتبنى الماركسية، لذلك يطرح أهمية الخصوصيات الوطنية الثقافية والاجتماعية في الصراع السياسي بالاعتماد على الجماهير ونقد الحزبية الضيقة والعمل على بناء تحالف مع القوى الماركسية لتحقيق تحسين شروط عيش الطبقة العاملة والفلاحين والمحرومين.
بالنسبة لي، الخط السياسي لتحالف اليسار الراديكالي والماركسي يتمثل في تنظيم طلائع المجتمع الشعبي بروليتاريين وفلاحين فقراء وصغار وكافة المحرومين.
إنه عمل سياسي تنظيمي وتكوين نظري يومي واستراتيجي يعتمد على قيادات محلية واعية (طلائع) ومندمجة في تعبئة القاعدة الشعبية لبناء القوة اجتماعية ديمقراطية راديكالية، لتحقيق أهداف مشتركة عبر برامج وحملات منظمة.
يرتكز هذا النهج على إشراك المواطنين والمواطنات (عمال فلاحين اجراء كادحين..) في الصراع والمساهمة في قيادته مباشرة والتدرب على القيادة في قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية كي يمتلكن ويمتلكوا الوعي وأساليب التنظيم لمواجهة التحديات السياسية، مما يحول نضال هؤلاء المواطنين والمواطنات إلى قوة اجتماعية موحدة وفاعلة ومؤثرة ومُنَظِّــمَة للفئات الشعبية العريضة المتضررة من أوضاع اقتصادية واجتماعية مزرية ومن هدر حرياتهم الفردية والعامة. وفي هذه الصيرورة تتمكن البروليتاريا والفلاحين الفقراء من تحرير أنفسهم بأنفسهم والاندماج داخل هذه الفئات الشعبية وتشكيل قوة اجتماعية منظمة ديمقراطية راديكالية وطنيا، تنخرط في الصراع السياسي الهادف مرحليا لتحقيق ديمقراطية حقيقية، ضمن صيرورة سياسية طويلة للاستيلاء على السلطة وتجاوز الرأسمالية التابعة وفك الارتباط مع الرأسمال العالمي الامبريالي، وبلورة صيرورة تحقيق مجتمع اشتراكي.
هذه الصيرورة تفرض توفر التنظيمات على أطر لها تكوين نظري وسياسي وتنظيمي واع وملم علميا بواقع التشكيلة الاجتماعية الطبقية في المغرب، تاريخها، ثقافتها وواقعها الملموس الراهن وطموحاتها التحررية.
وبالتالي في هذه المرحلة من الصراع السياسي الطبقي، يعمل اليسار الراديكالي على توعية سياسية لجماهير البروليتاريا والفلاحين وتثقيفها انطلاقا من تحليل ملموس للصراع الطبقي بهدف نشر الأفكار الديمقراطية الثورية، والدفاع عن الوعي البروليتاري ضد التعصب والعنصرية لتثقيف الطبقة العاملة بمصالحها الطـبقية.
سياسيا، من الموضوعي أن هذا البرنامج وهذه الصيرورة تفرضان على اليسار الراديكالي التحالف مع القوى السياسية والنقابية الديمقراطية التـقـدمية المستقل خطها السياسي والنقابي وقرارها عن النظام السياسي السائد ضمن برنامج وصيرورة ينميان الوعي الطبقي للطبقات الشعبية، كشرط موضوعي للتغيير والانخراط الواعي في مواجهة الأيديولوجية البرجوازية والمخزنية لتحويل النضالات والاحتجاجات العفوية إلى قوة اجتماعية ديمقراطية راديكالية وحركة وصيرورة طويلة الأمد ومنظمة للاستيلاء على السلطة.
إن نضال اليسار الراديكالي المرحلي وتحالفه مع القوى الديمقراطية التقدمية يتطلب تحديد برنامج سياسي وتنظيمي، أهم محاوره:
– توجيه العمل التنظيمي إلى العمال في جميع مواقع تواجدهم، وعملهم، وفي النقابات، وأحيائهم، وفي قلب نضالهم… وهي مهمة صعبة ومعقدة لكنها ليست مستحيلة إذا تم تكوين أطر هذه المهمة وتوجيه ممارستهم إلى أفراد وشباب الطبقة العاملة الأكثر وعياً سياسياً في جميع أنحاء البلاد، وزرع روح وحدوتهم وممارسة التضامن ووحدة في نضالهم كطبقة اجتماعية تتعرض للاستغلال والاغتراب والحصار والتخويف، وهذه المهمة تتطلب وضع برنامج عمل واضح المهام والأهداف، وثقافة المسئولية والحوار والنقد الذاتي، والنقد لاتخاذ قرارات ديمقراطية، والوعي بأهمية الانضباط المركزي بشكل حازم لها، وبالتالي ضمان وعي ووحدة مصالح تحرر الطبقة العاملة في المغرب.
– بلورة وإنجاز برنامج تنظيمات ذاتية عبر تشكيل مجالس الديمقراطية المباشرة، مجالس لجان وعمالية، لجان مصانع، مجالس في القرى، مجالس المواطنين والمواطنات في الأحياء والمدينة والقرية لبناء قوة اجتماعية ديمقراطية راديكالية وسلطة اجتماعية مضادة. تنبثق عن مجالس الأحياء مجلس المدينة، وينبثق عن مجالس المدن والقرى مجلس وطني وهيئته التنسيقية الوطنية. وعرض ومناقشة التجارب وتدبير وحدتها ومتابعة أساليب تسييرها الذاتي، وبرامجها ونشاطها وفق مصالحها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبرمجة دورات تكوينية في مسائل سياسية واجتماعية واقتصادية واجتماعية.
– ربط نضال العمال والعاملات والقضايا الاجتماعية والحرية والعدالة الاجتماعية وكرامة المواطن-ة بالوعي السياسي وباستراتيجية حق ومهمة الطبقة العاملة باقتحام السلطة السياسية.
– سياسة وقوانين واضحة تؤسس وتضمن حرية التعبير والصحافة والنشر وتحقيق احترام الحريات العامة والفردية وحق الإضراب المرتبط بمصالح المضربين وحقوقهم بدون قيود قانونية.
– النضال ضد غلاء المعيشة وتطبيق السلم المتحرك متوازي مع ارتفاع الأسعار.
– من أجل نظام تعليمي عام عالي الأداء، علمي يهدف إلى تقدم الشعب، وترسيخ ثقافة المساواة والتضامن وحقوق الانسان، وبناء مجتمع المعرفة، وتدريس اللغات الإنجليزية وغيرها وفق حاجات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية.
– من أجل تحقيق قطاع صحي وطبي عمومي مجاني، وتوفير الشغل المنتج للحاجات الضرورية للعيش الكريم، وتعميم دُور وقاعات الثقافة والفنون..
– استقلال الطبقة العاملة، وضمان عدم خضوع الحركة العمالية للبرجوازية أو للدولة.
3* استعمال مؤسسات الدولة البرجوازية أحد ما يفرق اليسار المغربي. كيف يمكن تصنيف اليسار المغربي بناء على تشكيلاته الحالية ؟
أجبت عن الشق الأول من السؤال في تحليلي للسؤال الثاني.. لنكن واضحين الاتحاد الاشتراكي “للقوات الشعبية” و التقدم و”الاشتراكية” تخليا عن مبادئ اليسار والاشتراكية ويمارسان خطا سياسيا براغماتيا ذاعنا، أي خاضعا للنظام السياسي الملكي. والقوانين والمؤسسات السياسية المغربية ترفض ديمقراطية حقيقية وتتناقض مع الاشتراكية. وأضيف لتوضيح أكثر عن أسس وخلفيات ما يفرق مكونات اليسار المغربي:
أولا، أعتقد أن الموقف من تحليل ملموس لطبيعة النظام السياسي وتحليل ملموس للوضع السياسي الراهن وإلى أين يسير الصراع الطبقي السياسي والاجتماعي هو المحدد التعامل مع مؤسسات الدولة. وبما أن “الدولة” المغربية لم تتحول إلى دولة مؤسسات سياسية حقيقية بالنظر إلى استمرار جوهرها التقليدي المخزني، بالنظر إلى أنه منذ أخطاء “الحركة الوطنية الاستقلالية” بانخراطها في تأسيس دولة تقليدية مخزنية كولونيالية، وكما سمتها الحركة الماركسية اللينينية دولة “الاستعمار الجديد”، يصبح الحديث عن “استعمال مؤسسات الدولة البرجوازية” في المغرب مجرد وهم سياسي. وقد وضح تاريخ الصراع السياسي بين يسار الحركة الوطنية المتمثل في آنذاك في “الحركة الاتحادية” و”الحزب الشيوعي المغربي”، قبل اندماجهما في النظام السياسي الكمبرادوري المخزني من بوابة ما سمي “الإجماع الوطني حول الصحراء” سنة 1975، لقد وضح تاريخ هذا الصراعُ استحالةَ تحول نظام الحكم، بالتدريج عبر الانتخابات، إلى ديمقراطية حقيقية.
ثانيا، اليوم، أنظمة الرأسمالية المتقدمة في الولايات المتحدة الأمريكية وأروبا الغربية، حيث يسيطر التيار اليميني المتطرف البرجوازي والرأسمال الاحتكاري العالمي في الولايات المتحدة الأمريكية على السلطة السياسية، وفي نفس الوقت تشهد أوروبا صعوداً ملحوظاً لأحزاب وتيارات اليمين المتطرف، حيث وصلت أحزاب يمينية متطرفة وشعبوية إلى السلطة في إيطاليا، هنغاريا، فنلندا، السويد، وسويسرا، وحققت أحزاب اليمين المتطرف في عدة دول أوروبية صعودا انتخابيا لافتا في فرنسا، ألمانيا، هولاندا، النمسا، اليونان، النرويج. إن هذا الصعود لليمين المتطرف ناتج عن أزمة تطور الرأسمالية وإفلاس “ديمقراطية” النيو-ليبرالية، وفسادها الذي انكشف مع تفجر فضيحة “جيفري أبستين” أخلاقية وجزيرته حيث يتم اغتصاب نساء وفتيات قاصرات من قبل قياديين سياسيين في أمريكا وأوروبا.
ثالثا، في المغرب، أعتبر أن الموقع الطبقي للبروليتاريا وامتلاك نظرية اشتراكية ثورية مناهضة للرأسمالية وخط سياسي ديمقراطي راديكالي مناهض للرأسمالية ولـ”الديمقراطية” الليبرالية هو الذي يحدد انتماء أي حزب أو تنظيم لليسار.
وبالتالي لا بد من الوعي، قبل الحديث عن الذي يفرق مكونات اليسار المغربي، بتحديد من هي هذه مكونات اليسار في المغرب:
- يسار ديمقراطي تقدمي [2] يتعايش مع النظام السياسي الملكي وينخرط في مؤسساته السياسية وانتخاباته ومشاريعه، ولا يطرح بديلا راديكاليا للرأسمالية التبعية وللمِلكية الخاصة وللرأسمالية. ويَعتبر أن هذا النظام وطنيٌّ لأنه يعمل لتحقـيق “مغربية” الصحراء الغربية. وينتقد في خطابه تبعية النظام السياسي، اقتصاديا وسياسيا، للإمبريالية الأوروبية الغربية والأمريكية، ويرفض التطبيع مع الكيان الصهيوني وإقامة علاقات سياسية واقتصادية وأمنية معه. لكن ألا تلغي هذه التبعية للإمبريالية والعلاقات مع الكيان الصهيوني بلا حدود وطنـيـةَ النظام السياسي السائد؟!! ألا يعمق تطبيع العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية تبعية النظام السياسي المغربي للإمبريالية وللصهيونية، إلى حد التفريط في سيادته الوطنية، إن لم يكن فقدانها.
- يسار ديمقراطي راديكالي اشتراكي أو ماركسي يمثله “النهج الديمقراطي العمالي” ماركسي لينيني، و”حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي” الذي يتبنى الاشتراكية العلمية، ومجموعات/تيارات منظمة نسبيا، تتميز بطرحها الفكري وبجرأة سياسية نسبية وبحركية ونضال مناضليها خصوصا في المسيرات والوقفات الاحتجاجية.. مجموعات/تيارات تتبنى التروتسكية كخط نظري وسياسي وتمثله مجموعات “المناضل-ة” و”التحرر الديمقراطي” و”رابطة العمل الشيوعي”، و”البديل الجذري المغربي” ماركسي لينيني، و”التيار الماركسي اللينيني المغربي أنصار الخط البروليتاري”، ومجموعة “البرنامج المرحلي” لها حضور قوي داخل “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” في مواقع جامعية. ينضاف إلى هذه المجموعات والتيارات، شتات مناضلين ومناضلات ماركسيين انتموا تاريخيا أو شباب تشبع، في ما بعد، بالتاريخ النضالي والتنظيمي للحركة الماركسية اللينينية المغربية “23 مارس” و”إلى الأمام” و “لنخدم الشعب”.
4* “أزمة اليسار”، عبارة لازمةٌ لخطاب اليسار المغربي. في نظرك ما سمات هذه الأزمة؟ وما أسبابها؟
5* ما الذي يفسر عدم قدرة اليسار المغربي على التأثير الوازن في النضالات العمالية والشعبية، رغم وجود بعض من تشكيلاته في قيادات إطارات نقابية وحقوقية؟
سأتناول السؤالين الـ4 والـ5 في نفس الوقت لأن أزمة اليسار وأسبابها مرتبطة بالتأثير في النضالات العمالية والشعبية والنقابية.
للتذكير فقط، في علم السياسة الثورية من منظور نظرية ماركس وخطه السياسي ولينين وماو، بلوروا ممارسة سياسية ثورية ارتباطا بواقعهم الطبقي المجتمعي السوسيولوجي والسياسي والاقتصادي والثقافي الملموس، واقع الرأسمالية في بلدانهم وعالميا وبنضال بروليتاريا وبناء تحالفات خصوصا مع جماهير الفلاحين في حزب ثوري قائد للتغيير الثوري، لبناء سلطة جديدة للقضاء على دولة ونظام الرأسمالية والمجتمع الطبقي لتحقيق المجتمع الشيوعي، وهي صيرورة أممية. وحين أطرح تصوري لهذه القضايا، نظرية وسياسية وتنظيمية أطرحها عبر تحليل ملموس لواقع التشكيلة الاجتماعية الطبقية والصراع الطبقي في المغرب مستلهما التجربة النظرية والسياسية والتنظيمية الثورية والممارسة، ومنطلقا منها، لماركس وللينين و لماو. وبالعودة إلى السؤالين أطرح ما يلي:
أولا- أحزاب يسارية لها خط سياسي مؤسس على إمكانية التغيير الديمقراطي من داخل المؤسسات السياسية السائدة (الدستور، انتخابات، برلمان، جماعات محلية، مؤسسات اجتماعية واقتصادية وثقافية وأكاديمية) سواء في النظام السياسي الرأسمالي المتقدم اقتصاديا، أو في نظام رأسمالي متخلف تابع كما هو حاصل في بلدان ما يسمى العالم الثالث، أو بلدان الجنوب، والتي تسمى بلدان الأطراف وفق سمير أمين وأندري گوندر فرانك. وفق مصالح قيادات وأطر هذه الأحزاب.
وفي المغرب عندما تحصل هذه الأحزاب اليسارية الإصلاحية على نتائج هزيلة في الانتخابات تنتقد الأحزاب ما يجري من إفساد العملية الانتخابية وتحكُّم النظام السياسي واستعمال المال. وتنتهي صيرورة اندماج هذه الأحزاب في مؤسسات النظام السياسي إلى إضفاء الشرعية على مصالح الطبقة البرجوازية الريعية رغم انتقادها وتناقض مواقفها مع هذه المصالح. وهو خطاب نقدي لا تأثير له في الصراع الطبقي السياسي وطنيا، كما لا يكون لخطابها النقدي الموجه ضد سيطرة الرأسمال الإمبريالي الاقتصادي والسياسي وضد توسع المشروع السياسي الصهيوني في المغرب تأثير سياسي فعلي ومفعول تعبوي منظم لوعي وممارسة الطبقات الشعبية.
وبالتالي المسار والمصير التاريخي لهذه الأحزاب والتنظيمات اليسارية، التي ننعتها بالإصلاحية، رغم أنها ليست لها جرأة الإصلاح وفرض شروطه في المشاركة، كما يتأكد ذلك في الواقع بتجارب عملها داخل مؤسسات النظام السياسي. والنتيجة هي اندماجها الكامل في النسق السياسي السائد. وبالتالي، يتناقض تصورها وممارستها مع أي تغيير راديكالي للسلطة السياسية. هذا ما وقع للمعارضة اليسارية الاتحادية والتقدم والاشتراكية، وإنه مسار تاريخي تأسس على وهم إمكانية إدخال إصلاحات على نظام سياسي أثبت التاريخ أنه يرفض، منذ الاستقلال الشكلي، أي تغيير في جوهر إيديولوجيته وسلطته وسياسته ومؤسساته التي تعيق أي تحول إصلاحي حقيقي يجسد الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة والمساواة، والتي هي مطالب ليبرالية. وهو مصير أحزاب يسارية تقدمية مثل “الحزب الاشتراكي الموحد”، و”فيدرالية اليسار الديمقراطي”.
إن تحليلا موضوعيا تاريخيا لتجارب اليسار “الإصلاحي” في المغرب، رغم التضحيات التي قدمها مناضلو ومناضلات وأطر هذه الأحزاب منذ بداية الاستقلال الشكلي، يصل إلى خلاصة جوهرية تؤكد أن المؤسسة الملكية وأجهزة سلطتها (وزارة الداخلية والولايات و العمالات وأجهزة الأمن والجيش والمخابرات ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية) تمارس سلطويتها واستبدادها لمواجهة أي نضال سياسي أو أي حراك جماهيري يطالب بتحولها إلى “ملكية برلمانية” ديمقراطية حقيقية، لأن المؤسسة الملكية تُشكل القوة السياسية الطبقية الأهم لطبقة برجوازية ريعية وتابعة وخادمة لمصالح الرأسمالية الامبريالية. وليحمي النظام السياسي السائد في المغرب من تناقضات الوضع السياسي الداخلي والإكراهات والمخاطر الخارجية (تبعيته العمياء لأمريكا وأوروبا)، دخل اليوم هذا النظام السياسي علانية، في علاقات أمنية وعسكرية واقتصادية مع الكيان الصهيوني. وبالتالي، تفقد أحزاب هذا اليسار الديمقراطي الإصلاحي خلال مسار اندماجها في النسق السياسي السائد خطها الديمقراطي الإصلاحي أو الراديكالي الأصلي.
ثانيا- تنظيمات ومجموعات ومناضلين ومناضلات يساريين ديمقراطيين راديكاليين وماركسيين، لهم خط سياسي مرحلي راديكالي متبلور في برنامج لتغيير ديمقراطي حقيقي راديكالي وصيرورة التحول/التغيير الاشتراكي البعيد المدى وفق خطابهم. ومظاهر أزمتهم أنهم في الغالب لا يطرحون علانية ضرورة تغيير طبيعة النظام السياسي وتحقيق نظام سياسي ديمقراطي مؤسس على انتخاب ديمقراطي لكل من يمارس السلطة السياسية ومؤسساتها (النظام السياسي الملكي، الولاة والعمال والقياد والأجهزة الأمنية والمخابراتية…)، التي هي مركز السلطة ومركز القرار السياسي وتنفيذه وليس البرلمان والجماعات المحلية والحكومة والقضاء.
وتنظم هذه الأحزاب ومجموعات ومناضلين ومناضلات يساريين ديمقراطيين راديكاليين وماركسيين، اليوم، نضالات اجتماعية وحقوقية وغيرها، لكن الصراع السياسي والاجتماعي الممارس في الساحة السياسية يوضح أنها نضالات عاجزة، رغم ممارستها لعقود، على استقطاب وتنظيم البروليتاريا والفلاحين وجمهور الشعب المتضرر من أوضاع اجتماعية متدنية ومن الفقر (أكثر من 25٪) والهشاشة الاجتماعية ومن البطالة التي بلغت 23٪ ومن غلاء مهول للمعيشة. هذه الأحزاب والمجموعات والمناضلين والمناضلات اليساريين الجذريين، غير موحَّدين سياسيا حول برنامج سياسي ولا يخططون ولا يبدعون أساليب تواصلية تَوْعَوِيَّةٍ لتحقيق ارتباط منظم بجماهير الشعب الكادح التي تشارك بعفوية في النضال التضامني مع الشعب الفلسطيني أو التي تشارك في الحركات الاجتماعية. وحتى بعض الإطارات، التي توحدهم كـ”الجبهة الاجتماعية” “والنضال النقابي” و”القضية الفلسطينية” و”لجنة إطلاق سراح المعتقلين السياسيين” ومعتقلي الرأي والمدونين والاجتماعيين، لا تتقدم في إنجاز المهام التي طرحتها وتشكلت من أجلها، مع تغييب جذر الأزمة في المغرب في الصراع، وهي أزمة السياسة.
هذه التنظيمات والمجموعات اليسارية والمناضلين والمناضلات اليساريين الجذريين والماركسيين ليست لهم خطة سياسية وبرامج وأساليب وأطر مناضلة متخصصة في تثقيف وتسليح العمال والعاملات الصناعيين والزراعيين وعموم الكادحين بالوعي السياسي الديمقراطي الجذري والثوري والاشتراكي وبضرورة التنظيم الثوري ليحرروا أنفسهم بأنفسهم، لأن الأفكار الثورية والتنظيم حين يمتلكهما العمال والعاملات الصناعيين والزراعيين وعموم الكادحين تصبح قوة اجتماعية تغير ميزان القوى لصالح تغيير راديكالي للنظام السياسي.
ثالثا- هذه تنظيمات والمجموعات اليسارية ومناضلون ومناضلات يساريون ديمقراطيون سواء جذريون وماركسيون لا ينظمون، باختلاف تصوراتهم السياسية، علاقات ديمقراطية وحوار ديمقراطي مستمرين حول قضايا تحرر الطبقات الكادحة سياسيا و إبداع أساليب عمل لبلورة أجوبة موحدة لسؤال “ما العمل؟” لبلورة صيرورة مشتركة تؤسس شروط نظرية وسياسية وتنظيمية لانتقال فعلي إلى وحدة ديمقراطية مبدعة مرتبطة بمهمة الانغراس في واقع ونضال العمال والعاملات الصناعيين والزراعيين وغيرهم من الأجراء والأجيرات الكادحين، لأن هذه الفئات الاجتماعية هي المفترض أن تشكل قاعدة اجتماعية يسارية واشتراكية وقوة اجتماعية منظمة وقادرٌ نضالها على تغيير ميزان القوى لفرض ديمقراطية حقيقية تجسد المصالح الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية لعموم الطبقات والفئات الشعبية.
رابعا- التنظيمات والمجموعات اليسارية ومناضلون ومناضلات اليساريون الديمقراطيون سواء جذريون وماركسيون، بمختلف انتمائهم، للماركسية اللينينية، أو التروتسكية، أو الماوية… إلخ، تشتغل وتناضل داخل نقابات الاتحاد المغربي للشغل، الكنفدرالية الديمقراطية للشغل وهما مركزيتين نقابيتين، خطها النقابي السائد لا يمارس صراعا طبقيا راديكاليا، وخطاب قيادتها النقابي “مأسسة الحوار الاجتماعي” مع الحكومة، أي متعاونة مع البرجوازية الكمبرادورية المخزنية السائدة اقتصاديا في المسالة الاجتماعية. إضافة إلى أن النظام السياسي الملكي له مؤسساته الاجتماعية يمارس نشاطها خارج النقابات والأحزاب اليسارية.
هذه التنظيمات والمجموعات اليسارية ومناضلون ومناضلات اليساريون الديمقراطيون سواء راديكاليون وماركسيون لا يطرحون بوضوح مسألة السلطة السياسية، بالنظر لأنهم لم يتوحدوا حول برنامج سياسي يطرحون فيه هذه المسألة كهدف لنضالهم الديمقراطي الجذري، ولا يبلورون ويمارسون خطة للدعاية لمشروعهم المجتمعي الاشتراكي.
فالمفروض أن صراعنا السياسي والطبقي، نحن كديمقراطيين راديكاليين وماركسيين، ليس مع المؤسسات الشكلية، برلمان حكومة وقضاء، والمسألة الاجتماعية والحقوقية، بل مع طبيعة النظام السياسي البرجوازي الكمبرادوري السلطوي.
وبالتالي، أعتقد، أولا، أننا نكتفي لترجمة خطنا وتصورنا السياسي وبعض برامجنا العملية بأسلوب الوقفات وبالمسيرات الاجتماعية والتضامنية التي تدافع عن الحريات وتطالب بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي حرية التعبير، والتي لا تستقطب قوة جماهيرية، كما أن تأثيرها في المجتمع عفوي وظرفي، وبالتالي، ضعيف بسبب نظام الخوف الذي تزرعه السلطة السياسية في وعي وسلوك الفئات الشعبية طيلة عقود من قمع ومن تجريم النضال السياسي المعارض. وثانيا، من إعاقات تطور النضال الديمقراطي الجماهيري أن اليسار الديمقراطي الجذري والماركسي لا يطرح بوضوح مسألة السلطة السياسية كخط وبرنامج سياسي وممارسة نضالية سياسية، ولا يمارس نقدا سياسيا صارما للخط السياسي ولبرنامج وللممارسة السياسية لأحزاب اليسار الإصلاحي الديمقراطي المُتعايِش مع طبيعة السلطة السياسية و”الملكية التنفيذية” ولتَكَيـُّفِها مع استبداد السلطة.
الخلاصة:
اليسار الديمقراطي الراديكالي والماركسي الحقيقي لا يطرح المشاكل والإشكالات السياسية إلا تلك التي يطرحها الواقع السياسي والصراع الطبقي في المغرب والتي يطرحها التناقض الأساسي الذي يفترض وعيا نقديا صارما والتي يجتهد ويعمل لحلها. فلا يمكن أن نبلور، كتنظيمات ومجموعات يسارية ومناضلين ومناضلات يساريين ديمقراطيين راديكاليون وماركسيين حلولا لمشاكل وإشكالات أزمتنا السياسية والنظرية والتنظيمية فعلا إلا من قلب وجوهر تناقضنا الأساسي مع طبقة البرجوازية الكمبرادورية وسلطتها السائدة ومن قلب وجوهر أزمة ارتباطنا الديمقراطي العضوي الديالكتيكي بالطبقات الكادحة (عمال، عاملات صناعيين، فلاحين، فلاحات كادحين والفئات الدنيا من الأجراء والأجيرات).
إن حل تناقض ارتباطنا بالطبقات الكادحة لن يكون سهلا إذا لم نحقق وحدة وإرادة اليساريين، تنظيمات ومجموعات ومناضلين ومناضلات يساريين راديكاليين وماركسيين لتوعية ولتنظيم الطبقة العاملة والعمال الزراعيين والفلاحين الفقراء والأجراء الكادحين. وأيُّ خطٍ سياسي يساري يتجاهل هذا التناقض مآله إعادة تكرار الأخطاء السياسية وتكرار عوامل الأزمة وتغييب المسألة النظرية ومسألة الخط السياسي، أخطاء أدت إلى فشل كل تجارب الحركة اليسارية الديمقراطية الراديكالية والماركسية بمختلف توجهاتها ومحاولاتها التاريخية في إنجاز مهام وبرامج طرحتها.
6* وحدة اليسار”، شعار يبدو أن الجميع متفق عليه. ما الذي يمنع التقدُّم في تحقيق هذه الوحدة؟ وفي رأيك كيف يمكن ذلك؟
أعتبر أنه من العلمي والقراءة النقدية لتجارب الوحدة التي مارستها مكونات اليسار ديمقراطيين إصلاحيين وراديكاليين إصلاحيين وماركسيين فشلت.. تجربة “اليسار الاشتراكي” واضحة.. وتجربة “فيدرالية اليسار الديمقراطي” بين يسار إصلاحي راديكالي وأحزاب منحدرة من الحركة الاتحادية فشلت هي الأخرى.. لأن هاتين التجربتين لم تتأسسا بناء على وضوح نظري وعلى خط سياسي واضح التناقضات والأهداف. بالنسبة لي قدمتُ موجز نقد ذاتي على صفحتي فيسبوك. وهو كالتالي:
1- فليعذرني اليسار الحقيقي. أنتقده ليكون أقوى وأعمق ارتباطا بشعب الكادحات والكادحين، عمالا وفلاحين وتوعيتهم نظريا وممارسة لتحرير أنفسهم بأنفسهم من سلطوية النظام السياسي ومن أحزابه التي تستلب وعيهم؛
2- لن يتجاوز اليسار الحقيقي أزمته التي طالت ما لم يغادر ضوضاء ديمقراتورجية الكبرادور وأحزابها وينزل إلى مسارب واقع عمال المصانع والمزارع والأجراء الكادحين ليبدع قوة اجتماعية شعبية ثورية؛
3- لن يتجاوز اليسار الحقيقي أزمته ما لم يمارس علنيا نقدا ذاتيا علميا للأسباب النظرية والسياسية والتنظيمية التي أنتجت تشتته وضعفه النظري والسياسي والتنظيمي؛
4- أعترف بموقفي الخاطئ حين انخرطت في تأسيس “الحركة من أجل الديمقراطية” وتأسيس وحدة مكونات يسارية (“الحركة من أجل الديمقراطية” و”المستقلون الديمقراطيون” و”منظمة العمل الديمقراطي الشعبي” و”الفعاليات الديمقراطية”) دون وضوح نظري ودون خط سياسي ديمقراطي ثوري، وسقطنا في وهم تحقيق الديمقراطية في المغرب في ضل استمرار النظام السائد؛
5- من الأخطاء التي ارتكبت هو انسياقي مع موقف وحدة “اليسار الاشتراكي الموحد” و”جمعية الوفاء للديمقراطية”. والنتيجة هي انتصار خط اليسار الليبرالي داخل “الحزب الاشتراكي الموحد”.
هذه محاور لمشروع نقد ذاتي/كتاب حول مكونات يسار تشكلت مساراته منذ بداية التسعينات، والتي انخرطت في دروبها بنوع من “العفوية” والصدق الثوري في واقع يساري ذاتي يحمل عدة أمراض سياسية. وخلصت لكون تحليل يساريينا لواقع المغرب والطرف السياسي والاجتماعي لا يتجاوز الشعور، وبالتالي يغيبون الوعي الطبقي الراديكالي، ويغيبون كون السياسة تعبر عن مصالح طبقية. فالثوري والثورية الماركسيان نقديان بالضرورة لنصوص ماركس ومبدعان من جوهرها نظرية الثورة الديمقراطية الشعبية ديالكتيكيا من الصراع الطبقي الدائر في التشكيلة الاجتماعية الملموسة ومن رؤية تحرر وعي وممارسة البروليتاريا لنفسها وبنفسها.
لذلك، فالوضوح النظري والسياسي الماركسي كما عبر عنه ماركس إنجلز في البيان الشيوعي، أن الأحزاب الأحزاب الراديكالية والعمالية الغير شيوعية، كما في سويسرا آنذاك “مزيج من عناصر متناقضة، فريق منها اشتراكي بالمعنى الفرنسي للكلمة وفريق برجوازي راديكالي برجوازي”.(“البيان الشيوعي” ترجمة العفيف الأخضر- ص 158). ويضيف في فقرة أخرى “وباختصار يدعم الشيوعيون في كل مكان كل حركة ثورية تناضل ضد النظام الاجتماعي والسياسي القائم” (نفس المرجع ص 159). فالأحزاب العمالية الموجودة، الغير شيوعية، كما يطرح ماركس وإنجلز تدافع في نفس الوقت عن مستقبل حركتها..
7* سؤال تقييمي: بعد أكثر من نصف قرن من ظهور اليسار المغربي. ما حصيلته التاريخية؟ وما الآفاق التي تتوقعها ليسار مغربي بالسمات التي ذكرتها أعلاه؟
1- تعني اليسار الماركسي اللينيني، “منظمة 23 مارس” و”إلى الأمام” و”لنخدم الشعب”، أنت تعرف أن “إلى الأمام” انقسمت إلى تيارين: “تيار 30 غشت” وحزب “النهج الديمقراطي العمالي”.. و”منظمة 23 مارس” انقسمت هي كذلك إلى “قيادة وجريدة 23 مارس بباريس” التي تحولت سنة 1983 إلى “منظمة العمل الديمقراطي الشعبي” و”تنظيم يسار 23 مارس”، “والوحدة والنضال” التي اندمجت في مسار تأسيس “حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي” المنشق عن الاتحاد الاشتراكي. إضافة إلى مجوعة كبيرة من الرفاق والرفيقات ظلت خارج هذه التنظيمات. وهناك رفاق ورفيقات التحقوا بحزب خرج من جبة المخزن وهو “الأصالة والمعاصرة”. ورفاق ورفيقات “تابوا”.
2- الحصيلة كما نراها اليوم مؤلمة سياسيا ونظريا وعمليا. لقد قدم اليسار الماركسي اللينيني تاريخيا، منذ نشأته ولا يزال، تضحيات جسيمة، لم تكن بحجم تضحيات الحركة الاتحادية الأصيلة (مجموعة “شيخ العرب” “تيار الفقيه محمد البصري”، والحركة الاتحادية الراديكالية وأطرها الثورية) والحزب الشيوعي المغربي رغم ما آل إليه مع تحوله لـ”حزب التقدم والاشتراكية” كما هو حاله اليوم إلى “صوت سيده”.
ورغم توفر تجارب اليسار الثوري والتقدمي على أطر ومناضلين ومناضلات لهم تكوين نظري وسياسي نقدي عميق ومتجدد وعالي، وتمرسوا وتكونوا في سجون النظام، لكنهم لم يجتهدوا لم يبدعوا تأسيسيا على ما اركموه من ممارسة نظرية وسياسية وتنظيمية.
3- ما العمل؟
لا أدعي امتلاك بديل يبلور أجوبة علمية وثورية لتجاوز أزمة اليسار الراديكالي والماركسي، فأزمتنا وهي أزمة نظرية التغيير الديمقراطي الثوري الراديكالي (راديكالية ماركس)، وأزمة وضوح الخط السياسي الديمقراطي الثوري وبرنامجه المرحلي، وأزمة توحيد تنظيمات ومجموعات يسارية ومناضلين ومناضلات الماركسيين وتجاوز نقدي علمي للانتماءات الخاصة (لينينية، تروتسكية، ماوية…).
وبالتالي، بما أن أزمتنا نظرية وأزمة خط سياسي ثوري وأزمة تنظيم ثوري فإن بلورة البديل لتجاوز الأزمة يفرض بالضرورة عملا منظما وفق برنامج دقيق وتنظيم مناظرات للتناظر والاجتهاد النظري والسياسي والتنظيمي الجماعي، دون اشتراطات ودون تشبث كل طرف بتصوره وبخطه وبـــبـرنامجه السياسي وبشكل وبأسلوب تنظيمه.
وهذا البرنامج ضرورة السياسية لبناء صيرورة الوحدة يجب أن يكون مرتبطا عضويا وديالكتيكيا ببرنامج نضال سياسي موحد في الواقع السياسي الملموس والواقع النقابي الملموس وأساليب عمل مبدعة في التواصل، وإصدار “جريدة الوحدة “.
هذا البديل يبدأ بإنجاز نقد ذاتي جماعي وتقييم يساري ديمقراطي راديكالي ماركسي علمي نظريا وسياسيا وتنظيميا، متجادل مع واقع التشكل الطبقي للتشكيلة الاجتماعية المغربية وتظور الرأسمالية في المغرب، والحركات الاجتماعية العفوية، والمكانة المركزية داخل التشكيلة الاجتماعي للبروليتاريا والفلاحين الفقراء.
وأعتبر أن وحدَها منهج وتحليل ماركس الديالكتيكي وموقفه النقدي الراديكالي من الرأسمالية ونظام ديمقراطيتها الليبرالية،، دون دوغما ودون تفريط، تُمكِّننا من تحليل الواقع الطبقي الملموس لمجتمعنا وللصراع الطبقي كمحرك لتطورنا ونضالنا الثوري.
ومن الضرورة السياسية الثورية تجاوز ظاهرة فصل النضال الاجتماعي عن النضال السياسي الديمقراطي الثوري. إن فصل هذا النضال السياسي عن النضال الاجتماعي، عفويا كان أو منظَّما، يعيق تملك البروليتاريا والفلاحين الفقراء وعموم الكادحين الوعي الثوري واكتساب الوعي السياسي الطبقي، والوعي بضرورة التنظيم وديمقراطية العلاقات الداخلية واتخاذ القرار والالتزام به بصرامة ونقد، وتبلور ممارستنا في سياق ثورة ديمقراطية راديكالية في المرحلة و صيرورة تحولها الطويلة إلى الاشتراكية.
================
[1]- اليسار الراديكالي التيار الراديكالي تيار جمهوري ديمقراطي، اليوم، تيار سياسي ديمقراطي راديكالي مناهض لليبرالية غير متجانس يضم أفرادًا وجماعات موقعه بين اليسار الإصلاحي (الاشتراكية الديمقراطية التي تهدف إلى إصلاح الرأسمالية عبر أنسنتها) واليسار الماركسي الثوري بتنوعه، ويمكن أن يشمل الحزب الأخضر يناضل من أجل إنقاذ البيئة من تدميرها بسبب جشع الرأسمالية. ويناضل من أجل نضاله حقوق الأقليات، والديمقراطية التشاركية، مُوليًا أهمية بالغة للمسألة الديمقراطية. ورغم أن التيار الراديكالي يطرح ضرورة القطيعة مع السياسات النيوليبرالية، لكنه قد يسقط في أخطاء الإصلاحية أو المغامرة كما انتقدها لينين في كتابه “مرض -اليسارية- الطفولي في الشيوعية”.
[2]- يتشكل هذا اليسار التقدمي من حزبي “الحزب الاشتراكي الموحد” و”فيدرالية اليسار الديمقراطي”.
اقرأ أيضا


