اليسار المغربي: حصيلته التاريخية وسمات أزمته (حوار مع الرفيق حسن الصعيب)

رأي, سياسة7 مارس، 2026

1* مرحبا بك الرفيق حسن الصعيب. بداية نود أن تعرف القارئ- ة بنفسك.

مناضل يساري جذري، عشت تجربة الانتماء إلى منظمة إلى الأمام خلال التمانينات من القرن الماضي، ثم تجربة حزب النهج الديمقراطي بعد إطلاق سراح المعتقلين السياسيين سنة 1994، والمساهمة في تأسيس منتدى الحقيقة والانصاف سنة 2001. دخلت تجربة إعلامية بإصدار مجلة “الأفق الديمقراطي” لمدة تجاوزت عقدا من الزمن، والعمل كمحرر في جريدة النهج الديمقراطي حتى المؤتمر الأخير سنة 2022، وألفت عددا من الكتب تتعلق بتقييم تجربة إلى الأمام وبقضايا فكرية وسياسية.

2* اليسار المغربي: هل يمكنك أن تقدِّم توصيفا تحيينيا لليسار المغربي: تشكيلاته؟ الاختلافات التي تخترقه؟

اليسار المغربي بجميع أطيافه، رغم تعدده، ينقسم إلى اتجاهين: اتجاه إصلاحي يناضل من أجل ملكية برلمانية كتصور استراتيجي، واتجاه جذري يراهن على تغيير النظام السياسي كأفق استراتيجي. هناك قواسم مشتركة في ما يتعلق بالمطالب الديمقراطية ذات الطابع المرحلي، و هناك  أيضا  اختلافات استراتيجية حول تدبير قضية الصحراء الغربية، وتحديد مستقبل النضال السياسي بالمغرب وأخرى  تكتيكية تتعلق بالانتخابات والتحالفات، وأساليب العمل السياسي والتنظيمي.

3* بعد أكثر من نصف قرن من ظهور اليسار الجذري بالمغرب، برأيك ما حصيلته التاريخية؟

الحصيلة التاريخية، لا ترقى إلى مستوى نضالاته وتضحياته الجسام من اعتقالات ونفي واستشهاد، ولكن يمكن القول أن وجوده في المشهد السياسي، رغم ضعفه البين هو علامة على صموده  ومقاومته.

4* الكل يتحدث عن أزمة اليسار، خصوصا اليسار الجذري. ما سمات هذه الأزمة؟

تتركز سماتها الأساسية في غياب تصور شامل للتغيير، حيث لا يمتلك نظرية للتغيير، ولا برنامجا قابلا للتنفيذ، بالإضافة إلى معضلة البناء التنظيمي التي لا ترقى إلى مستوى توسيع قاعدته الاجتماعية، والتعبئة الشعبية حول القضايا الراهنة.

5* هل يمكن اختصار هذه الأزمة في الجوانب السياسية والتنظيمية فحسب، أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى أزمة فكرية/ أيديولوجية؟

بالطبع يحتل الجانب الفكري أهمية قصوى في هذه الأزمة، خصوصا أن اليسار له ارتباط ضعيف بالمثقفين والمفكرين، ولا ينتج ثقافة يسارية عميقة بالمجتمع وبالطبقات الأساسية في التغيير.

6* “وحدة اليسار”، أحد الشعارت الذي يتكرر دوما. ما عوائق هذه الوحدة؟ وما السبيل لتجسيدها؟

منذ البدء فشلت شعارات وحدة اليسار، بسبب غياب الأسلوب الديمقراطي في حسم الخلافات، وعدم بلوغ تنظيماته النضج السياسي للتعاطي مع كافة القضايا السياسية الراهنة ، وفقدانه لعرض سياسي يجد صداه الايجابي لذى الجماهير.

7* تتوالى الهبَّات النضالية طيلة العقدين السابقين (حَراك 20 فبراير، حراكات شعبية، ونضالات عمالية، وأخيرا حراك جيل- زد). في رأيك ما الذي يعيق أن يكون لليسار الجذري تأثير فعال في هذه النضالات؟

كما قلت سابقا، يفتقد اليسار إلى منظور شامل للحركات الاجتماعية باعتبارها أحد أدوات الصراع الطبقي، وإلى منظور جديد لمفهوم القيادة السياسية، الذي يتم بناؤه بارتباط مع تطور نضال الجماهير  وأدوات مقاومتها، حيث تكون المكاسب متبادلة بين الطرفين، دون وصاية ودون عفوية قاتلة.

8* اليسار والحركة العمالية: لماذا لم يستطع اليسار الجذري لحدود اللحظة تحقيق اختراق داخل الحركة النقابية المغربية؟

غياب هذا الاختراق مرده عدم استيعاب طبيعة الطور الجديد من الرأسمالية النيوليبرالية، حيث تم تدمير الطابع المادي للإنتاج، وأصبح قطاع الخدمات هو القطاع المسيطر مقارنة بالقطاعين الصناعي والفلاحي، ودخلنا مرحلة ما بعد التنظيم الفوردي، وأصبحت هوية الطبقة العاملة مختلفة عن القرن الماضي، وبالمثل لم تعد أدوار النقابات المساهمة في تطوير الوعي الطبقي، وإنما في الموافقة على عقود “الحماية الاجتماعية” التي لا تهدد المصالح البرجوازية على المدى البعيد.

9* اليسار ومؤسسات الدولة البرجوازية: هل يمكن لليسار استعمال هذه المؤسسات (الانتخابات والبرلمان وغيره من المؤسسات المنتخبة)؟ وكيف سيكون ذلك الاستعمال؟

هذه المسائل ذات طابع تكتيكي محض مرتبطة أساسا بميزان القوى الاجتماعي، فكلما تمكن اليسار من اكتساب قاعدة جماهيرية واسعة، ومن قيادة سياسية ذكية، استطاع الانخراط في هذه المؤسسات شريطة أن تكون واجهة ضمن واجهات الصراع الطبقي.

10*  ماذا يعني اليوم الحديث عن أممية اليسار؟.

الحديث عن أممية اليسار اليوم، يفترض بلورة برامج مناهضة للرأسمالية والإمبريالية والصهيونية، على المستوى الجهوي، بين الدول المغاربية والعربية، وعلى المستوى القاري، في أوروبا والأمريكيتين، وهذه الأممية يمكن أن تتفاعل مع جميع الأطروحات السياسية ذات الطابع الاديولوجي المختلف، شريطة التزامها بالبرنامج الذي يحدد هويتها: النضال العالمي ضد الرأسمالية والإمبريالية والصهيونية ومن أجل البناء الاشتراكي.

11* ما الذي تبقى من المشروع الاشتراكي بعد أكثر من ربع قرن من انهيار المنظومة “الاشتراكية”؟

كان المشروع الاشتراكي دوما يجسد طوبى التحرر الاجتماعي، وقد عشنا إحدى فصوله الأكثر دراماتيكية، بانهيار المنظومة “الإشتراكية”، لكننا اليوم نوجد على أعتاب مرحلة جديدة، إذ أصبحت الرأسمالية معولمة أكثر من أي وقت مضى، وبالتالي فإن الضرورة التاريخية تقتضي المزيد من التشبت بهذه الطوبى الاجتماعية للتحرر من الرأسمالية، ولعل حضورها الوجداني في أفئدة الملايين من أبناء الطبقة العاملة ومن المثقفين الثوريين في جميع بقاع العالم هو المكسب التاريخي الذي يجب تطويره، على أنقاض مخلفات التجربة السابقة، وأعتقد بأن هناك محاولات عديدة واعدة، تجتهد لتجاوز الأخطاء القاتلة في بناء التجربة الإشتراكية السابقة.

شارك المقالة

اقرأ أيضا