قراءة في أطروحة جيوفاني أريغي لن يَهزم أميركا إلا أميركا نفسها!

اقتصاد, مقالات3 أبريل، 2026

علي أموزاي

  • هذه الحرب، على ما يبدو، هي الحرب الوحيدة التي لا تحظى بإجماع غربي، حتى مقارنة بالإبادة الصهونية الأخيرة على غزة. ومن هنا كل تأوهات ترامب عن تخلي أوروبا وحلف الناتو عن أميركا.
  • الحكام الرأسماليون يسعون إلى آليات اقتصادية بحتة لبسط سيطرتهم على الأرض واستغلال السكان، دون أن يتخلوا عن «حاوية القوة» التي تشكلها الدولة من أجل تسهيل تنفيذ هذه المهمة.

هل تشكّل حروب ترامب، التجارية والعسكرية، نهايةَ الهيمنة الأميركية؟ سؤال يتردّد على ألسن عديدة. كتب جوزيف ستيغليتز مقالاً بعنوان «ترامب ونهاية الهيمنة الأميركية»، قال فيه إن سياسات دونالد ترامب المتقلّبة وغير القانونية قلبت «حقبة العولمة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية رأساً على عقب، وأطلقت عملية ستُتوّج بفقدان الولايات المتحدة لمكانتها الرائدة على الصعيد العالمي».1 في حين تحدّث مايكل روبرتس في حوار مع موقع جاكوبين عن «العالم بعد تراجع أميركا»2. وفي التقديم للحوار طرح موقع جاكوبين أسئلة جوهرية: «إلى أي مدى يُعزى هذا الاضطراب إلى زعيم أميركي متقلب؟ وإلى أي مدى هو نتيجة لتحوّلات هيكلية أعمق؟ هل يشير ظهور قوى قادرة على منافسة الولايات المتحدة إلى إمكانية إقامة نظام عالمي أكثر عدلاً؟ أم أن قوة مهيمنة تُستبدل ببساطة بأخرى؟ والأهم من ذلك، ماذا يعني كل هذا بالنسبة إلى حياة العمّال وآفاقهم السياسية؟».

في عام 1994، نشر العالم الاجتماعي والاقتصادي الإيطالي جيوفاني أريغي كتاباً بعنوان «القرن العشرون الطويل، المال والسلطة وأصول عصرنا». يتضمّن هذا الكتاب ما يمكن اعتباره مفاتيح رئيسة لفهم ما يقع حالياً في العالم. بغوصه في «الرأسمالية التاريخية»، يقدِّم أريغي مآلات منظومات هيمنة وتراكم رأسمالي سابقة لمنظومة الهيمنة الأميركية: صعودها وانهيارها. ولا يربط أريغي تلك المسارات بشخوص الحاكمين والواقفين على رأس منظومات الهيمنة تلك، بل بالتغيرات التي تحدث في عمق وهيكل منظومات الهيمنة والتراكم الرأسمالي تلك. وسيجنبنا هذا، بالطبع، تفادي ربط ما يحدث الآن بالمزاج المتقلّب لدونالد ترامب وسلوكه العدائي.

الدورات المنظومية للتراكم

اعتماداً على كتابات فيرديناند بروديل استعمل أريغي مفهوم «الدورات المنظومية للتراكم» بدلاً من «دورات الأسعار»، لأن هذه الأخيرة تغطّي فترات أقصر من الأولى، وبالتالي لا تسمح باستجلاء التغيّرات الكبرى في الرأسمالية التاريخية وتفسير صعود وانهيار منظومات الهيمنة على الرأسمالية العالمية. اعتماداً على بروديل، يرى أريغي أن محرّك الطبقة البرجوازية هو زيادة تدفق النقد إلى أرصدتها، بغض النظر عن قطاع الاستثمار التي تضع فيه نقودها. لكن بغض النظر، هذه محكومة بالفترة المعنية من الدورة المنظومية للتراكم. إن التغير الأساسي، أو نقطة الذروة في هذه الدورة، حسب أريغي، هي تلك «اللحظة التي تحوِّل فيها وكالات البزنس القائدة لتوسع التجارة السابق طاقاتها ومواردها من تجارات السلع إلى تجارات المال».3

قسم أريغي مسار «الرأسمالية التاريخية» إلى أربع دورات تراكم منظومية، وهي المنظومة الجنوية (نسبة إلى مدينة جنوة الإيطالية)، والمنظومة الهولندية، والمنظومة البريطانية، وأخيراً المنظومة الأميركية. تغطّي كل دورة مدة زمنية أطلق عليها أريغي «القرن الطويل»، حيث كل دورة تطيح بسابقتها. ويبدأ كل «قرن طويل»، حسبه، بطور توسع مالي يطيح بمنظومة التراكم والهيمنة السابقة، ويُعلن ولادة منظومة جديدة تنخرط في طور توسع مادي، وتستمر في الهيمنة حتى بداية التوسع المالي التالي، الذي يشكّل إشارة إلى بداية نهاية تلك المنظومة.

توسيع معادلة ماركس (ن- س- ن’) (ن- ن’)

يشير أريغي إلى أن كل دورة تراكم منظومية تشمل بالضرورة طورين متمايزين، أسماهما: طور التوسع المادي وطور التوسع المالي. واعتمد على معادلة ماركس: نقد – سلعة – نقد إضافي (وتُختَصر بـ ن – س – ن’)، التي تشرح دورة رأس المال الذي يتحوّل في مرحلة أولى من شكله النقدي (ن) إلى شكل سلعي (س) يدخل دورة الإنتاج، وفي الأخير ليتخذ شكله النقدي مرة أخرى، ولكن بكمية أكبر من كمية النقد الداخل في بداية الدورة (ن’)، ومع التطور ينتقل الاستثمار من القطاع المادي (السلع والتجارة) إلى القطاع المالي (ن- ن’). وهذا النقد الإضافي (فائض القيمة الذي يشكل أصل كل ربح) هو المحرك الأساسي للاقتصاد الرأسمالي وسلوك الرأسماليين.

وسّع أريغي معادلة ماركس هذه لتتجاوز الدائرة الضيّقة لدورة رأس المال الإفرادي لتشمل مدى تاريخياً أوسع، هو دورات التراكم المنظومية. شرح أريغي الأمر بالشكل التالي: «يمكن تفسير صيغة ماركس العامة لرأس المال (ن-س-ن’) بأنها تصف ليس منطق الاستثمارات الفردية فحسب، بل نمطاً متكرراً من الرأسمالية التاريخية كنظام عالمي، أيضاً… في أطوار التوسع المادي، يحرك رأس المال النقدي كتلة متزايدة من السلع (بما فيها قوة العمل المسلَّعة وهِبات الطبيعة)، وفي أطوار التطور المالي تتحرر كتلة متزايدة من رأس المال النقدي من شكلها السلعي، ويسير التراكم من خلال صفقات مالية (كما في صيغة ماركس المختصَرة ن-ن’). تشكل هاتان الحقبتان أو الطوران معاً دورة تراكم منظومية كاملة (ن-س-ن’)/ (ن- ن’)».4

يسمي أريغي – اعتماداً على بروديل مرة أخرى – الصيغة من معادلة ماركس (ن- س- ن) بـ«طور التوسع المادي»، بينما يسمي الصيغة الثانية بـ«طور التوسع المالي» (ن- ن’). وبالنسبة إليه يبدأ تراجع منظومة التراكم المنظومية لحظةَ الانتقال من الطور الأول إلى الطور الثاني. وقدَّم مثال انسحاب الهولنديين من التجارة ليصبحوا «صيارفة أوروبا»، ليجعل منه «نزوعاً منظومياً عالمياً متكرراً»، يصدق على كل دورات التراكم المنظومية، تشمل أيضاً منظومة التراكم والهيمنة الأميركية.

اعتماداً على هذا النموذج قسّم أريغي تاريخ رأسمالية القرن العشرين الطويل إلى ثلاث أطوار: «(1) التوسع المالي لأواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الذي تم في سياقه تدمير بنى النظام البريطاني القديم وخلق بنى النظام الأميركي الجديد؛ (2) التوسع المادي للخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، الذي تُرجمت في أثنائه سيطرة النظام الأميركي الجديد بتوسع عالمي للتجارة والإنتاج؛ (3) التوسع المالي الراهن، الذي يتم في سياقه بشكل مفترض تدمير بنى النظام الأميركي القديم الآن وخلق بنى نظام جديد».5

حسب أريغي ينطبق الطور الأول (التوسع المادي الأميركي) مع ما أُطلق عليه السنوات الثلاثين المجيدة، التي امتدت من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى منتصف سبعينيات القرن العشرين، مع السياسات الكينزية – الفوردية، بينما يطبق الطور الثاني (التوسع المالي الأميركي) مع حقبة العولمة النيوليبرالية، التي ابتدأت في نهاية السبعينيات.

إن فقدان القاعدة الصناعية الأميركية هو تعبير عن انسحاب الرأسمالي الأميركي مما أسماه أريغي (وبروديل) من ميدان التجارة والإنتاج ليصبح «صيرفي العالم». والتوسع المالي يخدم مصالح المصارف (الرأسمال المالي) بقدر ما يخنق الإنتاج المادي، أو بتعبير مايكل روبرتس: «وول ستريت تزدهر بينما مين ستريت تعاني».6

الأزمة الإشارية والأزمة الختامية

حسب أريغي يتضمّن الطور الثاني (طور التوسع المالي) أزمتين، سمّى الأولى الأزمةَ الإشارية، بينما أطلق على الثانية الأزمةَ الختامية. يُطلق أريغي الأزمة الإشارية على على بداية كل طور توسع مالي في إطار منظومة التراكم والهيمنة القائمة: «سندعو بداية كل توسع مالي، وبالتالي كل قرن طويل، بالأزمة الإشارية لنظام التراكم السائد. في هذا الوقت تبدأ القوة الفاعلة القائدة لسيرورات التراكم المنظومية بتحويل رأسمالها بكميات متزايدة من التجارة والإنتاج إلى الوساطة والمضاربة الماليتين. إن التحويل هو تعبير عن أزمة بمعنى أنه يشكل علامة على نقطة تحوُّل، زمن قرار حاسم، عندما تكشف القوة الفاعلة القائدة للسيرورات المنظومية للتراكم الرأسمالي، من خلال التحول، حكماً سالباً على إمكانية الاستمرار في التربح من إعادة استثمار فائض رأس المال في التوسع المادي لاقتصاد العالم، بالإضافة إلى حكم موجب على إمكانية التمديد في الزمن والمكان لقيادته/سيطرته من خلال تحصص أكبر في المالية العالية».7 وحتى في لحظة التحول هذه، أي لحظة الأزمة الإشارية قد تعيش القوة الفاعلة القائدة للسيرورات المنظومية للتراكم الرأسمالي لحظة رائعة من الثروة والقوة المتجددتين لأجل محفزيه ومنظميه،8 لحظة رائعة تتوسط الأزمة الإشارية والأزمة الختامية.

يحدّد أريغي لحظة التحوّل، أو الأزمة الإشارية، في منظومة الهيمنة الأميركية في أواخر ستينيات وبداية سبعينيات القرن العشرين، حيث أصبح التوسع المالي «غير قابل للإيقاف» حسب أريغي. ومرة أخرى يؤكد أريغي أن هذا التوسع المالي ليس بالشيء الجديد في مسار «الرأسمالية التاريخية»، إذ طبع دورات التراكم المنظومية السابقة عن الدورة الأميركية. وكانت الأزمة الإشارية في المنظومة الأميركية مترابطة ترابطاً وثيقاً: «عسكرياً، دخل الجيش الأميركي في مشكلات أكثر خطورة في فيتنام؛ مالياً، وجد الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أن من الصعب ثم من المستحيل الحفاظ على نمط الإنتاج وضبط النقد العالمي الذي جرى تأسيسهما في بريتون وودز؛ وأيديولوجيا، بدأت حرب الولايات المتحدة ضد الشيوعية تفقد الشرعية في الداخل وفي الخارج. لقد تدهورت الأزمة بسرعة، وفي عام 1973 كانت الحكومة الأميركية قد تقهقرت على كل الجبهات».9

نتج عن الأزمة الإشارية في المنظومة الأميركية، حسب أريغي، إهمالُ الأخيرة للوظائف الحكومية العالمية التي تقلَّدتها بعد الحرب العالمية الثانية. وكان القرار هو «إن العالم، بما أنه لم يعد محكوماً من قِبلها [أميركا]، ينبغي أن يُترك ليحكم نفسه. فكانت النتيجة مزيداً من زعزعة استقرار ما تبقى من النظام العالمي ما بعد الحرب وهبوطاً منحدراً لقوة الولايات المتحدة وهيبتها عبر الثورة الإيرانية وأزمة الرهائن عام 1980».10 إن ما يعيشه العالم حالياً من زعزعة استقرار وحروب تجارية وعسكرية ليست سوى امتداداً لذلك القرار الذي حفزَّ على اتخاذه حلولُ لحظةِ الأزمة الإشارية في منظومة الهيمنة الأميركية.

أما «اللحظة الرائعة» فتمثلت، حسب أريغي، في التي تلت الأزمة الإشارية الأميركية، وكانت قصيرة جداً: «إن العصر الجميل للنظام الأميركي، عصر ريغان، جاء ومضى، أسرع منه في ظل أي نظام سابق، كونه قد عمَّق أكثر ما حلّ التناقضات التي تكمن تحت الأزمة الإشارية السابقة». 11 فهذه اللحظات الرائعة في دورات التراكم المنظومية، حسب أريغي، «لم تكن أبداً التعبير عن حل دائم للأزمة المنظومية الأساسية. على العكس من ذلك، لقد كانت على الدوام التمهيد إلى تعمق الأزمة وإلى الإطاحة النهائية بالنظام السائد للتراكم من قبل نظام جديد»12. وتهيئ اللحظات الرائعة شروط اندلاع الأزمات الختامية في دورات التراكم المنظومية.

يسمّي أريغي الأزمة الختامية «الحدث، أو سلسلة الأحداث، التي تؤدي إلى الإطاحة النهائية» بمنظومة الهيمنة والتراكم السائدة، ويعتبرها «علامة على نهاية القرن الطويل الذي يشمل الصعود والتوسع التام لذلك النظام وزواله». وحسبه فإن «المشروع المحافظ الجديد من أجل قرن أميركي جديد قد أدى من أجل كل الأغراض العملية إلى الأزمة الختامية للهيمنة الأميركية-أي تحولها إلى مجرد سيطرة».13 مضيفاً: «هكذا حتى قبل الانهيار المالي عام 2008، فسرتُ انفجار فقاعة «الاقتصاد الجديد» في 2002- 2001، مجتمِعة مع فشل الرد المحافظ على 11 سبتمبر/أيلول [2001]، بوصفه علامة على الأزمة الختامية للهيمنة الأميركية».14

ما يثير الانتباه في تحليل أريغي هو تقلص المساحة الزمنية التي يغطيها القرن الطويل. فقد «انتقل رأس المال البريطاني نحو التخصص في المضاربة والوساطة الماليتين، إلى حد بعيد بقدر ما كان رأس المال الهولندي قد فعل قبل 130 عاما وما فعله رأس المال الجنوي قبل 310 أعوام، وما سيفعله رأس المال الأميركي بعد 100 عام»… وبهذا يمكن أن نصف «القرن العشرين الطويل» لأريغي، بـ«القرن العشرين الوجيز»، كما أطلق عليه إريك هوبسباوم في رباعيته المشهورة.

من الهيمنة إلى السيطرة

ورد أعلاه، في اقتباس لأريغي: «الأزمة الختامية للهيمنة الأميركية، أي تحولها إلى مجرد سيطرة». اعتماداً على غرامشي، طوَّر أريغي (ودافيد هارفي أيضا)، مفهومي غرامشي عن الهيمنة والسيطرة، ليشملا النطاق العالمي. حسب أريغي: «يشير مفهوم الهيمنة العالمية الذي تم تبنيه هنا، إلى قدرة الدولة على ممارسة وظيفتي القيادة والحُكم على منظومة من الدول [ذات] السيادة. في المبدأ، قد تشمل هذه القدرة مجرد الإدارة العادية لمثل هذه المنظومة كما أنشئت في زمن مفترَض».15

يشير أريغي إلى «الهيمنة» مرادف لـ«القيادة»: فـ«الدولة المسيطرة تمارس الوظيفة الهيمنية إذا قادت منظومة الدول في اتجاه مرغوب، وبفعلها ذلك، تصوَّر على أنها ترعى المصلحة العامة. إن هذا النوع من القيادة هو الذي يجعل الدولة المسيطرة مهيمنة».16 وقد أشار أريغي إلى أن «الهيمنة» قد تحولت إلى «مجرد سيطرة»، مترادفاً مع قوله إن الفئات الحاكمة في أميركا قررت أن العالم، بما أنه لم يعد محكوماً من قِبلها، ينبغي أن يُترك ليحكم نفسه، وما نتج عن ذلك من نزع استقرار مزمن.

كانت هيمنة أميركا محطّ إجماع العالم الرأسمالي (الإمبريالي) عندما كانت تزعم (وتفعل) أنها حامية هذا العالم من الخطر الشيوعي والعالم ثالثي، وراعية القانون الدولي والمؤسسات الدولية الضابطة للسلم الدولي والاقتصادي العالمي. وكانت أوروبا راضية بموقع الشريك الأصغر للولايات المتحدة، ما دامت هذه الأخيرة «تقود منظومة الدول في اتجاه مرغوب» و«ترعى المصلحة العامة». أوضح مايكل روبرتس هذا التحول من الهيمنة إلى السيطرة بقول: «فترامب لا يكتفي بفرض الرسوم الجمركية فحسب، بل يعمل على تغيير الشروط التي تمارس الولايات المتحدة بموجبها دورها كقوة مهيمنة عالمية. إنه يسعى إلى التخلص من أعباء والتزامات القيادة المهيمنة واستبدالها بنظام من الهيمنة الصريحة. ولكنه، بفعلته هذه، قد كثف عملية كانت جارية بالفعل: التراجع النسبي للهيمنة الأميركية، التي تتآكل أسسها الاقتصادية منذ بعض الوقت».17

لكن تقصّف المعسكر الإمبريالي منذ بداية الألفية (رفض دعم غزو العراق سنة 2003)، وتعمق حالياً مع الحرب الأخيرة على إيران، وقبلها الحرب التجارية (الرسوم الجمركية) التي شنها ترامب على خصومه (الصين) ومن يُعتبرون حلفاءه (الاتحاد الأوروبي). وليس هذا سلوكاً «غير عقلاني» صادر عن رئيس ذو مزاج متقلب، فالتخلي عن «العولمة النيوليبرالية»، حسب مايكل روبرتس تعبير عن «محاولة يائسة لوقف تراجع أميركا. وقد أدى ذلك إلى قطع الأرجل من تحت أقدام شركاء واشنطن الصغار وترك الاتحاد الأوروبي في حالة من التخبط». 18 هذا ما يفسر العدوانية الشرسة لترامب (ولنقل الطبقات الحاكمة في أميركا) تجاه الاتحاد الأوروبي، عدوانية شملت إعلانه الصريح رغبته في ضم جزيرة غرينلاند، حرباً أو شراءً.

بناء على هذا، يمكن تفسير مأزق إدارة ترامب الأخيرة مع العدوان على إيران. فهذه الحرب، على ما يبدو، هي الحرب الوحيدة التي لا تحظى بإجماع غربي، حتى مقارنة بالإبادة الصهونية الأخيرة على غزة. ومن هنا كل تأوهات ترامب عن تخلي أوروبا وحلف الناتو عن أميركا. فالحرب على إيران ليست موجَّهة لـ«قيادة منظومة الدول في اتجاه مرغوب» و«ترعى المصلحة» العامة للدول الغربية.

ثنائية منظومة الدول-القومية ومنظومة رأسمالية عالمية

في كتابه «القرن العشرون الطويل»، أشار أريغي إلى ثنائية الدول/الرأسمالية العالمية. وسمّى الأولى (الدول/الحكام السياسيون) بـ«حاويات القوة» التي يستعملها الحكام الرأسماليون من أجل زيادة تراكم ثروتهم (رأسمالهم). وعبر تتبعه لمسار «الرأسمالية التاريخية»، أكد أريغي أن التناقض بين «المنطق الإقليمي» و«المنطق الرأسمالي» هو أحد محددات تشكُّل منظومات الهيمنة وتواتر دورات التراكم المنظومية. بالنسبة إلى الدولة (الحكام السياسيون) فإن «صنع الحرب من أجل السيطرة على الأرض والسكان» هو الهدف الأساسي، أما الحكام الرأسماليون فإنهم يسعون بدورهم إلى آليات اقتصادية بحتة لبسط سيطرتهم على الأرض واستغلال السكان، دون أن يتخلوا عن «حاوية القوة» التي تشكلها الدولة من أجل تسهيل تنفيذ هذه المهمة.

ويكشف أريغي التناقض بين الرأسمالية والإقليمية على الشكل التالي: «إن الرأسمالية والإقليمية كما تُعرَّفان هنا، تمثلان استراتيجيتين بديلتين لتشكيل الدولة. في الاستراتيجية الإقليمية تكون السيطرة على الأرض والسكان هي الهدف، والسيطرة على رأس المال المتنقل هي الوسيلة، لصنع الدولة وصنع الحرب. في الاستراتيجية الرأسمالية، تكون العلاقة بين الغايات والوسائل مقلوبة رأساً على عقب: السيطرة على رأس المال المتنقل هي الهدف، والسيطرة على الأرض والسكان هي الوسيلة».19

يتصادم هذان الوجهان بسبب أن رأس المال بطبيعته يسعى دوماً إلى تجاوز الحدود القومية التي ترسمها «حاوية القوة» التي تشكلها الدولة القومية. مع طور التوسع المالي ضمن دورة التراكم المنظومية الأميركية «تغيَّر دور الدولة والعلاقة بين الرساميل الإمبريالية والمجالات الترابية. فما عدا استثناءات، لم تعد الدولة شريك إشراف على مشاريع اقتصادية كبيرة أو تطوير بنيات تحتية اجتماعية (صحة، تعليم…). وإن كانت تواصِل دعمَ شركاتها متعددة الاستيطان، فإن هذه الأخيرة لا تشعر (بالنظر إلى قوتها وتدويلها) بتبعية إزاء بلدانها الأصلية كما في السابق: باتت العلاقة لامتساوقة أكثر من أي وقت مضى».20

ومن هنا الصراع بين ترامب (حرب الجمركية) وأقسام من الرأسمال الأميركي التي نعتت تعريفات ترامب الجمركية بـ«أغبى حرب تجارية في التاريخ».21 لكن لا يمكن تفسير ما يقوم به ترامب (وإدارته) بـ«الغباء البشري وحده، دون ربط مع ما أسماه مايكل روبرتس محاولة يائسة لوقف تراجع أميركا». فالحروب، تجارية كانت أو عسكرية، هي الوسيلة الوحيدة التي بقيت في يد أميركا من أجل إعادة تنظيم العالم بما يحفظ سيطرتها. إنه «رد فعل على فقدان الولايات المتحدة لهيمنتها، لا سيما الاقتصادية، وعلى الأزمة العالمية التي يمر بها النظام. تعود هذه الأزمة أساساً إلى عدم القدرة على زيادة معدلات الربح والتراكم بعد صدمات عامي 2008 و2020. تريد الشركات التكنولوجية الكبرى، شأنها شأن ترامب، الاستيلاء على المواد الخام، فالنهب والسلب هما أقصر طريق إلى المزيد من الأرباح. إنها إمبريالية نيو استعمارية ومصادِرة».22

حدود تحليل أريغي: الصين

في ملحق الطبعة الثانية لكتاب «القرن العشرون الطويل»، المكتوب في آذار/مارس 2008، أشار أريغي إلى أن أزمة 2008 العالمية أكدت أطروحة كتابه الصادر عام 1994، وهو ما لا يسَعُ المرءَ إلا الاتفاق معه عليه.

لكن النقطة الجديدة في تحليل أريغي هو بزوغ الصين. وقد كتب في الملحق ما يلي: «عندما كتبت الطبعة الأولى من هذا الكتاب لم أكن مدركاً تماماً لمدى ومقتضيات انبعاث الصين في مركز الاقتصاد السياسي الشرق آسيوي. لقد تحققتُ من أن الانبعاث قلّص، من دون أن يلغي، تفرع القوة العسكرية (الأميركية) والقوة المالية (الشرق آسيوية)».23

وقد ميّز أريغي صعود الصين عن صعود القوى الشرق- آسيوية الأخرى بكون توسع الصين الاقتصادي «هو أكثر تدميراً للتراتبية العالمية للثروة من كل المعجزات الاقتصادية الشرق آسيوية السابقة مجتمعة».24 لكن يبدو أن أريغي ينظر إلى صعود الصين نظرة مثالية، أو على الأقل أمثل الحلول: «كما جادلتُ في كتاب آدم سميث في بكين فقد ظهرت الصين كبديل معقول بشكل متزايد للقيادة الأميركية في منطقة شرق آسيا وما بعدها. وفي حين غرقت الولايات المتحدة في مستنقع العراق، استمرت الصين تنمو بإيقاع متسارع، مكتسبة احتياطات مالية وأصدقاء في كل أنحاء العالم بالسرعة التي كانت الولايات المتحدة تخسرهم بها».25 وهنا يتعثر تحليل أريغي، فلماذا يستثنى الصين من قانون دورات التراكم المنظومية التي قام عليها كتابه كله. ألا يشكل طور التوسع المادي التي تعيشه الصين سوى طور سيليه طور توسع مالي، قد يشكل بدوره أزمة إشارية في منظومة التراكم الصيني؟

لمايكل روبرتس وجهة نظر مناقضة تماماً، ونتفق معها، حول أن الصين لا تشكل بديلاً تقدمياً لمنظومة الهيمنة/السيطرة الأميركية. إذ يرفض أن تكون الصين (ودول البريكس)، أو ما يُطلَق عليه مشروع «تعددية قطبية القرن الحادي والعشرين»، بديلاً مرغوباً: «هذه ليست حكومات تدافع عن الأممية أو عن ديمقراطية العمال. داخل هذه البلدان، لا يوجد مجال للمناورة، كما قلت. المطلوب هو إزالة هذه الأنظمة من قبل حركات العمال لإقامة ديمقراطيات اشتراكية حقيقية تقود التغيير الدولي»، شارحاً أن من الوهم الإيمان بأن تشكل هذه القوى «قوة دافعة للأممية، أو أنها ستنجح في الحد من عدم المساواة والفقر على الصعيد العالمي، أو أنها ستوقف الاحترار المناخي والكارثة البيئية الوشيكة. نحن بحاجة إلى تحالف دولي للحكومات الاشتراكية من أجل ذلك. إذا وصلت حكومة اشتراكية إلى السلطة في اقتصاد كبير، فسوف يفتح ذلك المجال أمام دول أخرى لمقاومة الإمبريالية. يمكن لحكومة اشتراكية أن تعمل مع دول خارج سيطرة الولايات المتحدة، مثل فنزويلا أو كوبا، التي لديها اليوم خيارات محدودة للغاية. لكن الأهم من ذلك، أنها ستلهم أيضاً الحركة من أجل إقامة حكومات اشتراكية ديمقراطية في جميع أنحاء العالم».26

لن يهزم أميركا إلا أميركا نفسها

كتاب «القرن العشرين» خالٍ تماماً من تحليل الصراع الطبقي، وليس هذا لأن أريغي يغفل ذلك، ولكن الأغراض المنهجية فرضت عليه ذلك الإغفال: «لكن لضيقِ البؤرة [بؤرة التحليل] تكاليف باهظة. فالصراع الطبقي واستقطاب الاقتصاد العالمي في موضعين مركزي ومحيطي – اللذان لعبا كلاهما دوراً بارزاً في تصوري الأصلي للقرن العشرين – قد سقطا سقوطاً شبه كامل من الصورة… إن قراءً كثيرين سيرتبكون أو يُصدمون بهذه الإغفالات وغيرها. كل ما يمكنني قوله هو أن التصوّر المقدّم هنا ليس سوى واحد من بعض روايات للقرن العشرين الطويل، صحيحة بالقدر نفسه، وإن كانت غير وثيقة الصلة بالموضوع نفسه بالضرورة. لقد قدمتُ في أمكنة أخرى تفسيراً للقرن العشرين الطويل يركز على الصراع الطبقي وعلاقات المركز-المحيط».27

قدَّمنا هذا التوضيح، كي لا يُفهَم من تحليل أريغي أن نشوء عالم بديل خال من الهيمنة والسيطرة هو نتيجة حتمية اقتصادية لانتقال محض من طور التوسع المادي إلى طور التوسع المالي، وما يصاحبه من أزمتين «الإشارية والختامية». فهزيمة منظومة هيمنة عالمية يحتاج إلى قوة سياسية داخلية تفاقم أفعال وتأثيرات القوى الخارجية (مقاومة عالمية، حروب تحرر وطني… إلخ).

إن سقوط منظومة الهيمنة الأميركية مسّجل في الخبر الوراثي لكل دورة تراكم منظومية، كما كان الشأن مع الدورات الأربع السابقة (الجنوية والهولندية والإنكليزية). ولكن إذا كان لسقوط تلك المنظومات أكلاف اجتماعية وبشرية واقتصادية باهظة، فإن المهمة تقتضي أن يكون إسقاط دورة التراكم المنظومية الأميركية أقل كلفة، لسبب جوهري هو أن قوة هذه الأخيرة أكثر عظمة وأقوى على التدمير من أي منظومة سابقة لها، متضافرة مع الأزمة البيئية العالمية، ما لا يسمح بتكرار (عود أبدي) يتيح صعود دورة تراكم منظومية جديدة (صينية كانت أو «بريكسية»).

«لن يهزم أميركا إلا أميركا نفسها» يعني هنا دخول الشعب الأميركي إلى ساحة القتال ضد دولته وحكومته ورأسمالييه. وقد بيَّنت تظاهرات طلاب الجامعات ضد الإبادة الجماعية في غزة ونضالات سكان مينيابوليس ضد شرطة إدارة الهجرة وملايين المتظاهرين الذي اجتاحوا أنحاء الولايات المتحدة يوم 28 آذار/مارس 2026 تحت شعار «لا ملوك»، أن خزان القتال الشعبي الأميركي يحتوي على كمون هائل. إن هزيمة داخلية لترامب (ومجمل الطبقة السائدة) ذو أهمية تاريخية كبرى أهم بكثير من أي هزيمة عسكرية خارجية، وإن كانت هذه الأخيرة قد تُسهل الأولى. إذا تضافر هذا الخزان الشعبي الداخلي مع المقاومات الشعبية والعمالية والفلاّحية والنسوية والقومية على الصعيد العالمي، سيتيح تحقيق ما أسماه مايكل روبرتس «تحالف دولي للحكومات الاشتراكية من أجل ذلك. إذا وصلت حكومة اشتراكية إلى السلطة في اقتصاد كبير، فسوف يفتح ذلك المجال أمام دول أخرى لمقاومة الإمبريالية».

Joseph E. Stiglitz (15-12-2025), “Trump and the End of American Hegemony”, https://www.project-syndicate.org/magazine/trump-end-of-american-hegemony-by-joseph-e-stiglitz-2025-12.

Interview with Michael Roberts (20-10-2025), “The World After American Decline”, https://jacobin.com/2025/10/hegemony-decline-trump-eu-china-brics.

اللحظة التي تحوِّل فيها وكالات البزنس القائدة لتوسع التجارة السابق طاقاتها ومواردها من تجارات السلع إلى تجارات المال، ص 138.

أريغي…، ص 21.

أريغي…، ص 7.

Interview with Michael Roberts (20-10-2025), “The World After American Decline”, https://jacobin.com/2025/10/hegemony-decline-trump-eu-china-brics.

أريغي… ص 331.

أريغي… ص 331.

أريغي… 457- 458

 أريغي… ص 458

أريغي… ص 457

أريغي… 331.

أريغي… ص 561.

أريغي… ص 569.

أريغي… ص 53.

 أريغي… ص 55.

Interview with Michael Roberts (20-10-2025), “The World After American Decline”, https://jacobin.com/2025/10/hegemony-decline-trump-eu-china-brics.

Interview with Michael Roberts (20-10-2025), “The World After American Decline”, https://jacobin.com/2025/10/hegemony-decline-trump-eu-china-brics.

 أريغي… ص 62.

مقررات المؤتمر العالمي 17 للأممية الرابعة (فبراير 2018)، “أزمة النظام الرأسمالي والمقاومات”، https://www.almounadila.info/archives/7411.

Interview with Michael Roberts (20-10-2025), “The World After American Decline”, https://jacobin.com/2025/10/hegemony-decline-trump-eu-china-brics.

أنطوان لاراش (16-02-2026)، “ترامب والديناميات الحربية الجديدة”، https://alomamia.org/tramb-waldynamyat-alhrbyt-aljdydt?fbclid=IwY2xjawQ0juNleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZBAyMjIwMzkxNzg4MjAwODkyAAEeiNcFMtzA3Bijepl2V09cZtXLJXWrSicIlRwE8STsGaREtaJZF58CFpgGMn8_aem_o4aViKqTkE0maPLyDQJM5A.

 أريغي… ص 563.

 أريغي… ص 566.

أريغي… ص 571.

Interview with Michael Roberts (20-10-2025), “The World After American Decline”, https://jacobin.com/2025/10/hegemony-decline-trump-eu-china-brics

أريغي، ص 10.

علي أموزاي

عضو «جمعية أطاك المغرب – الشبكة الدولية لإلغاء الديون غير الشرعية»، وعضو «شبكة سيادة: من أجل سيادة الشعوب على الغذاء والموارد».

المصدر موقع صفر

شارك المقالة

اقرأ أيضا