كتاب : عندما كان لسان يسمى فرناندو  (حلقة 9)

مقالات15 أبريل، 2026

حياة مناضل أممي مغربي في حرب الغوار السلفادورية، ووفاته:

 مسار فرناندو (حلقة 11)

بقلم : لوسيل دوما

على امتداد سنوات 1980، توجه العديد من الشباب الثوريين/ت، من مختلف البلدان، إلى السلفادور لدعم نضال شعب هذا البلد ضد أوليغارشية شرسة مدعومة من الإمبريالية الأمريكية.

انضم العديد منهم/ن إلى صفوف جبهة فارابوندومارتي للتحرير الوطني   (FMLN) في حربها الغوارية، بينما دعم آخرون السكان، لا سيما في مجالي الصحة والتعليم. كان هؤلاء الأمميون يأتون بشكل أساسي من أمريكا الجنوبية وأوروبا. ولكن ماذا كان يفعل بينهم لسان الدين بوخبزة، المعروف باسم فرناندو في منظمة حرب الغوار، والذي كان بالتأكيد الأفريقي الوحيد والعربي الوحيد في صفوف الجبهة؟ كيف قرر هذا الطبيب المغربي الشاب السفر إلى السلفادور والانضمام إلى صفوف مقاتلي حرب الغوار؟ ما هي الذكريات التي احتفظ بها رفاقه في النضال؟ في أي ظروف لقي حتفه؟

يحاول هذا الكتاب أن يجيب على هذه الأسئلة، وأن ينقذ من النسيان تجربة خاصة من تجارب النضال الأممي الثوري، خاضها مناضل مغربي لم يتردد في عبور المحيط الأطلسي ليضيف حصاته الصغيرة إلى التاريخ البطولي للشعب السلفادوري.

قضت المؤلفة، لوسيل دوماس، أكثر من 45 عامًا من حياتها في المغرب. شاركت في نشر العديد من المؤلفات الجماعية ونشرت العديد من المقالات حول حياة البلد الاقتصادية والاجتماعية

مسار فرناندو

على غرار معظم مقاتلي حرب الغوار، لم يبق فرناندو طوال الوقت في مكان واحد. كان يتنقل من معسكر إلى آخر، ومن منطقة سيطرة إلى أخرى، حسب ضرورات اللحظة.

بفضل رفيق قديم لفرناندو، يتمتع بذاكرة استثنائية، وهو الرفيق أرنولفو نيرودا، وبفضل أحد المناضلين الأمميّين، الطبيب البلجيكي جوناثان الذي نجح في الاحتفاظ بمذكرات كان قد دوّنها طوال فترة إقامته في السلفادور، وهو أمر معجزة في ظل ظروف حرب الغوار في ذلك الوقت، بالإضافة إلى شهادات أخرى، تمكّنا من إعادة بناء مسار حياة فرناندو بشكل أو بآخر. عند وصوله إلى السلفادور (على الأرجح إلى سان سلفادور) في متم العام 1983، انضم سريعاً إلى معسكرات المقاتلين في سيرو دي غوازابا، حيث مكث شهرين أو ثلاثة قبل أن ينتقل في الأشهر الأولى من عام 1984 إلى شمال مقاطعة سان فيسينتي (سيرو سان بيدرو)، ثم إلى شمال مقاطعة سان ميغيل في أواخر عام 1984. بدأ عام 1985 هناك قبل أن يعود مرة أخرى إلى شمال سان فيسنتي وأخيراً إلى سيرو دي غوازابا حيث بقي لأكثر من عام، حتى وفاته في 19 يناير 1987، وهو التاريخ الدقيق الوحيد المتاح.

ليس مؤكدا تمامًا أن فرناندو قد وصل عبر سان سلفادور، ولكن ثمة احتمال قوي لذلك، لا سيما أنه ترك أوراق هويته في منزل سري في سان سلفادور تم تفتيشه لاحقًا. عثرت الشرطة هناك على أوراقه واستعانت بالشرطة المغربية لمعرفة المزيد عن هذا المناضل.

يمكن تمثيل هذا المسار على الخريطة على النحو التالي:

لكن مساره لم يكن خطيا بهذا النحو ، فوحدات المقاتلين  كانت دائمة الحركة. يوضح باندو، أحد رفاق فرناندو حتى يوم وفاته: كان ثمة دائمًا أشخاص يتنقلون من سان فيسينتي إلى غوازابا ومن غوازابا إلى سان فيسينتي. وكان فرناندو دائمًا ضمن الوحدات بصفته طبيبًا. كان ينتقل من منطقة إلى أخرى. لذلك كنا نتنقل سيرًا على الأقدام، من غوازابا إلى سان فيسنتي، وكنا نذهب أيضًا لأداء مهام متنوعة في أماكن أخرى. وبناءً على أوامر القيادة، كانت منظمتنا دائمًا متنقلة، وكنا نسمي هذه الوحدة بالوحدة المتنقلة لأنها كانت صغيرة.

كنا دائمي التنقل من مكان إلى آخر.

المعسكرات

علاوة على ذلك، في كل منطقة خاضعة للسيطرة، غوازابا (شمال سان سلفادور)، وسان فيسينتي (في الوسط)، وسان ميغيل (أكثر شرقاً)، حيث كان فرناندو متمركزاً، كان من الممكن وجود عدة معسكرات. لم يكن يبقى طوال الوقت في نفس المعسكر. يشرح ميغيل أنخيل ألفارادو:

بسبب الطبيعة غير المنتظمة للحرب ومستوى عدم الاستقرار الناجم عن الضغط الذي مارسه الجيش العدو بعملياته لمكافحة التمرد، اضطررنا إلى التنقل. كنا مضطرين إلى عدم المكوث لفترة طويلة في معسكر واحد.

تمكنت من زيارة بعض المعسكرات حيث مر فرناندو، في غوازابا وسان فيسنتي. جبلان يقعان شرق سان سلفادور، يبلغ ارتفاع أحدهما أقل من 1500 متر والآخر ما يزيد قليلاً عن 2000 متر، جافان في الصيف ومورقان في موسم الأمطار. لم يتبقَ أي شيء على الإطلاق من هذه المخيمات لسبب بسيط هو أن جميع الهياكل كانت هشة ومؤقتة للغاية. كانت المخيمات والمتمردون يتنقلون باستمرار. وكانوا يحملون جميع أمتعتهم في حقائب الظهر، مستعينين أحيانًا ببغل لمساعدتهم.

كان بإمكانهم، إذا حالفهم الحظ،  إعادة استخدام منزل مهجور أو بئر أو خزان مياه. وإلا، كان كل مقاتل يحمل قطعة من البلاستيك الأسود التي كانت تُستخدم، مع بعض العصي، كخيمة لهم، وكان كل شيء متنقلًا، المستشفى والمطبخ ومحطة الراديو، إلخ.

تمكنت من رؤية ”تاتو“. هكذا كانوا يسمون تلك الثقب التي كانوا يحفرونها في الأرض أو على سفح تل للاحتماء في حالة القصف، ولإخفاء الأدوية والطعام وما إلى ذلك، والتي كانوا يعودون لاحقًا لاستعادتها. كانت التاتو بأحجام مختلفة، وبعضها أشبه ”الأنفاق“ [77]. هذه تقنيات تعلمها المتمردون السلفادوريون من الفيتناميين. في الواقع، سافر العديد من مقاتلي حزب شغيلة أمريكا الوسطى الثوري إلى فيتنام، بدعوة من جبهة التحرير الوطنية، حيث استفادوا من تجربة حرب التحرير الوطني ضد الإمبريالية الأمريكية، التي انتهت بالفوز قبل حوالي عشر سنوات (1975). قبل ذلك بسنوات عديدة، بنى المغاربة نفس النوع من المخابئ إبان حرب الريف. هل ألهموا الفيتناميين؟ هذا ممكن جدًا. في الواقع، منذ نفيه في مصر، كان عبد الكريم الخطابي، زعيم حرب الريف، يزود حركات أخرى بخبرته في حرب الغوار، ولا سيما جبهة التحرير الوطنية الفيتنامية التي كانت تقاتل ضد المستعمر الفرنسي. وهكذا يمكن العثور في معبد طاوي في هاي فونغ، شمال فيتنام، على نسخة من كتاب ”حرب الغوار“، وهو كتاب أهداه مؤلفه عبد الكريم الخطابي إلى زعيم الثورة الفيتنامية هو تشي منه [78]. وفي الثمانينيات، استقبلت فيتنام بدورها الثوار السلفادوريين الشباب لتعريفهم بتقنيات حرب الغوار.

تتذكر غلاديس ميلارا، إحدى المسؤولات عن العلاقات الدولية قائلة:

لقد علّمنا مضيفونا في هانوي ونقلوا إلينا كل خبرتهم في الدفاع والهجوم، على الصعيد الاستراتيجي، في النضال العسكري والنضال السياسي والنضال الجماهيري. […] تعلمنا هناك مفهوم حرب الغوار. أخذونا لرؤية أنفاق كوتشي، شمال شرق مدينة سايغون […] كما علمونا كيفية إنشاء مطابخ تحت الأرض، لتجنب تسرب الدخان وإثارة انتباه العدو. حققت هذه المطابخ الفيتنامية نجاحًا كبيرًا في معسكرات جبهة فاربوندومارتي للتحرير الوطني. [79]

التغذية

كانت مسألة الغذاء مصدر قلق دائم، خاصة في بداية الصراع. عندما وصل فرناندو، يبدو أن المقاتلين كانوا بالفعل أكثر تنظيماً ولديهم مصادر إمداد موثوقة إلى حد ما، على الرغم من أن هروب معظم السكان المدنيين إلى مخيمات اللاجئين قد أدى تقريباً إلى توقف الزراعة في المناطق التي تسيطر عليها الجبهة.

يقول ميغيل أنخيل ألفارادو: ” كنا نتحمل الجوع فقط أثناء المناورات، ولكن بمجرد وصولنا إلى الموقع، كنا نطبخ دون إصدار دخان بينما نبقى على أهبة الاستعداد لمواجهة تقدم العدو. “

كان ضروريا دائمًا الذهاب إلى حدود المناطق الخاضعة للسيطرة والقيام بعمل توسع، كما كانت الجبهة تسمي عمل الدعاية والتوضيح والتوعية لدى السكان المدنيين. وكان السكان المدنيون، رغم عيشهم في فقر مدقع، يدعمون المقاتلين. تتذكر إديث قائلة: ” كانوا يمرون دائمًا وكان والدي يساعدهم دائمًا بإعطائهم الذرة، كان يعطيهم الكثير من الذرة، وعندما كان يجلب المحصول كان يترك لهم حصتهم، لذا كان يعرف الحصة التي يجب أن يشاركها معهم. »،.

كان الغذاء الأساسي يتكون من فطائر الذرة، والتورتيلا، والفاصوليا الحمراء، وأحيانًا الأرز.

كانت النساء هن اللواتي يعدن الطعام، عندما كنّ موجودات. لكن بعض الرجال كانوا يساعدون في طحن الذرة، وجمع الحطب والمياه، وإحضار الحبوب، وما إلى ذلك. كان لدى فرناندو القليل من المال الذي كان يتيح له شراء أشياء إضافية عندما كان هناك متجر في القرى المجاورة (قهوة، تبغ). يتذكر الجميع أنه كان يعشق القهوة. «كان لديه دائمًا قهوة في حقيبته. كانت القهوة هي أكثر ما يستهلك… قهوة قوية. ومرة، لم يكن يضع فيه سكرًا، لا”، يتذكر تشوتشو ميلتون، الذي كان لا يزال طفلاً آنذاك. لم يكن من الممكن دائمًا شراؤها، ولكن كانت ثمة أيضًا مزارع قهوة في الجبال، ولحسن حظه، لم يكن هناك نقص في القهوة.

إحالات

77 – انظر الصورة في الملحق.

78 – لا تزال شخصية الخطابي حاضرة بقوة حتى اليوم في التحركات التي تجري في المغرب. كان صورته تحتل مكانة بارزة في مظاهرات الربيع المغربي عام 2011، وبالطبع خلال حركة الاحتجاج الشعبي التي شهدها الريف في الأعوام 2016-2017.

79 – انظر الصورة في الملحق.

شارك المقالة

اقرأ أيضا