مرة أخرى، بصدد الصراع بين سلطة التعيين وسلطة الانتخاب
بقلم؛ سعيد الريشة
حتى في لحظات الجزر النضالي لا نعدم فرص ثمينة لإلقاء الضوء على المسألة الرئيسية المحدِّدة للحياة السياسية بالبلد: من يحكم؟ من يملك السلطة الحقيقية؟ ومن يملك فقط ظلَّ تلك السلطة، متروكا له هامش المصادقة السلبية على ما يقرِّره مركز الحكم الفعلي؟ وما مهام النضال التي يفرضها هذا الوضع؟ ومن القادر على تحقيق تلك المهام؟
في اجتماع للجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية بالغرفة البرلمانية الأولى، بتاريخ 8 ماي 2026، نقدَّم فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب بمقترح تعديل للفقرة الثانية من المادة 145 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، الاقتراح يقضي بالتنصيص على “الإشراف الكامل للجهات على شركات التنمية الجهوية”. وكان رد وزير الداخلية عبد الواحد لفتيت هو رفض الاقتراح، معلِّلا ذلك بقول: “ماذا نعني بالإشراف الكامل؟ ألا يتدخل أحد؟ ألا يتكلم معكم أحد؟” [1]. إن ضمير المخاطَب الجمع “معكم”، يعني المنتخَبين-ات، لأن الجهة يرأسها مجلس منتخَب. وقد أدرك وزير الداخلية أحسنَ إدراكٍ، بطريقة الرفض تلك، وعبَّر أحسن تعبير عن مقتضيات الديمقراطية الفعلية: “ألا يتكلَّم أحد مع المنتخَبين”، أي بالتعابير السياسية: ألا تتدخل السلطة غير المنتخَبة (وهنا وزارة الداخلية التي تعينها سلطة غير منتخَبة بدورها وهي الملك)، ألا تتدخل هذه السلطة غير المنتخَبة في صلاحيات المجالس المنتخَبة.
يُدرك الجميع أن شركات التنمية المحلية (والجهوية) هي آلية للمزيد من نزع صلاحيات المجالس المنتخَبة وإيلائها إلى هيئات غير منتخَبة، ويجري تدبيرها من طرف مجلس إداري شأنه شأن المجالس الإدارية للشركات المساهمة. يتكون المجلس الإداري لشركات التنمية المحلية والجهوية من 12 عضوا على الأكثر يتم اختيارهم من بين المساهمين ويعيَّنون من طرف الجمعية العامة العادية. وهكذا تكون هذه الشركات التي “منحها القانون” صلاحية “ممارسة الأنشطة ذات الطبيعة الاقتصادية التي تدخل في اختصاصات الجهة، أو تدبير مرفق عمومي تابع للجهة” أو لغيرها من الجماعات الترابية، تكون هذه الشركات خارج أي رقابة من طرف المجالس المنتخبة.
وقد سبق لعمر الحياني مستشار جماعي عن فيدرالية اليسار الديمقراطي في مجلس مدينة الرباط أن اشتكى من شركة التنمية المحلية كونها “لا تخضع لمحاسبة المنتخَبين”: “إن تدبير مدينة الرباط يتم عبر مجموعة من الشركات التي لا تخضع لمحاسبة المنتخبين، وهو ما يشكل مسا بالديمقراطية المحلية”. [2]. وهي نفس الشكوى التي أعلنتها النائبة البرلمانية نبيلة منيب عن الحزب الاشتراكي الموحد: “… لقد أغرقتنا الدولة بالوكالات، تديرها مجالس إدارة ومدير عام معيَّن… فمن سنحاسِب؟ … ولماذا الانتخابات أصلا إذا كان القرار سيصبح في يد المعيَّن؟”. [3]
لا تقتصر هذه الشكوى على أحزاب محسوبة على اليسار الليبرالي، فهذا إدريس لشكر، زعيم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، جوابا على سؤال عدم تجديد النخب المسيرة للحزب يجيب غاضبا: “ثروات المغرب في يد مؤسسات وشركات الدولة يديرها أناس ومجالس إدارية منذ 50 عاما، هذه المؤسسات حيث توجد سلطة القرار الاقتصادي”. [4]
نفس الشيء صرَّح به محمد أوجار، عضو المكتب التنفيذي لحزب التجمع الوطني للأحرار، حين قال: “من يحاسب العمال والولاة؟ من يحاسب كبار مديري الإدارات المدبِّرة للمال العام؟”، “اليوم الجماعات المحلية والجهات سلطاتها محدودة. ويدبرها فعليا العمال والولاة ورجال الإدارة الترابية”. [5]
هذا النقاش السياسي غنيُّ جدا، وهو أبلغُ بكثير من كل سجال يصدر عن يساريٍّ جذري وثوري راديكاليِّ. فأن يتحدث زعيم حزب مَلكي رجعي صارخا بأن الجماعات المحلية، أي المجالس المنتخَبة لا سلطة لديها (أو محدودة بلغة أوجار)، بينما السلطة الفعلية موجودة في يد الهيئات غير المنتخَبة، أي العمال والولاة ورجال الإدارة الترابية، هذه الهيئات التي تحتكر تعيينَها هيئةٌ أخرى غير منتخَبة، وهي الملَكية، أن يتحدث زعيم حزب ملَكي رجعي بهذه اللغة، دليل على حقيقة الديمقراطية المزعومة في المغرب. ودليل ساطع على ما ظل الثوريون- ات المغاربة يرددونه منذ عقود: ليس المؤسسات المنتخَبة سوى مؤسسات واجهة لخداع الشعب، وميدان للتحالف بين المَلكية (القسم الحاكم من الطبقة الرأسمالية) وبين الأقسام الأخرى من طبقة الرأسماليين.
إن الصراع قائم بين مبدأ الانتخاب ومبدأ التعيين. يعبِّر المبدأ الأول عن سلطة الشعب الكامنة، بينما يعبِّر الثاني عن سلطة الفرد الفعلية، أي الملك، ووراءه سلطة الملوك الاجتماعيين، أي الرأسماليين الذين يملكون سلطة اقتصادية يحكمون بواسطتها على قسم مهم من الشعب (أي الطبقة العاملة)، بينما يعتمدون على المَلك السياسي (وهو أيضا رأسمالي كبير، وبالتالي ذو سلطة اقتصادية جبارة)، من أجل إخضاع الشعب لاستغلال الرأسماليين.
منذ الاستقلال الشكلي سعت المعارضات البرجوازية للتوافق مع المَلكية من أجل سلطة انتخاب تتعايش وتتوافق مع سلطة التعيين، وهو ما عُبِّر عنه بشعار “ملك يسود ولا يحكم”، و” الملَكية البرلمانية”. وبعد عقود تغلغل هذا النقاش ليمسَّ مجالات التدبير في مستويات دنيا، وفي حالتنا هذه: من له حق الإشراف على شركات التنمية المحلية والجهوية (والمؤسسات والمقاولات العمومية)، هل المجالس المنتخَبة من طرف الشعب (وهو ما ترفضه وزارة الداخلية، أي المَلكية)، أم من طرف من تُعيِّنهم المَلكية؛ أي الولاة والعمال ورجال الإدارة الترابية ومدراء المؤسسات والمقاولات العمومية؟
لا يمكن لسلطة الانتخاب أن تتعايش وتتوافق مع سلطة التعيين إلا في حالة واحدة. وهذه الحالة هي خضوع المجالس المنتخَبة خضوعا كاملا، تاما، للسلطة غير المنتخَبة، أي لسلطة التعيين. وهذا ما عناه رفضُ وزير الداخلية، عبد الواحد الفتيت، لمقترح الفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية، إخضاع شركات التنمية المحلية والجهوية لمجالس الجهات المنتخَبة.
لقد فهم عبد الواحد الفتيت الديمقراطية الحقيقية، عندما قال: “هل تريدون ألا يتكلم معكم أحد؟”. ويعني ذلك بالضبط ألا تتدخل وزارة الداخلية، وكل سلطة غير منتخَبة، في صلاحيات المجالس المنتخَبة. لكن فهمه كان أحادي الجانب. فالديمقراطية الفعلية لا تعني “ألا يكلِّم أحدٌ” المجالس المنتخَبة، بل أن يتكلف بذلك جهة أخرى، ليست بالطبع الهيئات غير المنتخَبة (رجال الإدارة التربية ووزارة الداخلية، ووراءهما سلطة التعيين الأولى، أي الملك)، بل جهة أخرى، وهي الشعب الذي انتخب تلك المجالس.
تبدأ الديمقراطية الفعلية عندما يملك الشعب وحده السلطة الحقيقية، وهذه الأخيرة تبدأ بدورها عندما تكون جميع مناصب المسؤولية والإدارة والحكم قابلة للانتخاب. ولكن إذا اقتصرت على ذلك (أي على الانتخاب) كانت دمقراطية ناقصة، مشوَّهة ومشلولة. فالديمقراطية الفعلية، أي حكم الشعب نفسه بنفسه، تفترض ليس فقط حقه في انتخاب من يمثله، بل أيضا حقه في مراقبة ومحاسبة وعزل من ينتخبهم إلى مناصب المسؤولية والإدارة والحكم.
هذا المطلب يشكل برنامجا كاملا للنضال من أجل الديمقراطية الفعلية في البلد. وعلى جميع من يعتبرون أنفسهم أنصار هذه الديمقراطية الفعلية أن يتوحدوا من أجل فرضها. فرضُها حقيقةً، وعلى أرض الواقع، وليس في نصوص قانونية يمكن دوما الالتفاف حولها، يتطلب الاعتماد على القوة الحقيقية القادرة وحدها على فرض تلك الديمقراطية: الشعب العامل.
هذا ما يتوجب أن يتوحد حوله كل اليسار حاليا بالبلد، اليسار الإصلاحي واليسار الجذري. وليست التحالفات الانتخابية التي يجري الإعداد لها حاليا من طرف اليسار الإصلاحي (الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار) خروجا عن منطق إخضاع سلطة الانتخاب لسلطة التعيين، هذا الإخضاع الذي يرفضه كلا الحزبين، ولكن في التكتيك يخضعان له بالتنابز حول فتات تتركه سلطة التعيين (المَلكية) لهما، مرة يتصارعان حوله وينشقان، ومرة أخرى يتحالفان لتكبير حصتهما من كعكة الفتات. بينما يتطلب الوضع وحدة عملٍ فعلية بين هذا اليسار الإصلاحي مع اليسار الجذري من أجل استنهاض القوة القادرة وحدها على كسر الدائرة المفرغة التي أخضعت دوما سلطة الانتخاب للسلطة التعيين، وهذه القوة هي الطبقة العاملة (في كل مواقع الاستغلال) وعموم مفقَّري بوادي البلد ومدنه.
=================
إحالات
[1]- عبد العزيز أكرام (08-05-2026)، “لفتيت يرفض تعديلات المعارضة ويتمسك بشرط ‘المنفعة العامة للجمعيات'”، https://www.hespress.com/لفتيت-يرفض-تعديلات-المعارضة-ويتمسك-بش-1743752.html?fbclid=IwY2xjawRtgCpleHRuA2FlbQIxMABzcnRjBmFwcF9pZBAyMjIwMzkxNzg4MjAwODkyAAEeUrrXMT20ZQNlhm6RGV-D81nTjJCQQiUx98eVXFZEGsyQeutQEr3FA7VMLcA_aem_2iAseUixvSR1Xoebuj6knA
[2]- لكم (31-05-2022)، “الحياني: شركات يرأسها الوالي تسير مدينة الرباط.. ولا سلطة للمنتخبين لمراقبتها”، https://lakome2.com/interview/272471/#:~:text=الحياني:%20شركات%20يرأسها%20الوالي%20تسير,(فيديو)%20–%20لكم-lakome2.
[3]- نبيلة منيب (20-01-2026)، https://www.facebook.com/watch/?ref=saved&v=1375179304354372؟
[4]- Al Aoula TV (24-04-2026)، “للحديث بقية : إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية”، https://www.youtube.com/watch?v=fKXkaIDmGxI.
[5]- “السيد محمد أوجار : مداخلة في الندوة الموسومة ب : ( تحولات الحقل الحزبي المغربي )” (04- 12- 2025)، https://www.youtube.com/watch?v=8ykZ97lwugs.
اقرأ أيضا

