كتاب : عندما كان لسان يسمى فرناندو (حلقة 13) حياة مناضل أممي مغربي في حرب الغوار السلفادورية، ووفاته

مقالات24 يونيو، 2026

بقلم، لوسيل دوما

«الصحة في حقيبة الظهر» 96

كانت ممارسة الطب في تلك الظروف شديدة الصعوبة، وتتطلب من الطبيب قدرًا كبيرًا من الالتزام والتفاني. فقد كان عليه، سواء أكان حديث التخرج أم مبتدئًا في المهنة، بل وحتى إن لم يُكمل دراسته الجامعية، أن يواجه مختلف الحالات والظروف اعتمادًا على الإمكانات البشرية والمادية المتاحة. وكما يوضح فرانسيسكو ميتزي، الطبيب الأمريكي الذي قضى ثلاث سنوات في معسكرات المقاتلين في السلفادور بين عامي 1983 و1985: “لم تكن هناك أي إمكانية لنقل الجرحى أو إحالتهم إلى خارج المنشأة الطبية نفسها على أي جبهة”.
ولم تقتصر هذه التحديات على الأطباء وحدهم، بل شملت أيضًا أفراد الطواقم الطبية. وفي هذا السياق، تروي لوسيلا، إحدى عضوات الفرق الطبية التابعة للجبهة الثورية الشعبية (ERP):
” كان يتعين علينا أيضًا إجراء عمليات جراحية ميدانية، بعضها كان بالغ التعقيد. وأتذكر أحد الرفاق الذي أُصيب بثقب في رئته، فاضطررنا إلى التدخل فورًا بإدخال أنبوب لتصريف الدم ومنع اختناقه. وقد أوكلت إليّ هذه المهمة. في تلك اللحظة لم يكن أمامنا سوى التصرف بما تيسر من إمكانات، لأن أي تأخير كان سيعني وفاة المصاب. وبالفعل نجا من الإصابة، لكنه قُتل لاحقًا في إحدى المعارك. وكانت حقيبة ظهر طبيب الكتيبة ثقيلة للغاية، إذ لم يكن يحمل فقط المعدات الطبية، بل كان يتحمل عبئًا مضاعفًا، كما توضح دومينيكا:”
«كان الطبيب يحمل باستمرار حقيبة ظهره المكدسة بالمعدات الطبية والأدوية والحبوب والحقن، وإلى جانبها كان يضطر إلى حمل الذخيرة وسلاحه الشخصي. ومع مرور الوقت، أصبح من المستحيل إخفاء أي شيء، فغدت حقائب الظهر الملاذ الأكثر أمانًا لحفظ ما نملكه. فقد كانت القوات العسكرية تنفذ مرارًا عمليات تفتيش واسعة تُعرف بـ«الأرض المحروقة»، لا تترك خلالها زاوية دون تفتيش، الأمر الذي جعل الاحتفاظ بالمعدات في أماكن ثابتة أمرًا مستحيلًا. لذلك كنا نحمل جميع احتياجاتنا على ظهورنا، معتبرين أن حقائب الظهر هي المكان الأكثر أمانًا لحمايتها.
وبطبيعة الحال، لم تكن هذه الحقائب تتسع لكل شيء، كما أن المستلزمات الضرورية لم تكن متوافرة دائمًا. ومع ذلك، كان على الطبيبة أن تحدد أولوياتها وفقًا للظروف. ففي اللحظات الحرجة، وعندما تندلع المواجهات ويُصاب أحد المقاتلين، يصبح الواجب الأول هو تقديم الرعاية الطبية الفورية له وإنقاذ حياته»، تضيف.
يؤكد أليكس، الذي التقى فرناندو في سان فيسنتي، قائلاً:
“كان فرناندو دائمًا على استعداد للعمل، حتى وهو يتحمل المخاطر بنفسه. ففي خضم إطلاق النار وكل تلك الظروف الصعبة، كان يعتني بالجرحى مدركًا أنه يخدم قضية يؤمن بعدالتها. وقد أسهم في إنقاذ عدد كبير من الأرواح، إذ إن كثيرًا من المصابين كانوا سيفقدون حياتهم لولا تلقيهم العلاج. كما أن عدد الأطباء كان محدودًا، وكذلك الأدوية.
في بعض الأحيان، كنا نضطر إلى تنظيف الجروح بالبول الطازج، لاعتقادنا بأنه معقم بدرجة كبيرة، إذ لم يكن أمامنا بديل آخر. أما فيما يتعلق بالمحاليل، فكانت تتوافر أحيانًا، لكن عند نفادها كنا نلجأ إلى إعداد بدائل بدائية باستخدام الليمون والملح، ليس لإعطائها عبر الوريد، لأن ذلك قد يكون خطرًا للغاية، بل لتناولها عن طريق الفم لتعويض السوائل المفقودة.
في الجبال، كنا نعتمد كثيرًا على الارتجال، فلم تكن الموارد متاحة كما هي في المستشفيات، ولذلك كان علينا الاستفادة من كل ما يقع في متناول أيدينا واستخدام الإمكانات المحدودة التي نملكها.” (98)
كان التضامن الدولي لافتًا للنظر، سواء في ما يتعلق باستقطاب الأطباء أو توفير الأدوية. ومع ذلك، لم تكن هذه الجهود كافية لتجاوز جميع الصعوبات، إذ يوضح الشهود أن مشكلة تأمين الأدوية ظلت قائمة، خاصة خلال الفترة التي كان فيها فرناندو حاضرًا:
“كانت هناك دائمًا صعوبات في الحصول على الأدوية، ولا سيما في الفترة التي تواجد فيها فرناندو، إذ لم يعد هناك سكان مدنيون يمكن الاعتماد عليهم. وكانت المستلزمات الجراحية، سواء الخاصة بالعمليات الصغرى أو الكبرى، إلى جانب أدوية مثل البنسلين، تنفد بسرعة. ولم تكن المشكلة في العثور على الأدوية بقدر ما كانت في إيصالها، إذ لم يكن أحد يجرؤ على نقلها، لأن العثور على شخص يحمل كمية كبيرة منها كان قد يكلّفه حياته. […] وكان فرناندو يؤكد باستمرار ضرورة المحافظة على ما يتوفر لدينا من أدوية، مشددًا على أنه في أوقات الأزمات لا مجال لإهدار أي دواء أو تركه يتلف. لذلك كنا نسعى دائمًا إلى تأمين أدوية ذات صلاحية طويلة تمتد إلى ثلاث أو أربع سنوات. وقد كان ذلك مهمًا بشكل خاص خلال الفترة التي وصل فيها فرناندو، لأن القوات المسلحة كانت تضيق الخناق علينا بشدة آنذاك”، كما تروي دومينيكا.
في هذا الصدد، كان موقف فرناندو مطابقًا تمامًا لموقف جوناثان:
كنا نعمل في ظل نقص مزمن يكاد يكون دائمًا في الموارد البشرية والمادية على حد سواء. ففي بعض الفترات، لم يكن يتوفر سوى طبيب واحد لكل جبهة، وأحيانًا كانت الجبهات تخلو تمامًا من الأطباء. كما كان النقص في مواد التخدير والأمصال والمضادات الحيوية القابلة للحقن مشكلة مستمرة، ما فرض توزيع هذه الموارد المحدودة وفق ضوابط صارمة ودقيقة.
إلى جانب ذلك، اعتمد أطباء المقاومة بشكل واسع على الطب التقليدي، مستفيدين من معرفة الفلاحين بالنباتات والأعشاب الطبية المحلية. وفي هذا السياق، يوضح فرانسيسكو ميتزي:
“في الوقت نفسه، قررنا ألا نتجاهل الإمكانات العلاجية التي توفرها الطبيعة للمرضى. ورغم أن كثيرين كانوا ينظرون إلى استخدام النباتات الطبية بازدراء، فإننا وسّعنا النقاش لنؤكد أن اللجوء إلى الطب الطبيعي لا يمثل مجرد وسيلة استراتيجية لمواجهة الحصار الذي فرضه العدو، بل يشكل أيضًا خيارًا لمقاومة التبعية للشركات متعددة الجنسيات بعد تحرير البلاد. وقد حظيت هذه الفكرة بأهمية كبيرة داخل صفوفنا.” (99)
شرعوا في إعداد قوائم تضم أكثر الأعشاب فائدة، كما وثّقوا مختلف العلاجات النباتية بهدف دراسة خصائص كل نبتة وفعاليتها العلاجية، «وبذلك بدأوا في الحفاظ على هذا الجانب من الثقافة الشعبية من الاندثار». وقد انسجمت هذه التوجهات والممارسات مع الأفكار التي كان يتبناها فرناندو ورفاقه في المغرب خلال فترة دراستهم للطب.
أما البنية الصحية فكانت تعتمد بالكامل على التنقل. وتتذكر دومينيكا أن «العيادات والمستشفيات كانت تُنقل داخل حقائب الظهر وعلى ظهور البغال والخيول».
وكان المستشفى الميداني المخصص للمقاتلين عبارة عن منشأة متنقلة، لا يتجاوز في كثير من الأحيان منزلًا بسيطًا أو كهفًا يضم بعض المعدات والأدوات الأساسية التي كانت تُخفى بعناية. وعند الانتقال من موقع إلى آخر، كان يتم نقل جميع التجهيزات وإجلاء الجرحى معها. ويؤكد دانيال «إل تيكو» أن المستشفى كان دائم التنقل.
وفي أحيان كثيرة، لم يكن يتوفر حتى منزل أو كهف، ولا حتى غطاء بلاستيكي للحماية. وتكشف الرواية التالية، التي ترويها دومينيكا بروح من الدعابة، عن مدى قسوة وهشاشة الظروف التي كانوا يعيشونها. فعندما سألتها عما إذا كان فرناندو قد تأقلم مع تلك الأوضاع، أجابت:
نعم، بالطبع. أتدري؟ كانت هناك فترة كانت فيها طاولة العمليات الخاصة بهذا الرفيق مجرد صخرة. ففي موقع يُعرف باسم «إل كوكو» كانت توجد صخرة كبيرة، وفي مخيم «إل توبي» على الجهة المقابلة كانت هناك صخرة أخرى أكبر من هذه الطاولة، مستوية تمامًا، وكانت تُستخدم كطاولة للجراح.
وأتذكر أنه في إحدى المرات كان الرفيق ماريو يجري عملية فتح للبطن، بعدما اشتبهنا في أن شظية قد اخترقت أمعاء أحد الرفاق. كان ذلك فوق تلك الصخرة نفسها. أما أنا فكنت أتولى إعطاء المحلول الوريدي، ومراقبة العلامات الحيوية للمصاب، وتقديم التخدير، بينما كان ماريو يجري العملية.
وفي أثناء العملية، حدث أمر لا يُصدق؛ إذ سقط فجأة حيوان «التاتو» من أعلى وارتطم بالصخرة مباشرة. عندها تركنا المصاب للحظة وانطلقنا جميعًا وراء الحيوان، تاركين الرفيق ممددًا على تلك الصخرة. وكما أخبرتك، عندما نسترجع تلك الذكريات نجد فيها الكثير مما يبعث على الضحك والفرح، لكننا نتذكر أيضًا جوانب مؤلمة وحزينة.
ورغم هذه الظروف القاسية، كانوا ينجحون أحيانًا في إنشاء مستشفيات أكثر استقرارًا. وقد تمكنوا، على سبيل المثال، من تنظيم مستشفى مشترك ضم المنظمات الخمس في سان فيسنتي. ويوضح جوناثان ذلك بقوله:
كانت هناك أيضًا مستشفيات سرية تتمتع بدرجة أكبر من الاستقرار، إلا أن استمرار عملها كان مرتبطًا بالوضع العسكري السائد في كل جبهة. ومع ذلك، ظلت هذه المستشفيات من أبرز أهداف الجيش، الذي كان يدرك أن تدمير البنية الصحية للمقاومة يشكل ضربة قوية لقدراتها المعنوية والعملياتية. ولهذا السبب، سقط عدد كبير من أفراد الطواقم الطبية والأطباء، رجالًا ونساءً، بين قتيل وأسير، وكثيرًا ما كان الأسر ينتهي بالاغتيال.
ويشير جوناثان إلى أن أكثر الخسائر إيلامًا بالنسبة إليه تمثلت في أسر وقتل أوفيليا، الممرضة الفرنسية، وإرنستو، الطبيب الأرجنتيني، وكريستينا، العضوة في الفريق الطبي ومذيعة البرامج الإذاعية، إضافة إلى أنطونيو، الذي كان جريحًا، وسيليا.
وكما يمكن تصوّر ذلك، فإن ممارسة الطب داخل صفوف المقاومة كانت بعيدة كل البعد عما تعلمه فرناندو في جامعة الرباط، بل وحتى عما اختبره في مستشفى العرش، رغم محدودية الإمكانات فيه. كما لا توجد أي معطيات تؤكد أنه مارس الطب في المخيمات الفلسطينية، إذ لم يكن ذلك أصلًا الهدف الذي دفعه إلى التوجه نحو سوريا. وتصف شهادات عديدة الظروف الصعبة والاستثنائية التي كان يعمل فيها الأطباء الدوليون والسلفادوريون داخل تلك المخيمات. (100)
لم تكن الجراحة في ظروف الحرب مهمة سهلة بأي حال من الأحوال. ويبدو أن الصعوبة كانت نابعة أساسًا من البيئة التي تُجرى فيها العمليات أكثر من طبيعة الإصابات نفسها. فقد كان النقص في المعدات والكوادر الطبية شائعًا، كما كانت الخبرة المتخصصة محدودة، فضلًا عن العمل في ظروف صحية بالغة القسوة؛ أحيانًا تحت الأشجار وفي وسط انتشار الذباب والبعوض وسائر الحشرات التي كانت تحيط بأماكن إجراء العمليات. ويشير جوناثان إلى أن كثيرين قد يرون أن إجراء عمليات جراحية في مثل هذه الظروف أمر مستحيل، إلا أن الواقع كان مختلفًا، لأن حياة المقاتلين كانت على المحك، الأمر الذي دفع الطواقم الطبية إلى بذل أقصى ما تستطيع، بل وتجاوز حدود الممكن لإنقاذهم. (101)
ورغم كل هذه التحديات، بذل فرناندو جهودًا استثنائية، حتى إن رفاقه ما زالوا يتذكرونه بوصفه «طبيبًا يتمتع بكفاءة كبيرة». ومن بين هؤلاء أنطونيو، الذي أصيب بحروق خطيرة أدت إلى شلل جزئي بعد انفجار ورشة المتفجرات التي كان يعمل فيها. وقد أمضى ما يقارب أربع سنوات في المستشفى المتنقل قبل أن يُنقل إلى كوبا لإجراء عملية جراحية في يديه وذراعيه اللتين التصقتا بجسده نتيجة الإصابات.
ويتذكر أنطونيو لقاءه بفرناندو عندما كان يتلقى العلاج في المستشفى المتنقل في سان فيسنتي، ويرجح أن ذلك كان عام 1984. آنذاك كان قد أمضى ستة أشهر مستلقيًا في أرجوحة شبكية غير قادر على الحركة. غير أن ذكرياته عن تلك الفترة محدودة، ولذلك ظل فرناندو حاضرًا في ذاكرته بوصفه أجنبيًا أكثر من كونه طبيبًا.:
“كنت أظنه فلسطينيًا. كان نحيف البنية، أسمر البشرة، كثيف الشعر، ولذلك اعتقدت أنه فلسطيني، خصوصًا أنه لم يكن يتحدث الإسبانية بطلاقة. كان يحيينا قائلًا: «مرحبًا، أيها الوغد، كيف حالك أيها الوغد؟». في ذلك الوقت لم أكن أعلم أنه مغربي الأصل. بالنسبة إليّ كان مجرد رجل عربي، ربما فلسطيني أو من أي بلد عربي آخر.
وفي فترة لاحقة، احتُجزت في كنيسة كانت تُستخدم مستشفىً ميدانيًا في سيرو دي سان بيدرو. لم يكن بداخلها أي تجهيزات تُذكر، ولم يبقَ منها سوى المبنى نفسه، إلا أنها كانت لا تزال قائمة ولم تُحرق، كما أن سقفها ظل سليمًا.”
أما سيبريانو، فيحتفظ بذكريات أوضح عن «الدكتور فرناندو»، وعن الرعاية الطبية التي تلقاها في منطقة غوازابا، كما يتذكر بصورة أدق الظروف التي جمعتهما لأول مرة.
يتذكر سيبريانو الدكتور فرناندو قائلاً:
“كنت أعرف الدكتور فرناندو جيدًا، وكان رفيقًا استثنائيًا بكل معنى الكلمة. كان يعتني بالمرضى جميعًا باهتمام كبير، وكان حاضرًا دائمًا إلى جانب المقاتلين خلال عمليات حرب العصابات، يحمل حقيبة الإسعافات الخاصة به على ظهره ويتنقل معهم أينما توجهوا.
في عام 1984، خضنا اشتباكًا عنيفًا مع كتيبة أتلكاتل في منطقة بيبيشتينانغو التابعة لسينكيرا، ضمن نطاق غوازابا. استمر القتال طوال يوم كامل، وأُصبتُ أنا وأحد الرفاق خلال المواجهة. تمكن رفاقنا من إجلائي ونقلي إلى المكان الذي كان فيه الدكتور فرناندو، إذ كان هو من تولى إسعافي. قدم لي الإسعافات الأولية وأوقف النزيف بوضع ضمادة على الجرح، بعدما اخترقت الرصاصة جسدي من جهة إلى أخرى عند مستوى الترقوة، فوق الرئة مباشرة.
أتذكر أنه قال لي: «اسمع يا سيبريانو، لن تموت بسبب هذا الجرح. فلو كانت الرصاصة قد أصابت رئتك لكانت قتلتك، لكنها مرت فوقها، لذلك لا داعي للقلق». كانت كلماته مطمئنة ومنحتني قدرًا كبيرًا من الثقة.
وبعد الإسعافات الأولية، نقلني إلى مستشفى ميداني صغير في بيبيشتينانغو، حيث كان يعمل فريق من الأطباء والمسعفين. هناك اعتنوا بي جيدًا، وقام فرناندو بتنظيف الجرح عبر شقّه وإزالة ما بداخله باستخدام أداة صغيرة أدخلها من أحد طرفيه إلى الآخر. كان ذلك مؤلمًا للغاية لأنه أُجري من دون تخدير.
وبعد الانتهاء من العلاج الأولي، عدنا إلى غوازابا، حيث حملني الرفاق أثناء التنقل، بينما واصل فرناندو متابعة حالتي وعلاجي. وبعد عدة أيام، أوصى بنفسه أفراد الوحدة باستخدام عسل النحل على الجرح، نظرًا لتوفره لدينا. وبالفعل، استمروا في وضعه على موضع الإصابة لمدة تقارب خمسة عشر يومًا، تنفيذًا لتعليماته، وكانوا يتولون رعايتي وفقًا لتوجيهاته.
أستطيع القول إنه كان طبيبًا متفانيًا ومتعاونًا إلى أبعد الحدود، يتمتع بقدر كبير من الطيبة وروح التضامن. وكان من المبهج حقًا أن نرى مدى إخلاصه في خدمة مقاتلي جيش المقاومة واهتمامه بهم.”
“كنا نتحدث كثيرًا، وكان يحب المزاح مع مرضاه، وهو ما كان يبعث السرور في نفوسهم. لم يكن يكتفي بالمزاح فحسب، بل كان يمنحنا أيضًا القوة والثقة والأمل. أتذكر أنه كان يقول لي: «ستتعافى يا سيبريانو، وستحمل بندقيتك من جديد، وستعود». لكن فترة تعافيّ استمرت نحو عامين، ولذلك لم أتمكن من العودة إلى القتال خلال تلك المدة.
هذا ما أحتفظ به في ذاكرتي عن الدكتور فرناندو. لقد كان طبيبًا متميزًا بحق.” (102)
وتتفق مختلف الشهادات على أن فرناندو جمع بين التحفظ الشديد وروح المرح في الوقت نفسه. فبصفته طبيبًا ومقاتلًا، كان قادرًا على بث الطمأنينة في نفوس من حوله، وتشجيعهم، والتعامل معهم بقدر كبير من اللطف والإنسانية.
ويحكي مارسيلو أنه كان برفقته أثناء إحدى عمليات التنقل من سان فيسنتي إلى سان ميغيل، قائلاً:
“في اليوم التالي رأيت فرناندو، وكانوا قد أحضروا إليه شابًا مصابًا في ساقه. كانت الإصابة في العظم، وبدت عميقة إلى حدٍّ ما.”
قام فرناندو بتخدير المصاب والاستعداد لعلاجه بنفسه، إذ لم يكن هناك أي مسعف متاح في تلك اللحظة. وكان يتعامل مع المرضى باللطف والرقة اللذين عُرف بهما دائمًا. ويروي مارسيلو هذه الحادثة قائلاً:
“أثناء العلاج، قال له المصاب: «فرناندو، سأموت قبل أن أعرف امرأة في حياتي». فابتسم فرناندو ورد عليه بشيء من الدعابة، بينما كان الشاب لا يزال تحت تأثير التخدير، فانفجر بالضحك. والحقيقة أن الأطباء الذين كانوا معنا هنا في السلفادور لم يكونوا مثل الأطباء في أوروبا (على حد تعبيره). فقد كانوا يتمتعون بقدر أكبر من الإنسانية والدفء والعاطفة.” (103)
وبحكم كونه طبيبًا، كان فرناندو يحظى بمحبة كبيرة بين المقاتلين. فقد كان أفراد الطاقم الطبي يحظون بمكانة خاصة خلال الحرب، نظرًا لما كانوا يقدمونه من رعاية وعون للجميع في أصعب الظروف.
يتذكر أوسكار تلك الفترة قائلاً:
“في الواقع، كان الذين يخضعون للعلاج أو إعادة التأهيل يحظون بعناية خاصة. فإذا توفر الجبن، على سبيل المثال، كان يُخصص لهم. كانت احتياجات المرضى تأتي في المقام الأول، ولذلك كانت الأولوية دائمًا لمن هم في مرحلة النقاهة. وقد ساهم ذلك في بناء علاقة وثيقة جدًا بين الطاقم الطبي والمقاتلين، لأن الناس كانوا يرون في الطبيب رمزًا للحياة والأمل، وفرصة للاستمرار والبقاء، ومصدرًا للمساعدة في أصعب الظروف.”
أما الكلمة الأخيرة، فيتركها الراوي لخوسيه مينخيفار، المعروف باسم «شيبيتو مين»، الذي يقول:
“كان هناك عدد من الأطباء الرفاق في غوازابا… لم أكن أتعامل معهم بشكل مباشر، لكنني كنت أراهم باستمرار، وأراقب سلوكهم وطريقة عملهم. وكنت أكن لهم إعجابًا كبيرًا بسبب انضباطهم الشديد، وهو أمر كنت أقدره كثيرًا. أتذكر أحدهم، وكان يُدعى فرناندو، ذا لحية وشعر مجعد كثيف. كنا ننظر إليهم باحترام كبير، وكانوا يمنحوننا شعورًا بالثقة والاطمئنان. وبطبيعة الحال، فإن أن يجد المقاتل نفسه بين أيديهم بعد إصابته لم يكن أمرًا بسيطًا.
لقد أدّى الأطباء دورًا هائلًا هنا، بل ربما كان من أهم الأدوار على الإطلاق. فماذا كان سيؤول إليه حالنا من دونهم؟ كان عدد الأطباء السلفادوريين المشاركين محدودًا، ولذلك كان للأطباء الأجانب إسهام بالغ الأهمية في دعمنا. لقد منحونا الثقة، ليس فقط من خلال الرعاية الطبية التي قدموها، بل أيضًا من خلال حضورهم وتفانيهم. وقد رأيت بنفسي رفاقًا تلقوا العلاج على أيديهم واستفادوا منه.
وحتى اليوم ما زلنا ننظر إلى ذلك بإعجاب كبير، ولا نكاد نفهم كيف أن أشخاصًا كانوا يعيشون في بلدان توفر ظروفًا معيشية أفضل بكثير، اختاروا أن يأتوا لمساندتنا والوقوف إلى جانبنا.” (104)
وهذا ما يمكن وصفه بحق بأنه تجسيدٌ للأممية الثورية.
—–
96- عنوان فرعي لكتاب لفرانسيسكو ميتزي، «على طرق تشالاتينانغو، والصحة في حقيبة الظهر»، منشورات جامعة أمريكا الوسطى (UCA)، الطبعة الثانية، 2003. 97
97- المرجع نفسه.
98 مقابلة مع أليكس، نويفو غوايتشو، أوسولوتان، 28 أبريل 2019.
99 فرانسيسكو ميتزي، المرجع السابق، ص. 124-125.
100 وعلى وجه الخصوص: تشارلز كليمنتس، دكتور في الطب، «غوازابا، شهادة حرب طبيب أمريكي»، دار نشر UCA، 1986. فرانسيسكو ميتزي، المرجع السابق.
101 جوناثان تيمبستاد، مارك إنجلبرشت، «المغفرة والنسيان؟»، «ياميليت، قصة فتاة من قبيلة سيبوتا»، غير منشور.
102 مقابلة مع سيبريانو، إل سيريتو، سوتشيتوتو، 4 مايو 2019. 103 مقابلة مع مارسيلو، إل سيريتو، سوتشيتوتو، 4 مايو 2019.
104 خوسيه مينجيفار، الملقب بـ«شيبيتو مين»، إل سيريتو، سوتشيتوتو، 4 مايو 2019.

شارك المقالة

اقرأ أيضا