تصريحات معتقلي الريف حول تعرضهم للتعذيب؛ التعذيب آلية دائمة في بلد “الاستثناء الديمقراطي”

“المحاكمات تمثيلٌ تامٌ للنظام القضائي المغربي، كتلة عائمة تُظهر للعين الصورة المُسْتَحَبَّة عن جهاز ذي نزعة ديمقراطية، بينما القسمُ الغاطس الأكثر أهمية يغوص في قاع القمع البوليسي”. [“صديقنا الملك”، جيل بيرو، الصادر عام 1990].

مرة أخرى تطفو إلى سطح النفاق السياسي صورةُ “المغربِ الحقيقي”، حيث التعذيب آلية دائمةُ الاستعمال في حق من يرفض الرضوخ لأمر الاستبداد الواقع.

ليست هذه المرَّةَ الأولى التي يجري فيها تداولُ أخبارِ تعذيبِ المعتقلين، فقد تواترت فيدوهات وتسريبات مكتوبة ومسجلة حول هذا الأمر. فضحَ تجسيلٌ صوتي لمعتقل حراك الريف ناصر الزفزافي التعذيبَ الذي تعرض له معية رفاقه الآخرين في سجن “رأس الما” بفاس، وَرَدَّتْ مندوبيةُ السجون بمزيدِ العقاب: توزيعُ المعتقلين وحبسهم انفراديا.

لا يوجد التعذيب فقط داخل السجون، بل هو آلية رئيسية لفض الاحتجاجات. ماذا نسمي أحداث قمع حراك الريف من تهشيم جماجم المتظاهرين بهراوات رجال القمع إن لم يكن “تعذيبا في الشارع العام”؟ ماذا نسمي دهسَ متظاهرٍ في حراك جرادة بسيارة قوات القمع؟ أليس ذلك تعذيبا؟ ماذا نسمي إطلاق خراطيم المياه ضد تظاهرات المفروض عليهن/ هم التعاقد، ما أفضى إلى استشهدا عبد الله حجيلي؟ أليس ذلك تعذيبا؟

ولتوريج صورة المغرب الملتزم بالآليات الدولية لتجريم التعذيب، صادقت الدولة على معظم معاهدات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي تحظر التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة ووقعت على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهي طرف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. 

كل هذا لم يمنع استمرار التعذيب، وأكد لمقرر الاممي الخاص بالتعذيب، خلال الفترة الممتدة بين 2009 و2012، أنه “لم تجرى أي إدانة لأي شخص وفقا للمادة 1- 231 من القانون الجنائي. والموظفون الذين جرت ملاحقتهم اتهموا بالضرب والاعتداء وليس بممارسة التعذيب. ولا يزال الموظفون الـ 220 إما قيد التحقيق أو برئت ساحتهم. وحكم على من ثبتت التهمة الموجهة إليهم بعقوبات خفيفة من قبيل دفع غرامة أو وقف مؤقت عن العمل، ولم يصدر الحكم بالعقوبة إلا في حق قلة منهم الشئ الذي يكرس الإفلات من العقاب”. [5″ سنوات من جهود المغرب لمناهضة التعذيب أية حصيلة؟ 2011/2016″، الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، حاصلة على الصفة الاستشارية لدى الأمم المتحدة (ECOSSOC)].

إن حرص الدولة على إفلات الجلادين من العقاب حرص على سلامة جهازها القمعي كي يؤدي مهامه باطمئنان تام. 

إن الحديث عن آليات مراقبة انتهاكات حقوق الإنسان، ليس إلا مدَّ طوق المساعدة لدولة الاستبداد، كلما طفت إلى السطح حقائق المعاملة داخل زنازين سجونه. وغالبا ما تنتهي إلى استحسانِ الأشواط التي قطعتها الدولة في “مجال حقوق الإنسان”، وأن ما يجري ليس إلا “استثناءات وشططا في استعمال السلطة” لا يجب أخذها معيارا لتقييمِ وضعية حقوق الإنسان بالبلاد.

لا يُفسر تراجع التعذيب وكل أشكال انتهاكات حقوق الإنسان منذ نهاية تسعينيات القرن بتقدم حقوقي مزعوم. السبب الجوهري وراء تراجع الحاجة إلى أشكال قمع بالغة الحدة، هو خفوتُ حدةِ الصراع الاجتماعي والسياسي منذ تمكن النظام من تطويع المعارضة الليبرالية وإبادة الجذرية.

استطاع النظام بفعل آليةِ الخداع السياسي المسماة “إنصافا ومصالحة” تبرئةَ الجلادين ووضع الأجهزة المسؤولة عن “سنوات الرصاص” خارج المساءلة والعقاب، محققا ربحا سياسيا منقطع النظير: تجديدُ شرعيةِ آليةِ القمع والإرهاب السياسي لاستعمالها ضد أية بادرة احتجاج أو معارضة سياسية قادمة، و”كذلك كان” ولا زال.

ما أن تصعد درجة محرار الصراع الاجتماعي، حتى تنقشع أصباغُ خطابات حقوق الإنسان و”الاستثناء الديمقراطي” والدخول إلى “نادي الدول الديمقراطية”. يتوارى الخَطَابِيُّونَ المُراءون ويتقدم رجل القمع بهراوته وحذاؤه الثقيل ليتولى “تنقية الأجواء”، وقمعُ النضالات وأشكال المعارضة السياسية، كي تصفو الأجواء من جديد لترويج صورة المغرب المنفتح على الديمقراطية وحقوق الإنسان.

هذا ما حصل تماما في الريف، ومَكَّنَ النظام من ضبط الوضع وتجاوز لحظات الأزمة التي يجد نفسه إزاءها كلما طفت إلى السطح أحداثٌ تخدش تلك الصورة التي يُسَوِّقُهَا إعلامُه.

استطاع النظام أن يضبط الوضع الاجتماعي بتوزيع جرعات القمع المحسوب، في الريف وجرادة والحسيمة. ساعده في ذلك تعاونُ الطيف السياسي الواسع من أحزاب ليبرالية وإسلامية، وكبحُ التضامن العمالي من طرف بيروقراطيات نقابية واعية بدورها في الحفاظ على “الاستقرار السياسي” و”السلم الاجتماعي”.

تحول الريف إلى ثكنة عسكرية دائمة، وفرضت حالة طوارئ غير معلنة، لكنها فعلية: منع للتجمعات والاحتجاج، ومداهمات واعتقالات، وتتبع لصيق لخطى المناضلين… الخ. أما التضامن فقد خفت منذ منع مسيرة 20 يوليوز 2017. وتأكد نقص التضامن وعدم فعاليته في العجز عن منع اجتثاث بنيات النضال واعتقال طلائعه.

نجح القمعُ ومناوراتُ النظام السياسية في احتواء الوضع. لعبت وسائل الإعلام الموالية صراحة أو ضمنا بانتظارات كادحي الريف وأسر المعتقلين. يجري إطلاق إشاعات لبث البلبلة في الصفوف. في كل عيد ديني أو وطني، تنتشر إشاعات قربِ ”الخطاب الحاسم” الذي سينصف المعتقلين، وتمر المناسبة تاركة طعم رماد في أفواه المنتظرين. لا نلوم أسر المعتقلين على ذلك، ما دام التضامن النضالي قد خيب ظنهم. توالت دعوات لتنظيم مسيرة تجاه الريف [الحسيمة] لفك الحصار، لكنها ظلت حبيسة إعلان النوايا وانتظار إشارات النظام، دون إقرانها بتعبئة فعلية لتنفيذها على الأرض.

ليس قمعُ حراك الريف وأحكام قضاء الاستبداد وأحداث التعذيب داخل سجونه صادرا عن مقاربة أمنية أو “غياب تبصر” و”قلة حكمة”، بل ملازم لدولة في خدمة الرأسمال المحلي والأجنبي، تنهج سياسات تزيد الفقراء فقرا، وتعزز غنى الأغنياء، إنه لازمةَ مجتمع مخترق بتناقضات عميقة تمد جذورها في بنيته الاقتصادية-الاجتماعية. وما دام هذا قائما فإن التعذيب سيظل آلية دائمة من آليات القمع الطبقي الذي تسلطه دولة الرأسمال لقمع النضال واجتثاث طلائعه من حاضنتها الشعبية.

نظمت عائلات معتقلي الريف وقفة أمام المندوبية السامية للسجون يوم 8 نوفمبر 2019، وعلينا إكمال واجب التضامن من أجل فك أسرى النضال الشعبي من فك سجون نظام الاستبداد. لا يكفي التضامن المبدئي عبر إصدار البيانات وتقديم “شكاية لدى محكمة النقض بالعاصمة الرباط”، والتهديد بـ “خطوات دولية والتي تشمل اللجوء إلى الآليات الأممية التي يتطلب اللجوء إليها استنفاذ كافة الإجراءات الوطنية” في حالة “لم تعط أي خطوة على المستوى الوطني نتيجة”. كل هذا مطلوب لكنه لن يشكل إزعاجا لنظام الاستبداد إلا إذا كان مقرونا بتضامن فعلي على الميدان، يتعدى المسيرات الوطنية بالرباط والبيضاء التي يصر منظموها على بعث رسالة إلى جهة ما. فالحاكمون في غنى عن رسائلنا، هم يعرفون ماذا نريد، ويعلمون أكثر ماذا يريدون. إننا في نزال، في معركة معهم. معركة نحن في بدايتها ليس إلا. من لا يدرك هذا ساذج، أو ضحية تضليل سياسي.

لا غنى عن تعبئات محلية وحفز النضالات الشعبية وفي صلب مطالبها “فك أسرى حراك الريف”. الظرف موات جدا، فالنظام يترقب نتائج النزال بين شعوب المنطقة المنتفضة من جديد [الجزائر، العراق، لبنان، السودان…] وأنظمة الاستبداد، ويترقب أكثر إمكان امتداد ذلك إلى المغرب. إن الظرف مناسب لمزيد من التعبئة بقصد استنهاض قوى نضال إضافية، ولنضع على عاتقنا الاستجابة لمقترح أحمد الزفزافي- منذ مسيرة أبريل 2019 بالرباط- تنظيم مسيرة نحو قلب الريف/ الحسيمة لرفع طوق الحصار القمعي عنه.

الحرية لمعتقلي الحراكات الشعبية

المحاسبة والعقاب للمتورطين في قمع الجماهير وتعذيب طلائع نضالها في سجون الاستبداد

بقلم، مجيد الأحمر

Print Friendly, PDF & Email