مداخل نضال عمالي وشعبي ضد التعذيب في أماكن الاعتقال والسجون

أثارت تصريحات معتقلي الريف بشأن تعذيبهم النقاش مجددا حول موضوع التعذيب في أماكن الاعتقال والسجون. وكانت الدولة قد ادعت أنها قطعت مع هذه الممارسة بتقديم “ضمانات عدم التكرار” من طرف “هيأة الإنصاف والمصالحة”، وبإيداع المغرب لصك الانضمام إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، الذي صادق عليه بموجب القانون رقم 12.124 الصادر في الجريدة الرسمية (يوليوز 2013).

شهدت أشكال القمع القصوى [اختطاف، تعذيب…] تراجعا ملحوظا منذ نهاية التسعينيات، ويُفَسِّرَ هذا بـ:

– بضغط الحركة الحقوقية وعائلات المعتقلين النضالي، في سياق حفز القوى الامبريالية الوصية الحريصة على مصالحها محليا، للتكيف مع روح العصر تفاديا لمفاقمة تفجرية الوضع .

– تكيف مع الأجيال الجديدة التي يتعذر حكمها بنفس آليات العقود الاولى من الاستقلال الشكلي. ما عبر عنه الأمير هشام قائلا: “في نهاية حياته، وعى الحسن الثاني أنه ليس من جيل الانترنيت، وأنه غريب عن عالم الشباب الذين يشكلون غالبية الشعب… لقد وصل الملك إلى الاقتناع بأن “الحرية هي الشيء الذي يسحر الناس”، وأن مستقبل الملكية سيرتبط بالحصول على كثير من الحريات المدنية، وقرر ألا يعرقل السير نحو المستقبل، ولو أنه يرغب في إبقاء الأمور هادئة حتى رحيله. لقد استبطن فكرة أنه أصبح اليوم عبئا على البلاد بدل أن يكون عنصر قوة بالنسبة للمغرب”. [“سيرة أمير مبعد”].

– انتفاء الحاجة إلى تلك الأشكال القصوى من القمع بسبب استسلام المعارضة التاريخية (الكتلة الليبرالية المسماة زورا بالديمقراطية) وإبادة الجذرية، من يسار ماركسي وشعبوي.

لكن في هذه الفترة، سجل المغرب استمرار التعذيب والاختطاف القسري، مع تحويل اتجاهه نحو السلفية الجهادية. انخرط المغرب في سياسة “محاربة الإرهاب” بقيادة الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر 2001. وتعرض مئات من المحسوبين على السلفية الجهادية للاختطاف والتعذيب، كما تعرض كادحو مدينة سيدي إفني للتعذيب في مخافر الشرطة، وهو ما سجل أيضا في حراك الريف.

عارضت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وقسم من منتدى الحقيقة والإنصاف عملية “الإنصاف والمصالحة” لأنها رفضت أهم شروط عدم التكرار، أي محاسبة المتورطين في جرائم التعذيب والتقتيل. لكن الدولة والجمعيات الحقوقية الموالية لها أصرت على عدم المحاكمة، ومن ثم الافلات من العقاب، قصد تجديد شرعية جهاز قمعها وتأمين خدماته.

ولذلك أيضا، ظلت آليات مراقبة التعذيب التي تنص عليها قوانين المغرب، قاصرة عن مراقبة ما يحدث داخل المعتقلات والسجون، بسبب كونها آليات رقابة داخلية لا ترقى إلى تلك التدابير التي نص عليها البروتوكول الاختياري لمناهضة التعذيب.

نص البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب على إحداث آلية وطنية للوقاية من التعذيب تتمتع باستقلال وظيفي وباستقلالية العاملين بها ويتوفر خبراؤها على القدرات والدراية المهنية والموارد اللازمة للاضطلاع بمهامهم.

يفصل البرتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب في القسم الرابع الخاص بالآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، مجموعةً من الإجراءات أهمها: الزيارة المنتظمة للأشخاص المحرومين من الحرية في أماكن الاحتجاز، حرية اختيار الأماكن التي تريد زيارتها والأشخاص الذين تريد مقابلتهم، حماية الأشخاص الذين يقومون بتبليغ الآلية الوقائية الوطنية بأي معلومات… إلخ

تضمن هذه الإجراءات رقابة فعلية لما يحدث داخل أماكن الاحتجاز، لذلك تعمل الدولة على تقييد إمكان تنفيذها في حالة تشكيل هذه “الآلية الوطنية بالمغرب”. ولهذا أُسْنِدَتْ إلى “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” بدل الصيغة التي ينص عليها البروتوكول الاختياري: استقلالية الآلية عن الدولة.

المجلس الوطني لحقوق الإنسان خَلَفُ المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي عينه الحسن الثاني سنة 1990. وفي عام 2001، في إطار تفعيل توصيات “هيأة الإنصاف والمصالحة”، جرى تحويله إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان. وهي مؤسسة تندرج في إطار توجه الدولة لتحسين صورتها في مجال حقوق الإنسان، وَوُوجِهَت باعتراضات الجمعيات الحقوقية التي تؤكد على ارتباطها بالدولة وانتفاء استقلاليتها.

قَيَّدَ قانون رقم 76.15 القاضي بإعادة تنظيم المجلس الوطني لحقوق الإنسان بتاريخ 22 فبراير صلاحيات هذا الأخير، حيث أعطى “السلطات العمومية”حق  الاعتراض على إجراء المجلس لتحريات وتحقيقات بمبرر “السر المهني عندما يتعلق عندما يتعلق الأمر بالدفاع الوطني أو بالأمن العام أو لدواع خطيرة…”.

أثير جدل حول منهجية تشكيل الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب بين إسنادها للمجلس الوطني لحقوق الإنسان وتأسيسها كآلية مستقلة لمراقبة الامتثال لتطبيق المعايير الدولية في مجال التعذيب.

حُسِمَ الجدل في الدورة العادية الأولى للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، المنعقدة يوم السبت 21 شتنبر 2019، حيث أسندت إليه الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، ما يحرمها من الاستقلالية التي نص عليها البروتوكول الاختياري وطالبت به الجمعيات الحقوقية بالمغرب.

تظل النصوص القانونية مكاسب يجب الدفاع عنها والعمل من أجل إنفاذها، لكنها تظل رهينة ميزان القوى. وأبسط تغير في المناخ السياسي وارتفاع حرارة الصراع الاجتماعي يدفع الدولة لتعليقها، رغم أن “اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة” [ديسمبر 1984] نصت على أنه: “لا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية أيا كانت، سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديدا بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو اية حالة من حالات الطوارئ العامة الاخرى كمبرر للتعذيب”.

تحتل المنظمات العمالية مكانة مهمة في النضال ضد التعذيب بالمغرب، فهي التي تنظم الطبقة الأكثر قدرة على هزم جهاز القمع وإجبار الدولة على الاستجابة لمطالب محاكمة الجلادين واحترام البروتوكول الاختياري للوقاية من التعذيب، والنضال من أجل تفعيل حقيقي لآليات الوقاية من التعذيب.

يستوجب القضاء على التعذيب وكل صنوف المعاملة القاسية داخل أماكن الاعتقال والسجون حركة نضال تضع على عاتقها مطالب آنية مثيل:

– إجبارية حضور المحامين في أي جلسة استنطاق منذ لحظة الاعتقال حتى التقديم أمام المحكمة.

– حق الحصول على خبرة طبية من طرف هيئة أطباء مستقلة، خبرة مضادة لتلك التي يجريها طب النيابة العامة.

– إجبارية وضع أماكن الاعتقال [مخافر الشرطة والدرك] تحت مراقبة بكاميرات تكون أشرطتها رهن إشارة محامي المعتقلين وعائلاتهم والجمعيات الحقوقية.

– تشكيل هيئة مراقبة مستقلة للقيام بزيارات منتظمة إلى أماكن الاحتجاز، وعدم تقييدها بموافقة المندوب العام لإدارة السجون. على تضم عضويتها النقابات العمالية والجمعيات الحقوقية وعائلات المعتقلين والمنتخبين.

– وضع المندوبية العامة للسجون تحت وصاية وزارة العدل، التي تخضع بدورها للمراقبة والمساءلة من طرف البرلمان.

– حل جميع أجهزة القمع السرية ووضع أرشيفها تحت إشراف الجمعيات الحقوقية، للتحقيق ومحاكمة جميع المتورطين في جرائم الاختطاف والتعذيب، سواء تلك التي وقعت أثناء ما أطلق عليه “سنوات الرصاص” أو بعدها.

– وضع “الأجهزة الأمنية” تحت رقابة المؤسسات المنتخبة، وتحويل الشرطة والدرك إلى أجهزة بلدية تحت رقابة المجالس المنتخبة من طرف المواطنين، وحصر دورها في تنظيم المرور والحفاظ على أمن المواطنين، ومنعها من التدخل ضد الاحتجاجات الشعبية.

– حق أعضاء “الأجهزة الأمنية” في الانتماء النقابي للدفاع عن حقوقهم.

بقلم، مجيد الأحمر 

Print Friendly, PDF & Email