من أجل مضمون عمالي لانتخابات اللجان الثنائية

تُنظَّم انتخابات اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء طيلة شهر يونيو 2021، في سياق اجتماعي مطبوع بالهجوم الشرس للدولة وأرباب العمل وبنضال شعبي وعمالي في خط الدفاع الأخير عما تبقى من فتات مكاسب تاريخ طويل من النضال ضد الاستعمار والاستبداد.

انطلقت الحملة الانتخابية في جو مطبوع بتنافس شبه فارغ بين النقابات، وكأن التمثيلية وما تتيحه من امتيازات هي الغاية الأسمى، وليس استنهاض همم شغيلة الوظيفة العمومية لتنظيم دفاعها وتوحيدها وكبح الهجوم البرجوازي على مكاسبها.

وسط هذا النوع من الحملة يسطع عمل نقابين- ات كفاحيين- ات يجهدون لإعادة المصداقية لدور النقابة كأداة توحيد لجسم الشغيلة من أجل النضال. إلى هؤلاء وإلى القاعدة العمالية المطحونة نتوجه بهذا النص، من أجل الإغناء وتطوير النقاش.

ونُذكِّر أننا لا نفاضل بين هذه النقابة أو تلك، فكلها بالنسبة لنا أدوات نضال الشغيلة وقعت تحت هيمنة قوى غير عمالية (إما تابعة مباشرة للقصر مثل الاتحاد المغربي للشغل، أو هي أذرع لأحزاب برجوازية ليبرالية أو رجعية). لذلك فإن دعوتنا للتصويت لهذه اللائحة النقابية أو تلك ليس تفضيلا لهذه النقابة دون تلك، أو تزكية للخط البيروقراطي القائم على التعاون الطبقي مع البرجوازية ودولتها. ندعو للتصويت للائحة نقابية فقط لأننا نناضل داخل تلك النقابة، ولو كنا في نقابة أخرى لدعونا للتصويت للائحتها.

الانتخابات المهنية: مكسب محدود وصلاحيات ضيقة

جرى إحداث اللجان الإدارية متساوية الأعضاء على صعيد الإدارة المركزية طبقا لمقتضيات المرسوم رقم 2.59.0200 المطبق بموجبه بخصوص اللجان الإدارية الفصل 11 من ظهير شريف رقم 2.58.008 (24 فبراير 1958 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية تم تغيير وتتميم بعض فصوله بمراسيم خلال سنوات 1959 و1964 و1970 و1985 و1997. وجاء هذا النظام في سياق دولي متسم بتنامي نضال الطبقة العاملة وشعوب العالم، أتاح لهذه الأخيرة تحقيق جملة مكاسب لطفت شروط الاستغلال، وفرضت تمويل عمومي للخدمات الاجتماعية، ومكنت ممثلي الشغيلة من المشاركة في تدبير شؤون الموظفين وعموم الأجراء.

في الدولة كما في الاقتصاد، يظل القرار في يد من يملك السلطة الحقيقية: السلطة السياسية بالنسبة للحاكم (الملكية بالمغرب) والسلطة الاقتصادية بالنسبة لأرباب العمل. وبالتالي فإن هامش وهم الإشراك يظل ضيقا جدا سواء في المؤسسات التمثيلية (البرلمان ومجلس المستشارين) أو في اللجان الثنائية، ومحكوما بميزان القوى الطبقي بين طبقتي البرجوازية والأجراء.

لم يتعد قط دور ممثلي الشغيلة في اللجان الثانية الجانب الاستشاري قبل البث في أمور بعينها: الترقية في الدرجة والرتبة، العقوبات، الإعفاء والاستقالة. ومع الهجوم على الوظيفة العمومية جرى نزع الاستشارة في بعض الملفات من هذه اللجان مثل الاستيداع الإداري وترسيم الموظفين- ات المتمرنين- ات والأعوان المؤقتين… أما داخل المقاولة فإن أرباب العمل المستقويين بتراجع النقابة في القطاع الخاص، قد قطعوا أشواطا في إفراغ مؤسسة مناديب العمال من دورها. بل أكثر من ذلك أصبحت اللوائح الانتخابية تُحدَّد من طرف الإدارة في بعض المقاولات.

بشكل عام، لا تشكل اللجان الثنائية ومناديب العمال (والانتخابات المهنية بالمجمل) وسيلة لتخلص الأجراء من عبودية الأجرة والتحرر من إكراه العمل خوفا من الموت جوعا، بل ظلت دائما وسيلة لتلطيف أوجه الاستغلال سواء داخل المقاولة أو الجهاز الإداري للدولة. لكنها تبقى مع ذلك مكسبا يجب الدفاع عنه، فالطبقة العاملة تستطيع إسقاط نظام الاستغلال الطبقي فقط بتلطيفه ما يحسن شروط النضال ضده.

لذلك تُطرَح علينا مهمة استغلال فرصة التواصل المباشر والواسعة التي تفتحها الانتخابات المهنية لتوضيح أن التنظيم النقابي هو ما يجب أن تَعتمِد عليه الشغيلة لتحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، فهذا شأن جماعي، في حين تقتصر جدوى اللجان الثنائية في تخفيف المشاكل الفردية (علاقة الموظف- ة بالإدارة)، ونتفق هنا تماما مع مضمون الفيديو التعبوي لفرع النقابة الوطنية للتعليم- كدش بزاكورة*.

الانتخابات المهنية 2021: سياق الهجوم الشامل على الشغيلة وأزمة النّضال النقابي

تجري الانتخابات المهنية لسنة 2021 في سياق مطبوع بهجوم معمم وشامل على ما تبقى من فتات مكاسب العقود السابقة. وقد احتل الهجوم على الوظيفة العمومية الواجهة، بعد أن تمكن أرباب العمل ودولتهم من تصفية مجمل مكاسب شغيلة القطاع الخاص منذ مطلع سنوات 2000.

يتميز السياق أيضا بتراجع نقابي حاد، ليس فقط على المستوى النضالي والانغراس، بل أيضا في جانب اتفاق القيادات النقابية مع المنطق النيوليبرالي للدولة، وتسلل مفاهيم الهجوم النيوليبرالي إلى بياناتها ومقرراتها. وأصبح النضال والإضراب آخر “الأوراق” مع تفضيل آليات الحوار والوساطة والدعوة إلى مأسستها، وتسعى فقط إلى انتزاع فتات يلطف وَقْعَ الهجوم. ولا يمكن تفسير هذا المآل فقط بمصالح البيروقراطيات أو المسلكيات الانتهازية ومحاربة الدولة للعمل النقابي، ولكن أيضا بالمستوى بالغ الضعف الذي توجد عليه القاعدة العمالية وعدم ثقتها في نفسها، وهو ما شهدناه أيضا في التنظيمات حديثة العهد والشابةِ قاعدتُها أي تنسيقية التعاقد المفروض.

لم يعد هناك فرق جوهري كبير بين قيادات النقابات، بل هناك تميزات تفرضها أمور لا علاقة لها بموقف قيادة هذه النقابات من الهجوم النيوليبرالي: مثل الضغوط التي تتعرض لها القيادة من القواعد ووجود مناضلين- ات كفاحيين- ات، أو ارتباطها بحزب معارض يجعل القيادة تناوش لكن بنفس لغة الحزب المهيمنة على قيادتها. هذا ما يجعل مثلا من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تبدو أكثر كفاحية مقارنة بالمركزيات النقابية الأخرى وحرية أوسع في للمبادرات القادمة من الفروع الكفاحية، وهو أمر نعيه تمام الوعي ونسعى لاستثماره، ليس فقط لإعلان فخر الانتماء ولكن لنَقْلِه إلى باقي المركزيات النقابية كنموذج لما يجب أن يكون عليه النضال النقابي.

إن هذه المناوشة الناتجة عن ضغوط القاعدة بالدرجة الأولى هي التي تدفع الدولة إلى دعم نقابات بعينها [خاصة الاتحاد المغربي للشغل] في الانتخابات المهنية الأخيرة، وتفصيل التقطيع الانتخابي بما يُعتَبر تضييقا على النقابات الأخرى (انظر بلاغ مكتب كدش التنفيذي 2 يونيو 2021). وهو أمر مرفوض كليا ويستدعي نضالا ليس فقط ضد “التدخل السافر لعدة أطراف في الإدارة العمومية وبعض المقاولات للضغط على المرشحين…”، بل ضد منظور الاستبداد الذي فصل دور النقابة في “تأطير المواطنين والوساطة والحوار”، ومن أجل إعادة النقابة إلى علتها الأصلية كأداة نضال من أجل إلغاء الاستغلال الرأسمالي وليس تلطيفه.

لكن هذه المناوشات في التفاصيل لا يجعلنا نفاضل بين النقابات، فحتى الكونفدرالية تفضل مأسسة للحوار الاجتماعي من أجل “التدبير التوقعي والوقائي للنزاعات الاجتماعية”**، وهي ذاتُ التوصية التي تبنتها لجنة النموذج التنموي الجديد في تقريرها العام: “تحسين آليات الوقاية والحلول السلمية لنزاعات الشغل مع لجوء أكبر للوساطة”.

تصبح الانتخابات المهنية في هكذا سياق وسيلة للاندماج في مؤسسات الدولة وليس للنضال ضدها. وتَعتبر القياداتُ النقابية انتخابات اللجان الثنائية معركة ذات أولوية لأن نتائجها حاسمة في تحديد النقابات الأكثر تمثيلية، التي تفتح في وجهها طرق “المأسسة” التي تطالب بها وما تمنحه من امتيازات: الحوار، لائحة المتفرغين، نسبة التمويل العمومي، وعدد ممثلي النقابات في مجلس المستشارين وهيئات أخرى (مجلس المفاوضة الجماعية، المجلس الأعلى لانعاش التشغيل، مجلس طب الشغل و الوقاية من الأخطار المهنية، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، المجلس الأعلى للتعاضد، المجلس الأعلى للوظيفة العمومية، والتعاضديات، صناديق التقاعد، المجلس الأعلى للتعليم، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي…).

هذه هي خلفية الحمى والنشاط المفرط الذي يتخلل الجسم النقابي مع اقتراب مواعيد الانتخابات المهنية، ويسهم هذا بدوره في إضعاف العمل النقابي بدل أن يقويه. فشكل الحملة ومضمونه يزرع الأوهام في أذهان الشغيلة بأن تلك الانتخابات وما ينتج عنها (اللجان الثنائية ومناديب العمال) قادرة على انتزاع المكاسب، وليس النضال والإضراب.

وبسبب انتفاء الفروق الجوهرية بين مجمل النقابات واتفاقها مع جوهر الهجوم النيوليبرالي (واختلافها حول التفاصيل ووتيرة التنفيذ)، فإن الحملة الانتخابية الأخيرة اتسمت بطابع التنافس الحزبي (إن لم نقل السوقي الرخيص).  اشتعلت حرب انتخابية بين قيادات النقابات وأنصارها حول من يمثل النقابات الجادة ومن يمثل العكس، وانتعش شعار “فخر الانتماء” الأقرب إلى العلامات التجارية في سوق الإعلان والإشهار. وتجندت الأجهزة النقابية بطريقة لا نشهد لها مثيلا في التضامن مع نضالات الشغيلة أو في التعبئات النضالية والإضرابات المحدودة التي تنظمها هذه النقابات.

من شأن هذا أن يدمر ما تبقى من مصداقية العمل النقابي، إذ يفتح الباب لغزو جيش من الانتهازيين الساعين وراء مكاسب التفرغ والولوج إلى مؤسسات الدولة ومجالسها. وقد أسهم هذا سابقا في إضعاف الحركة النقابية عبر تكريس ثقافة الفصل بين القيادة والقاعدة النقابيتين، وتمكين شريحة من النقابيين من التحكم في الحركة النقابية عبر فرض سياسة التعاون مع الدولة وأرباب العمل وبالمقابل الحفاظ على امتيازاتها من قبل التفرغ والتمويل باسم التمثيلية.

من أجل مضمون عمالي للانتخابات المهنية

النقابات أدوات نضال الشغيلة من أجل تلطيف أوجه الاستغلال في أفق إسقاطه واستبداله بمجتمع خال من الاستغلال الطبقي. تمكنت الدولة وأحزاب البرجوازية منذ الاستقلال الشكلي من الاستيلاء على أدوات نضال الطبقة العاملة هذه، وحولتها إلى أجهزة للتحكم في الطبقة العاملة وإذكاء التنافس بين أقسامها بدل التضامن الطبقي. ويمثل التنافس لنيل أصوات الشغيلة عبر الانتخابات المهنية وإحراز صفة الأكثر تمثيلية إحدى أكثر وسائل إذكاء هذا التنافس فعاليةً.

يفرض الهجوم المعمَّم القائم حاليا أقصى درجات التضامن العمالي، وبالتالي محاربة شرسة لكل أوجه بث الفرقة والشتات في صفوفها، وأهمها التنافس الانتخابي.

التنافس بين النقابات العمالية أسوء وسيلة لخوض الانتخابات المهنية، في حين أن أفضلها وأكثره نفعا لتقدم نضال الشغيلة ووحدتها هي جعلها فرصة للتحريض والتشهير بهجمات الدولة وأرباب العمل ومخاطبة النقابات بشعار التعاون الطبقي العمالي لكبح هذا الهجوم، بدل التشهير ضدها بما تقترفه كل القيادات النقابية من تعاون طبقي مع أرباب العمل ودولتهم وكبح النضالات وتفضيل “الحوار” على النضال.

نجحت الآلة الإعلامية الجبارة للدولة والأحزاب البرجوازية (وبتضافر مع غياب الإعلام النقابي العمالي) في قصفَ وعي الشغيلة بضرورة هذا النوع من “الإصلاح”. وتعتبر لحظة الانتخابات المهنية، حيث أذهان الأجراء مشدودة بشكل جماعي، مناسبة سانحة لتوضيح المرامي الحقيقية لهذا “الإصلاح”، وكيف سيعصف بما تبقى من فتات مكاسب العقود السابقة.

تشن الدولة حاليا هجوما كاسحا على الإدارة الوظيفة العمومية، وصفه التقرير العام للجنة النموذج التنموي بـ”الاستعجالي” ومضمونه هو تفكيك مكاسب العمل القار والنظامي واستبداله بآليات “تدبير الموارد البشرية” المستقاة من القطاع الخاص: معايير فردية لتقييم جودة الخدمات وترشيد التدبير العمومي وتبسيط المساطر.

من ضمن هذه المكاسب اللجان الثنائية ذاتها، التي تعمل الدولة على إفراغها من دورها الذي كانت تكفله لها قوة النقابة (منع تعسف الإدارة في إجراءات بعينها خاصة العقوبات، وتلطيف أوجه الاستغلال). وسيكون تمرير هذه الهجمات بوابة الاستغناء عن اللجان الثنائية في حالات عدة في أفق الاستغناء عنها نهائيا، لأنها تشكل عائقا أمام مخطط التدمير الشامل للخدمة العمومية والمكتسبات المواكبة لهذه الخدمة.

إن حدة الهجوم وطابعه الشمولي يستدعي وحدة المقاومة. وبدل التنافس الانتخابي بين ما يفترض فيه أن يكون أدوات توحيد الشغيلة وقوتها، فإن دور ممثلي- ات الشغيلة في اللجان الإدارية (وما ينتج عنها من تمثيليات أخرى) هو فتح أعين الشغيلة على ضرورة الوحدة النضالية ووعي مستوى ما بلغه الهجوم البرجوازي.

يستدعي هذا خروجا عن مألوف سير عمل هذه اللجان وأعضائها. وبدل الالتقاء المناسباتي الذي تفرضه وتيرة العمل الإداري والمؤسساتي، نقترح تواصلا دائما لأعضاء اللجان الثنائية مع القاعدة التي انتخبتهم، وعقد مؤتمرات محلية وجهوية تضم ممثلي- ات الشغيلة المنتخبين- ات من كل النقابات، تنتهي بعقد مؤتمر وطني عام لنقاش ما يتعرض له الموظفون- ات من زحف على المكاسب واقتراح سبل مواجهتها، وعلى رأسها: وحدة نضال شغيلة الوظيفة العمومية.

يوجد في كل النقابات وخارجها شغيلةٌ مستاءة من أوضاعها الشغلية والاجتماعية ومناضلون- ات كفاحيون- ات صادقون- ات يعملون جاهدين- ات من أجل إعادة المصداقية للنقابة كأداة نضال. إلى تلك القاعدة العمالية يجب أن تتوجه حملاتنا الانتخابية دون السقوط في فخ التنافس بين تنظيمات من المفترض أن تشكل أدوات توحيد.

لتكن شعاراتنا:

– من أجل وقف كلي لأوجه الهجوم على أجراء- ات الوظيفة العمومية: التعاقد، “إصلاح” أنظمة التقاعد، “آليات التدبير الحديثة للموارد البشرية: الأجر مقابل العمل، والترقية بالمردودية”… إلخ.

– إسقاط كل القوانين والإجراءات القامعة لحرية العمل النقابي: مشروع قانوني الإضراب وتأسيس النقابات، الاقتطاعات… إلخ.

– من أجل دور تقريري للجان الثنائية، وليس فقط استشاري. من أجل تلعب اللجان الثنائية وممثلي- ات الموظفين- ات دورا في كبح الهجوم وليس مسهلا له.

بقلم: وائل المراكشي

هوامش

Hits: 265

شارك المقالة

اقرأ أيضا

Hits: 265