اعتصام وإضراب عن الطعام بقصبة تادلة: حوار مع المناضل محمد الوسكاري

الشباب و الطلبة8 يناير، 2026

1*  محمد الوسكاري مرحبًا بك. هل يمكنك أن تعرّف القارئ(ة) بك؟

مرحبًا، وتحية إجلال وإكبار لكل قارئات وقراء جريدتكم الكريمة، ولكل من يتابع معركة الكرامة ويدعم صوت الحق. شكرًا لكم جميعًا على مواكبتكم واهتمامكم بمعركتي النضالية، التي تحوّلت إلى مرآة تعكس معاناة فئة عريضة من الشباب المغربي المعطّل وكل المهمّشين.

أنا محمد الوسكاري، شاب مغربي أبلغ من العمر 36 سنة، حاصل على شهادة الإجازة في القانون الخاص بميزة حسن وستّ ميزات، معطّل عن العمل، وربّ أسرة تتكوّن من زوجتي مريم العروصي، الحاصلة بدورها على شهادة الإجازة والمعطّلة، وأبنائي الأربعة: سيف الإسلام (14 سنة)، آدم (7 سنوات)، رزان (سنة ونصف)، وأخيرًا آخر العنقود ناصر (11 يومًا)، الذي تابع الجميع ولادته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تزامنًا مع معركة الكرامة.

أما بخصوص مقرّ السكن، فأعتبر نفسي نازحًا داخل وطني، أتنقّل بلا مأوى قارّ أو مستقر، وأعيش هشاشة يومية تعكس واقع ملايين الشباب المغاربة المعطّلين. حاليًا استقَرّ وضعي بمدينة قصبة تادلة، التابعة إداريًا لإقليم بني ملال ومن ثم لجهة بني ملال- خنيفرة، غير أن هذا الاستقرار يظل هشًّا ومعلّقًا على ظروف اجتماعية واقتصادية قاسية لا تكفل أبسط حقوق العيش الكريم.

وأنا اليوم أمثّل فئةً مهمّشة من أبناء هذا الوطن، فئة اجتهدت وناضلت وعانت أشدّ المعاناة من أجل شغل ضامن للكرامة، ألا وهي فئة المعطّلين التي اصطدمت بواقع تشغيل مرير.

2* بالنسبة لقصبة تادلة: ما هي مقوماتها الاقتصادية؟

حقيقة، ورغم أنني لا أريد ربط المعركة بمدينة أو قرية بعينها، لأنها أكبر من ذلك، إلا أنه لا بد من توضيح بعض المعطيات بخصوص مدينة قصبة تادلة، أو كما يفضّل سكانها الأصليون من القبائل الأمازيغية تسميتها “سمݣت”.

اقتصاديًا، تقع المدينة بين الدير والسهول الخصبة، جغرافيًا ضمن سهل تادلا، المعروف بتربته الخصبة الصالحة للفلاحة، ما يجعل من النشاط الفلاحي النشاطَ الاقتصادي الأول بالمنطقة.

غير أننا نميّز بين فلاحين صغار يعتمدون على زراعة معيشية بوسائل بسيطة ومردودية ضعيفة لا تكاد تسدّ حاجياتهم اليومية، خاصة مع توالي سنوات الجفاف، وبين كبار الفلاحين وملّاك الأراضي الشاسعة من ذوي النفوذ، الذين يعتمدون أساليب زراعية حديثة، بمردودية كبيرة موجّهة في الغالب للأسواق الخارجية، مع التحكم في السوق المحلية عبر تصريف ما تبقى من منتجات رديئة الجودة. وعندما نتحدث عن النفوذ، فإننا نتحدث أيضًا عن كل مظاهر الاستغلال الطبقي لفئة العمال الفلاحيين.

أما صناعيًا، فقد تعرّضت قصبة تادلة، كسائر المناطق المهمّشة، لجريمة صناعية حقيقية تمثّلت في إغلاق مصنع “إيكوز” للنسيج في تسعينيات القرن الماضي، وهو ما خلّف مآسي اجتماعية طالت أكثر من 500 عائلة، أي ما يعادل ربع سكان المدينة بشكل مباشر وغير مباشر، في مدينة لا يتجاوز عدد سكانها 47 ألف نسمة. كان هذا الإغلاق، في تقديرنا، عقابًا سياسيًا بسبب النشاط النقابي، رغم أن المصنع كان من بين أفضل مصانع النسيج في إفريقيا، وهو ما يؤكد وجود إرادة سياسية انتقامية لتهميش المدينة وساكنتها.

ولنسَمِّ الأمور بمسمياتها: المدينة منكوبة اقتصاديًا بعد قتل جميع متنفساتها الاقتصادية. الجهة ككل تسجّل أدنى معدلات النمو الاقتصادي وطنيًا، رغم غناها بالأراضي الخصبة وبالثروة البشرية. كما تضم مدينة خريبݣة، المعروفة بثرواتها الباطنية وعلى رأسها الفوسفاط، الذي يساهم بشكل كبير في جعل المغرب من أكبر المصدّرين عالميًا، لكن هذا الثراء لا ينعكس على الساكنة ولا على التنمية المحلية، باستثناء فئة قليلة من المستفيدين.

كما تتوفر الجهة على مؤهلات سياحية مهمّة كان يمكن أن تجعل منها وجهة سياحية بامتياز، غير أن غياب الإرادة الحقيقية، وضعف أداء المنتخَبين، يفرغان هذه الإمكانيات من مضمونها. مدينة قصبة تادلة تتوفر مثلًا على القصبة الإسماعيلية، التي تُترك اليوم للإهمال رغم الموارد المرصودة لترميمها.

3*  وكيف هي الأوضاع الاجتماعية بالمدينة؟

الأوضاع الاقتصادية السالفة الذكر تنعكس بشكل مباشر على الوضع الاجتماعي. فغالبية السكان يعيشون الهشاشة، والأغلبية الساحقة من الشباب هاجروا، إما نحو أوروبا أو في إطار الهجرة الداخلية نحو مدن مثل طنجة وأكادير بحثًا عن لقمة العيش. ويكفي أن نشير إلى وفاة عشرات الشباب في قوارب الموت خلال السنوات الأخيرة لتأكيد حجم المأساة.

الهجرة يغذّيها أيضًا الغياب شبه التام لفرص الشغل، بل حتى لسياسات تشغيل ذات مقاربة اجتماعية، إذ تُوزّع المناصب القليلة وفق منطق الولاء الانتخابي. كما أن الوحدات الصناعية القليلة بالجهة تستغل جيش المعطّلين بظروف وأجور هزيلة لا تمكّن من الاندماج الاجتماعي أو تكوين أسرة.

الفقر المدقع يدفع كذلك شباب المنطقة نحو أنشطة غير مهيكلة، وأحيانًا نحو أنشطة غير قانونية.

4* ماذا عن الأوضاع البيئية؟

بيئيًا، هناك تراجع ملحوظ. فقصبة تادلة كانت تُعدّ من أنظف المدن وطنيًا، ويُضرب بها المثل في المساحات الخضراء، لكننا نشهد اليوم توجهًا إسمنتيًا واضحًا لدى النخب المتعاقبة، دون أي مقاربة بيئية في المشاريع التنموية.

كما يتعرّض نهر أم الربيع لجريمة بيئية حقيقية بسبب أنشطة المكتب الشريف للفوسفاط، حيث يعاني ساكنة الأحياء القريبة من روائح كريهة وتلوث المياه. أما نظافة المدينة، فالشركة المفوَّض لها هذا القطاع لا تحترم دفتر التحملات، لا تجاه العمال ولا تجاه توفير الوسائل البشرية واللوجستيكية اللازمة.

وأعتذر إن بدوت سوداويًا، رغم أنني في العمق متفائل؛ فالسوداوي هو من يعجز عن رؤية التغيير، أما المتفائل فينتقد لأنه يرى إمكانية واقع أفضل، محليًا ووطنيًا.

5* بلغ إضرابك عن الطعام يومه 67 واعتصامك يومه 109، هل لك أن تحدثنا عن حيثيات هذه الخطوة؟

بالطبع. كما هو حال آلاف الشباب اليوم، وبعد سنوات من الدراسة والمثابرة والتفوّق، وجدت نفسي مجبرًا على العيش في وضع لا يليق بكفاءة وطنية أفنت عمرها في التكوين. زوجتي بدورها تعيش الوضع نفسه.

ورغم أن الدستور، على علّاته، يقرّ الحق في الشغل على أساس الكفاءة، ورغم أن المواثيق الدولية تكرّس الحق في شغل لائق، فإن البطالة التي نعيشها ليست نتيجة نقص في الكفاءة، ولا حظ عاثر، ولا قضاء وقدر، بل نتيجة استهداف ممنهج لكل من تجرأ على قول كلمة الحق وانتقاد السياسات العمومية اللاشعبية واللاوطنية.

منذ انخراطنا في الحركات الاجتماعية، بدءًا من حركة 20 فبراير، أصبحنا هدفًا للحرمان من حقوق أساسية. شخصيًا، كنت أُطرد من أي عمل بسيط بعد أيام بسبب الضغط على المشغّلين، رغم أن تلك الأجور لا تكفل أصلًا العيش الكريم.

بعد صبر طويل واستنزاف نفسي واجتماعي، خضت معركة الصمود سنة 2021، التي جرى الالتفاف على مخرجاتها، ما دفعني إلى خوض معركة الكرامة أواخر سبتمبر من السنة الماضية. وبعد طرق كل الأبواب، لم أجد حلًا لوضعيتي الاجتماعية سوى الاعتصام، دفاعًا عن حقي في الشغل والكرامة.

تعرضت خلال الأيام الأولى لاعتداءات من بلطجية مأجورين، كما تعرّضت زوجتي الحامل لاعتداء جسدي عنيف خلال مسيرة نحو ولاية الجهة ثم داخل المستشفى نفسه يوم 7 أكتوبر 2025، ولا تزال الشكايات حبيسة رفوف المحكمة.

بعد 43 يومًا من الاعتصام، قررت الدخول في إضراب عن الطعام تحت شعار: الشغل الضامن للكرامة أو الشهادة، وصمدت اليوم 66 يومًا في ظروف مناخية قاسية، مع تدهور خطير في حالتي الصحية، حيث تقيأت دمًا سبع مرات منذ اليوم 21، في ظل إهمال صحي تام.

6* هل هناك تضامن معك؟

نعم، لقيت المعركة تضامنًا واسعًا من السكان، رغم حداثة عهدي بالمدينة، وهذا طبيعي لأن قصبة تادلة كانت ولا تزال قلعة نضالية. كما حظيت المعركة بدعم عدد من الإطارات الحقوقية محليًا ووطنيًا، وأحزاب سياسية مناضلة على المستويات المحلي والجهوي والوطني. إضافة إلى ذلك، هناك تضامن واسع على المستوى الافتراضي، حيث وصل صدى المعركة إلى فعاليات دولية، ولا أبالغ إن قلت إنني أتلقى يوميًا عشرات الرسائل التضامنية، ما يشكّل سندًا معنويًا كبيرًا للاستمرار في هذه المعركة.

7* كيف كان رد السلطة؟

السلطات، ممثَّلة في باشا المدينة ورئيس قسم الشؤون الداخلية، تنتهج سياسة الأذن الصمّاء، بل ترتكب جريمة حقيقية في ظل حالتي الصحية المتدهورة. فالصمت والتجاهل يرقَيان أحيانًا إلى القتل، وإلا لما كان عدم تقديم المساعدة لشخص في خطر جريمة قانونية وإنسانية.

السلطات لا تصمّ آذانها فقط عن الحق في الشغل، بل كذلك عن الحق في الحياة، وتفشل في مسؤوليتها تجاه مواطن استنفذ كل السبل لضمان حقه وحق أبنائه في العيش الكريم.

إضافة إلى ذلك، نهجت أسلوب القمع، وتلقيت ست استدعاءات من الشرطة القضائية ببني ملال وقصبة تادلة في محاولة لتكسير إرادتي، دون أن تدرك أن معركة الكرامة لم تعد شخصية، بل أصبحت معركة شعب بأكمله.

8* ماذا عن آفاق المعركة؟

كما قلت فمعركة الكرامة اليوم معركة معطلين ومعركة شعب، لذلك سأمثلهم أحسن تمثيل، فإما النصر بتحقيق المطالب المشروعة و إا النصر بالانتقال أو الشهادة فكلاهما نصر. وبالفعل فالمعركة انتصرت بتكسيرها لحاجز الخوف في زمن الردة كما كان دوما المعطلون رمزا لرفض الظلم حتى إبان الفترات القاسية من تاريخ المغرب الحديث. هذا بالطبع ليس خيارا وإنما يفرضه الوفاء لمن سبقونا من المعطلين و ممن أضربوا عن الطعام من شعبنا العظيم فلا يجوز لي تكسير نضالاتهم و لا يحق لي ذلك.

واليوم (08 يناير) قرَّرتُ نقل معركة الكرامة إلى أعلى نقطة بمدينة قصبة تادلة، كخطوة رمزية قد توصل صوتي إلى من يهمه أمر الوطن، وتفادي موت محقق.

أجرى المقابلة: جريدة المناضل-ة

شارك المقالة

اقرأ أيضا