اليسار بالمغرب: واقعه وسبل وحدة فعله (حوار مع المناضل محمد السفريوي)

رأي, سياسة27 فبراير، 2026

الحوار منشور في العدد 62 من اسبوعية جريدة المناضل- ة

 1* مرحبا الرفيق محمد السفريوي بداية نود منك تعرف نفسك للقارئ- ة.

أود أولا شكر جريدة المناضلة على استضافتها لي.

السفريوي محمد، مناضل مغربي متقاعد حاليا، انخرطت منذ شبابي المبكر في العمل السياسي والنقابي، وكنت جزءا من دينامية الحركة الطلابية داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، تلك التجربة شكلت لحظة تأسيسية في وعيي السياسي، ورسخت اقتناعي بأن التغيير هو سيرورة تاريخية تتطلب نفَسا طويلا، وارتباطا عضويا بقضايا الجماهير. ولا يزال اهتمامي منصبا على قضايا اليسار، وأسئلة التنظيم، وآفاق بناء مشروع مجتمعي ديمقراطي يعبر عن مصالح الطبقات الكادحة.

2* هل يمكنك تقديم تشخيص موجز لحالة اليسار حاليا بالمغرب؟ وحا حصيلته بعد قرابة نصف قرن من ولادته؟

للإجابة على هذا السؤال، أعتقد أنه يجب العودة إلى لحظة البدايات، فاليسار الجذري بالمغرب لم يكن نتاج سيرورة محلية فقط، بل كان نتيجة تقاطع لحظة تاريخية وطنية وقومية وأممية استثنائية. فعلى المستوى الوطني، جاء ميلاده في سياق أزمة سياسية واجتماعية عميقة، تكشفت  بانتفاضة 23 مارس 1965 المجيدة، التي كشفت حدود النموذج السياسي القائم، ودشنت دخول فئات شبابية وتلاميذية إلى الفعل السياسي المباشر. هذه اللحظة لم تكن مجرد انفجار اجتماعي، بل شكلت نقطة تحول في وعي جيل كامل، سيؤسس لاحقا التنظيمات الماركسية مثل إلى الأمام و23 مارس، حاملا سؤال الثورة والتغيير الجذري.

على المستوى القومي، جاءت هزيمة 1967 لتشكل صدمة تاريخية كبرى، لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، بل هزيمة نموذج سياسي بأكمله. هذه الهزيمة دفعت هذا الجيل إلى رفض المشاريع القومية و أيديولوجيتها، والبحث عن بديل نظري وسياسي، فوجد كثيرون ضالتهم في الماركسية باعتبارها إطارا تفسيريا يتجاوز حدود الدولة القطرية ويربط الهزيمة بالبنية الاجتماعية والاقتصادية.

أما على المستوى الأممي، فقد تأثر اليسار الجذري المغربي بعمق بأحداث ماي 1968 [بفرنسا]، التي أبرزت قدرة الطلاب والعمال على تحدي النظام القائم حتى في قلب الرأسمالية المتقدمة، كما تأثر بالثورة الثقافية في الصين، والتي طرحت سؤال الصراع داخل المجتمع الاشتراكي نفسه، ودور الجماهير في مواجهة البيروقراطية.

بهذا المعنى، لم يكن اليسار الجذري المغربي مجرد امتداد ميكانيكي لتجارب خارجية، أو تمرد شبابي، بل كان تعبيرا عن لحظة تاريخية تلاقت فيها أزمة الدولة الوطنية، وانهيار الأفق القومي، وصعود موجة ثورية عالمية. قوته في البداية لم تكن فقط في شعاراته، بل في كونه كان منسجما مع روح عصره، ومع تطلعات جيل كان يبحث عن تغيير جذري، لا عن إصلاحات جزئية. أزمته اليوم، في المقابل، ترتبط أساسا بانفصاله عن لحظته التاريخية الجديدة والتي لم يستطع بعد أن يفهم قوانينها ولا أن يعيد بناء نفسه على أساسها.

3* في تحليلك، ما هي أسباب محدودية تأثير اليسار الجذري- مقارنة بقوى سياسية أخرى- في الديناميات النضالية الجارية في المغرب؟

في تقديري، تعود محدودية تأثير اليسار الجذري اليوم، وخفوت تواجده وتأثيره، إلى فقدانه إحدى أهم ميزاته التاريخية والتي أشرت لها في السابق: القدرة على التفاعل الخلّاق مع الواقع. لقد تميز هذا اليسار، في بداياته، بجرأة نظرية وتنظيمية واضحة، جعلته قادرا على مساءلة مسلّماته، ومراجعة أطروحاته، والتخلص من يقينياته، فقد كانت له الجرأة على نقد التجربة السوفياتية والأحزاب الشيوعية الكلاسيكية حينها، أما اليوم فقد أصبح عاجزا عن تفسير التحولات الجارية. وبالتالي فقد القدرة على إنتاج أجوبة حقيقية تنطلق من الواقع بدل إسقاط نماذج جاهزة عليه.

لقد فهمت تنظيمات مثل إلى الأمام و 23 مارس في لحظتها أن النظرية ليست عقيدة مغلقة، بل أداة للفهم والتغيير، وهو ما ينسجم مع تصور ماركس نفسه، الذي اعتبر أن النظرية تفقد معناها إذا لم تتحول إلى قوة مادية داخل المجتمع. لكن مع مرور الزمن، حدث تحول تدريجي: بدل أن يكون الواقع منطلقا لإنتاج النظرية، أصبحت النظرية إطارا جامدا يقاس عليه الواقع. وهنا بدأ الانفصال.

هذا الانفصال يتجلى في ثلاثة مستويات. أولا، على المستوى الاجتماعي، لم يستطع اليسار الجذري استيعاب التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي، خاصة توسع الهشاشة، وتراجع الأشكال التقليدية للتنظيم العمالي، وصعود فئات جديدة خارج الأطر الكلاسيكية. ثانيا، على المستوى التنظيمي، تراجعت دينامية التجديد الداخلي، وأصبحت التنظيمات تميل إلى إعادة إنتاج نفس التصورات والأشكال، حتى حين تفقد فعاليتها. ثالثا، على المستوى السياسي، لم يعد اليسار الجذري قادرا على بناء سردية خاصة تقنع شرائحه بأنه يملك بديلا عن السلطة القائمة حاليا.

المفارقة أن أزمة اليسار الجذري ليست في ضعف صحة تحليلاته العامة، بل في ضعف قدرته على تحويلها إلى قوة اجتماعية منظمة. فالهيمنة لا تُبنى فقط بصحة الأفكار، بل بالقدرة على ترجمتها إلى مؤسسات، وتنظيمات، وأشكال حضور دائم داخل المجتمع. حين يفقد اليسار هذه القدرة، يتحول من فاعل تاريخي إلى مجرد شاهد نقدي على ما يجري.

لذلك، فإن تجاوز هذه المحدودية لا يمر فقط عبر تطوير الخطاب، بل عبر استعادة تلك الجرأة الأصلية: جرأة مراجعة الذات، والانطلاق من الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.

4* كيف يمكن تجاوز حالة التشرذم التنظيمي بين مكونات اليسار الجذري لبناء جبهة موحدة دون إلغاء الخصوصيات الفكرية؟

بصراحة، لا أعتقد أن هناك وصفة جاهزة لتجاوز حالة التشرذم التنظيمي داخل اليسار الجذري، لكن ما يبدو واضحا هو أن أي أفق للوحدة يمر أولا عبر جرأة نقدية تجاه تراثنا التنظيمي نفسه الذي  تحول للأسف إلى منتِج للفُرقة. لقد تشكلت معظم تصوراتنا حول التنظيم تحت تأثير نموذج صاغه لينين في سياق تاريخي محدد، كما في كتاب “ما العمل؟”، حيث كانت الجريدة المركزية تُطرح كأداة لتوحيد الوعي، وكانت فكرة “هيئة الأركان” تعكس حاجة حركة ثورية تعمل في شروط القمع القيصري. لكن تحويل هذه الصيغة إلى نموذج ثابت، صالح لكل زمان ومكان، أدى في كثير من الأحيان إلى إعادة إنتاج الشكل بدل إنتاج الفعالية.

المشكلة اليوم ليست في غياب الإرادة الوحدوية فقط، بل في أن الشكل التنظيمي نفسه أصبح موضوع أزمة. الواقع الاجتماعي الذي نشتغل داخله تغير جذريا: لم تعد الطبقات الاجتماعية متمركزة في فضاءات واضحة، ولم تعد ديناميات الوعي تمر حصريا عبر التنظيمات السياسية الكلاسيكية. هذا يعني أن الأداة السياسية لا يمكن أن تُستمد جاهزة من الأدبيات، بل يجب أن تُبنى انطلاقا من مهام ملموسة، ومن أشكال حضور فعلية داخل المجتمع.

الوحدة، بهذا المعنى، لا يحب أن تُفهم كدمج تنظيمي فوقي، ولا كإلغاء للاختلافات النظرية، بل كمسار عملي يبدأ ببناء مجالات فعل مشتركة. يمكن لتنظيمات مكونات اليسار الجذري، أن تتقاطع داخل جبهات اجتماعية أو تنسيقيات ميدانية مرنة، حيث تبنى الثقة من خلال الفعل، لا من خلال الاتفاقات الشكلية. فالتاريخ يظهر أن الوحدة الحقيقية ليست نقطة انطلاق، بل نتيجة لمسار من التفاعل والعمل المشترك.

لذلك، فإن تجاوز التشرذم يمر أساسا عبر إعادة التفكير في وظيفة التنظيم نفسها: ليس كغاية في حد ذاته، بل كأداة مرنة، تتغير بتغير المهام. الوحدة ليست توحيد الهياكل، بل توحيد القدرة على الفعل.

5* كيف تعامل اليساري الجذري بالمغرب مع الهزة الأيديولوجية الناتجة عن انهيار التجارب “الاشتراكية” السابقة، وكيف يمكن تطوير الماركسية لتواكب التحولات الراهنة (الرقمنة، والأزمات البيئية، وصعود اليمين الشعبوي)؟

 للـأسف تميزَ تعاملُ اليسار الجذري بالمغرب مع تلك الهزة بضعف نظري و اكتفى بردود فعل انفعالية. فجزء منه اعتبر ما حدث ليس بالأهمية التي تدفعه إلى مزيد من التحليل و مراجعة يقينياته وأسسه النظرية لتطويرها وإعادة تأسيسها، فانغلق على ذاته وسقط في نوع من السلفية والاحتكام إلى نصوص دون استنطاقها بعمق، و جزء اعتبر أن ذلك قوس استُنفذ و علينا وضعه في الرف.

والاتجاهين كلاهما عجز عن تحويل الأزمة إلى فرصة للتجديد. فالأسئلة التي طرحها اليسار الماركسي لم تفقد راهنيتها، بل أصبحت أكثر إلحاحا. الرقمنة لم تُلغ الاستغلال، بل أعادت تنظيمه عبر أشكال جديدة من العمل الهش. الأزمة البيئية كشفت حدود منطق التراكم الرأسمالي القائم على الاستنزاف اللامحدود. وصعود اليمين الديني والشعبوي يعكس أزمة عميقة في شرعية النظام القائم، لا قوته.

تطوير الماركسية اليوم لا يعني تكرار خلاصاتها، بل استعادة منهجها: أي تحليل الواقع كما هو، لا كما كان. الماركسية لا تُختزل في تجربة تاريخية، بل في قدرتها على تفسير لماذا تتكرر الأزمات، ولماذا يستمر التفاوت، رغم كل التحولات التقنية. الأزمة الحقيقية لم تكن في النظرية، بل في عجزنا عن تطويرها.

6* سؤال عن الأزمة الراهنة داخل اليسار الجذري ما هي جذورها؟ ولما ثقافة الحوار داخل اليسار المغربي بائسة إلى هذا الحد الذي بلغته؟

في تقديري، تعود جذور الأزمة الراهنة داخل اليسار الجذري إلى تمثل  الخلاف نفسه في أذهاننا. فالخلاف لم يعد يدور حول تحليل الواقع أو تحديد المهام، بل أصبح يركز على الهوية التنظيمية وشرعية الوجود. فحين يتحول التنظيم من أداة لخدمة المشروع إلى غاية في حد ذاته، يصبح الإختلاف تهديدا للذات لا فرصة لتطويرها. عند هذه النقطة، يتحول النقاش من جدل سياسي إلى صراع بقاء.

ضعف الديمقراطية الداخلية فاقم هذا المسار. فحين تغيب آليات واضحة لتدبير الاختلاف، ويتراجع تداول المسؤولية، ويحصر النقاش في دوائر ضيقة، تنشأ ثقافة إقصاء بدل ثقافة حوار. النقد يُفهم كتشكيك، والمراجعة تؤول سلبيا، ويستعاض عن الحِجاج بالتخندق. هكذا تتآكل الثقة، ويتصلب الخطاب، وتغلق إمكانات التطور.

المفارقة أن التراث الماركسي نفسه قدّم لنا أدوات تحمي من هذا الانغلاق، وتمنحنا  إمكانات فعلية لبناء تنظيم قادر على استيعاب التعدد، لا خنقه.

الخروج من هذا المأزق لا يبدأ بتوحيد نظري قسري، بل بإعادة بناء وظيفة الحوار: ربط النقاش بمهام ملموسة، وتأسيس قواعد ديمقراطية داخلية واضحة، والاعتراف بشرعية التعدد داخل أفق مشترك. التنظيم الذي يستعيد ثقافة الجدل يستعيد قدرته على التعلم؛ والذي يتعلم، يستطيع أن يتجدد.

7* هل تعتقد أن العودة إلى تأطير الحركة التلاميذية والطلابية وإعادة بناء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب هي الأولوية القصوى لاستعادة وهج اليسار، أم أن الانخراط في النضال النقابي والعمالي أكثر إلحاحاً؟

أعتقد أنه يجب تجاوز المفاضلة الشكلية بين الحقل الطلابي والحقل النقابي،  فما شهدته المنطقة خلال العقد والنصف الأخير، وما يتجدد اليوم مع موجات الجيل الجديد من الاحتجاج، يؤكد أن المبادرة غالبا ما تأتي من طليعة شبابية عريضة، لا يمكن اختزالها في موقع اجتماعي واحد. فهي طليعة هجينة، تضم الطالب والعامل، والعاطل، والموظف الهش، وتتحرك انطلاقا من تجربة مشتركة لم تمنحها إياهم الأطر التقليدية للفعل السياسي.

هذا المعطى يفرض إعادة صياغة السؤال: ليس أيهما أولى، الحركة الطلابية أم النضال النقابي، بل كيف يمكن بناء استمرارية تنظيمية بينهما. تاريخيا، كانت الحركة الطلابية أحد أهم خزانات إنتاج الكادر السياسي، لكنها لم تكن بديلا عن التنظيم العمالي، بل كانت جسرا نحوه.

إن إعادة بناء الحركة الطلابية، بما في ذلك أطرها التاريخية، تظل مهمة حاسمة، ليس لأنها تمثل وزنا اجتماعيا مباشرا، بل لأنها فضاء لإنتاج الوعي والتسييس. لكنها لن تكون ذات جدوى إن بقيت معزولة عن الامتدادات الاجتماعية الأوسع، خصوصا داخل عالم الشغل الذي يعرف تحولات عميقة، عنوانها الهشاشة والتفكيك وفقدان الحماية.

في المقابل، الانخراط في النضال النقابي يظل ضرورة استراتيجية، لأنه يمس قلب علاقات الإنتاج، لكنه يواجه تحديا موضوعيا يتمثل في ضعف قابلية الفئات الهشة للتنظيم بالصيغة التقليدية. وهذا ما يجعل من الضروري بناء قنوات انتقال بين المجالين، بحيث يصبح التنظيم الطلابي لحظة أولى في مسار أطول من إعادة بناء الحضور داخل الطبقة العاملة بمعناها الواسع.

الأولوية إذن ليست قطاعية، بل تنظيمية بالمعنى العميق: القدرة على بناء سيرورة تأطير مستمرة، ترافق الفرد عبر تحولاته الاجتماعية، وتمنح الفعل الاحتجاجي أفقا سياسيا. بدون ذلك، ستظل كل موجة احتجاج تبدأ من الصفر، وتعيد إنتاج نفس حدودها.

8* إذا نجح اليسار الجذري في مهامه، كيف سيكون شكل “المشروع المجتمعي البديل” الذي يقدمه للمغاربة، والذي يتجاوز شعارات العدالة الاجتماعية إلى نموذج اقتصادي وسياسي شامل وواضح؟

مشروع اليسار الجذري في الأفق الممكن، عليه أن يكون سعيا إلى إحلال حكم ديمقراطي يضمن صيانة مصالح الشعب بطبقاته الكادحة، ينتخبه الشعب ويبقى خاضعاً على الدوام للرقابة الشعبية الديمقراطية. ونظام اقتصادي يُحدث تنمية حقيقية إنتاجية لا طفيلية، يختلف عما هو سائد لدينا من اقتصاد نيوليبرالي قائم على خصخصة القطاع العام والفساد والمحسوبيات.

طبعا أي تحول سياسي سيظل ناقصا دون تحول اقتصادي عميق. فالاقتصاد القائم اليوم يتسم بطابع ريعي ونيوليبرالي، حيث جرى تفكيك أجزاء واسعة من القطاع العام، وتوسعت أشكال التراكم غير المنتج، المرتبطة بالامتيازات والاحتكار أكثر مما هي مرتبطة بالإنتاج. البديل الذي يجب أن يطرحه اليسار هو نموذج اقتصادي إنتاجي، يقوم على توجيه الموارد نحو خلق القيمة الفعلية، وتطوير القطاعات المنتجة، وربط النمو بتحسين شروط حياة الأغلبية، لا بتراكم الثروة في أيدي أقلية.

هذا الأفق لا يعني فقط إعادة توزيع الثروة، بل إعادة تنظيم عملية إنتاجها نفسها. أي الانتقال من اقتصاد يخضع لمنطق الربح السريع، إلى اقتصاد يخضع لمنطق الحاجات الاجتماعية والتنمية طويلة المدى. وهو تصور يجد جذوره في التحليل الذي قدمه كارل ماركس حول العلاقة بين نمط الإنتاج وطبيعة السلطة، حيث لا يمكن فصل الديمقراطية السياسية عن شروطها الاقتصادية.

لكن الأهم من صياغة هذا المشروع هو طريقة إنتاجه. لم يعد كافيا أن تظل مؤتمرات اليسار فضاءات لإعادة إنتاج الهياكل أو لتدبير التوازنات الداخلية. المطلوب أن تتحول إلى أوراش فعلية لإنتاج مشاريع ملموسة، تُعرَض على المجتمع باعتبارها بدائل قابلة للنقاش والتبني. فالمشروع السياسي لا يكتسب قوته من انسجامه النظري فقط، بل من قدرته على أن يصبح أفقا ممكنا في وعي الناس.

إن أزمة اليسار اليوم ليست فقط أزمة تنظيم، بل أزمة أفق. واستعادة هذا الأفق تمر عبر الانتقال من موقع النقد إلى موقع تقديم البديل، ليس كشعار، بل كمشروع تاريخي قابل للتحقق.

9* لاحظنا في تدويناتك اهتماما بـ”المسألة الدستورية”. كيف ينظر إليها اليسار المغربي بشقيه الجذري والإصلاحي؟ وفي رأيك ما الطرح السليم للمسألة الدستورية بالمغرب؟

أولا أود توضيح نقطة منهجية أساسية: لا يمكن لليسار، خصوصا اليسار الجذري المتبني للماركسية، أن يستمر في التعامل مع ما يسمى “البنية الفوقية” باعتبارها مجرد انعكاس ثانوي للبنية الاقتصادية ويُستنتج من ذلك بالتالي أنها ليست معركته.  بل هي ساحة للصراع. فالدستور، والقانون، والدين، والتعليم، والإعلام، ليست مجرد نتائج، بل أدوات لإعادة إنتاج ميزان القوى القائم، أو لتغييره.

من هذا المنطلق، فإن المسألة الدستورية ليست شأنا قانونيا تقنيا، بل هي مسألة سياسية بامتياز، لأنها تتعلق بتحديد طبيعة الدولة، ومصدر الشرعية، وحدود السلطة. اهتمامي بالمسألة الدستورية، ينبع من هذا الفهم.

أما بخصوص سياق تدويناتي الأخيرة، فهو مرتبط بتقدير سياسي مفاده أن هناك إمكانية موضوعية لفتح نقاش دستوري في المغرب، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، خاصة إذا ما تم طرح تعديل دستوري للاستفتاء الشعبي. مثل هذه اللحظات لا تتكرر كثيرا، لكنها حين تحدث، تفتح إمكانيات لإعادة طرح الأسئلة الكبرى: من يحكم؟ باسم من؟ و كيف ؟ وتحت أية مساءلة؟

إن الطرح السليم للمسألة الدستورية، في تقديري، لا يمر عبر الاكتفاء برفضها أو القبول بها، بل عبر تحويلها إلى لحظة لتوسيع النقاش العمومي حول طبيعة السلطة، وربطها بمطلب السيادة الشعبية الفعلية. فالدستور ليس مجرد نص، بل ساحة صراع. والسؤال الحقيقي ليس: هل نهتم به أم لا، بل كيف نحوله إلى أداة لفتح أفق سياسي جديد.

10* استعمال مؤسسات الدولة البرجوازية (الانتخابات والمؤسسات التمثيلية/ برلمان ومجالس محلية)، مسألة تثير اختلافات كثيرة داخل اليسار المغربي. ما رأيك في هذه المسألة؟

في تقديري، إن مسألة المشاركة في المؤسسات التمثيلية ليست مسألة مبدئية ثابتة، بل مسألة تكتيكية ترتبط بطبيعة المرحلة التاريخية وبوضعية موازين القوى. فالمشاركة يمكن أن تكون أداة لكشف حدود النظام القائم وفضح تناقضاته، لكنها تتحول إلى خطر حين تصبح غاية في حد ذاتها، أي حين ينتقل التنظيم من استعمال المؤسسات إلى التكيف معها.

والأهم قبل طرح سؤال المشاركة من عدمه، يجب أولا تحديد طبيعة المرحلة التي نعيشها. في اعتقادي، نحن لا نعيش مرحلة زخم ثوري، حيث تكون المقاطعة جزءا من دينامية تصاعدية واضحة، كما أننا لا نعيش مرحلة إصلاحية مستقرة، حيث يمكن للمشاركة أن تفتح أفق تراكم تدريجي داخل المؤسسات. نحن أمام مرحلة انتقالية مركبة، تتسم بوجود توترات اجتماعية متكررة، دون أن تترجم بعد إلى مشروع سياسي منظم وقادر على إعادة تشكيل ميزان القوى.

في مثل هذه المرحلة، لا يمكن أن يكون الجواب جاهزا أو مجردا، بل يجب أن يبنى انطلاقا من مهمة مركزية: إعادة بناء الفعل السياسي المستقل لليسار الجذري في أفق صياغة حضور فعال داخل المجتمع، وتمكين هذا الحضور  من أدوات تنظيمية فعلية، قادرة على تأطير الفئات الاجتماعية التي تعبر عن السخط، لكنها لا تجد إطارا سياسيا يعبر عنها.

بعبارة أخرى، القرار لا يجب أن يتخذ بناءا على تقدير مجرد لطبيعة المؤسسات، بل على تقدير ملموس لقدرتنا نحن على استعمالها دون أن تستعملنا. الأولوية اليوم ليست المشاركة أو المقاطعة، بل بناء القوة التي تجعل لأي منهما معنى سياسيا فعليا.

11* كيف ترون دور اليسار الجذري المغربي في تفكيك هيمنة الإمبريالية الغربية، وخاصة الفرنسية في المنطقة، في ظل التحالفات الدولية الجديدة والتطبيع مع إسرائيل؟

في تقديري، إن دور اليسار الجذري المغربي في مواجهة الهيمنة الإمبريالية لا يمكن أن يختزل في المواقف المبدئية أو الشعارات التضامنية، بل يتطلب إعادة صياغة خطاب سياسي ثقافي متماسك، قادر على ربط هذه المسألة بالمصالح الملموسة لشرائحه الاجتماعية. الهيمنة الإمبريالية ليست قضية خارجية منفصلة، بل هي جزء من بنية التبعية التي تؤثر بشكل مباشر على طبيعة الاقتصاد، وخيارات الدولة، وحدود السيادة الوطنية. لذلك، فإن إقناع الفئات الشعبية بضرورة تفكيك هذه الهيمنة يمر عبر توضيح كيف تؤثر على شروط عيشها اليومية، وعلى فرص التنمية الفعلية.

في هذا السياق، تكتسب مقاومة التطبيع أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها موقفا أخلاقيا، بل باعتبارها جزءا من الصراع حول طبيعة موقع المغرب داخل النظام الدولي. فالتطبيع لا يعني مجرد إقامة علاقات مع الكيان بل يعكس أيضا اندماجا أعمق في منظومة تحالفات تعيد إنتاج التبعية السياسية والاقتصادية.

شارك المقالة

اقرأ أيضا