معارك العاملات والعمال في قطاع النسيج: التضامن بوجه الاستغلال

المقال منشور في العدد 63 من أسبوعية جريدة المناضل- ة

بقلم أكوليز

  في قلب الصناعات النسيجية المغربية، تتكشف يوميًا معركة لا هوادة فيها بين العمال والعاملات من جهة، ورأس المال ودولته من جهة أخرى. تتحول أماكن العمل تتحول إلى ساحات صراع، حيث يُستنزف عرق الشغيلة بلا وجه حق، في حين يرفع ارباب العمل ذرائع  “الأزمات” لحرمان العمال من حقوقهم وإعادة ترتيب نشاط الانتاج بما يخدم تكديس الأرباح. هنا، تتجلى أساليب الاستغلال الممنهج: الإغلاق المفاجئ للمصانع، تأجيل الأجور، تفويت الشركات لأصحاب جدد بسومة رمزية، وخلق كيانات جديدة لتفادي الالتزامات القانونية تجاه العمال.

تشكل هذه الممارسات جزء من استراتيجية منظَّمة لاستعمال ذريعة ” الأزمة” إلى أداة ضغط، وهشاشة العقود وضعف التنظيم النقابي إلى فرص للقضاء على  تبقى من حقوق. تحت أنظار الدولة، التي توهم العمل بدور الرقابة وتغض الطرف عن تجاوزات أرباب العمل، تتحول يوميات العمال إلى معركة من أجل انتزاع ما سُرق، ويصبح التضامن الطبقي السبيل الوحيد لمواجهة سطوة الرأسمال.

تتجلى اليوم أمثلة صارخة لما ذُكر سابقًا. تعرض عاملات وعمال شركة Nika SARL بطنجة منذ 21 نونبر 2025 لأسلوب مألوف ومتكرر لدى أرباب العمل: إغلاق المعمل فجأة، تجميد الأجور والتعويضات المرتبطة بالأقدمية، بينما يستمر الإنتاج وتتدفق الأرباح. يعكس هذا الأسلوب الاستغلالي ضعف التنظيم النقابي، وتواطؤ أجهزة الدولة الرقابية، ما أجبر العمال على ابتكار أشكال احتجاجية ذاتية.

تؤكد خبرة العمال والعاملات أن أساليب أرباب العمل جزء من منطق الرأسمال في استنزاف قوة العمل. في أكتوبر 2025، أغلق معمل Namatex  فجأة دون إشعار أو صرف أجور، تاركًا أكثر من 450 عاملاً وعاملة، بعضهم بخبرة تفوق 25 سنة، أمام كارثة اجتماعية، خاصة لمن تجاوزوا الخمسين. وفشل التنظيم النقابي السابق ووقف التنفيذ القضائي جعل الاحتجاج الميداني والاعتصام السبيل الوحيد لاسترجاع الحقوق.

تجارب أخرى:  أغلقت شركة سيكوم–سيكوميك أبوابها نهائيًا في 16 نونبر 2021 بعد سلسلة تحايلات مالية وإدارية بدأتها منذ 2013، شملت بيع وتأجير المصنع وإنشاء شركة جديدة برأس مال زهيد. استُخدمت هذه التحركات لتفريغ الشركة من أصولها والعاملات، وتراكم ديون وأجور غير مدفوعة، ما حول الإغلاق إلى وسيلة لإعادة هيكلة الأرباح على حساب الحقوق وتفادي الالتزامات القانونية تجاه العمال.

كما أن عدم صرف أجور عاملات وعمال شركة Aryans  بالدار البيضاء في فبراير 2026، يؤكد نفس المنطق: أرباب العمل يستغلون الحاجة الاقتصادية للعمال، ويواصلون الإنتاج وتحصيل الأرباح بينما يُترك العمال بدون أجور. هذا الوضع يكشف ضعفا كبيرا في علاقة العمل لصالح أربابه، حيث يُنظر إلى العمال مجرد قوة إنتاج تُستنزف ثم تُهمل بمجرد انتهاء فائدتها.

من منظور طبقي، ما يحدث يكشف الوجه الحقيقي للدولة: أجهزة الرقابة شبه غائبة أو منحازة، تتدخل فقط تحت ضغط الاحتجاجات أو بعد فضائح إعلامية، وتتواطأ ضمنيًا مع أرباب العمل من خلال غض النظر عن التجاوزات، تأخير صرف الحقوق، وعدم متابعة الالتزامات القانونية تجاه العمال. هذا الواقع يجعل العمال وحدهم في مواجهة منظومة متكاملة تستثمر في استمرار الاستغلال لتعظيم الأرباح.

اليوم، تواجه الطبقة العاملة المغربية وحدة غير مسبوقة بين الرأسماليين ودولتهم. استراتيجية الدولة الرأسمالية واضحة: دعم النمو التصديري بينما تترك ملايين العمال والعاملات في القطاع غير المهيكل فريسة للاستغلال، للتسريح، وللفقر، تحت ذرائع قانونية تُستخدم لتبرير التراجع عن الحقوق. تشكل البطالة وضغط الأجور والتقهقر في الحقوق الاجتماعية أدوات منظّمة لتعزيز أرباح الرأسماليين الكبار على حساب القوة العاملة.

في ظل هجوم أرباب العمل المستمر – من تقييد الحق في الإضراب، ومشروع قانون النقابات، وغلاء المعيشة – وتواطؤ قيادات النقابات عبر انخراطها في ما يسمّى زورًا “الشراكة الاجتماعية”، لم تعد الحركة النقابية اليوم تخوض نضالات جماعية من أجل تحسين الأجور. بدل ذلك، ينخرط أفرادها في نضالات معزولة، تحاول ببساطة حماية ما تبقى من أجورهم، في مواجهة منطق الرأسمال الذي يضع أرباحه فوق كل شيء.

أمام هذا الواقع، لا تكفي الشكاوى الفردية أو المطالب القطاعية الضيقة. فالعمال والعمالات مطالبون بتجاوز حدود مصالحهم الضيقة والانخراط في نقاش تضامن طبقي متين قادر على فرض الحقوق.

يمر هذا عبر التضامن الطبقي أي السلاح الوحيد للعمال ضد استغلال الرأسمال ووحدته مع الدولة. وحده التنظيم المشترك بين القطاعات، والتنسيق بين العمال في المدن والقرى، هو ما يمكن أن يحوّل المعارك القطاعية الصغيرة إلى قوة قادرة على تغيير ميزان القوى. دون تضامن عمالي شامل، تتأكل شيئا فشيئا المعارك العمالية المعزولة و وتسقط اخرى ضحية القمع البوليسي.

من واجبنا أن نعمل بكل جهد ونشاط لتوضيح للعمال أن كل مواجهة ضد البطالة، أو التسريح، أو تأخير الأجور، هي جزء من صراع أوسع ضد منطق النظام الاقتصادي ذاته. ينبغي على المناضلين المخلصين أن يسعوا لتحويل النقابات من أدوات إدارة للعلاقات الاجتماعية إلى أدوات نضال شعبي حقيقي. ويجب أن يصبح كل احتجاج أمام مصنع، أو اعتصام، أو وقفة، درسًا حيًا في التضامن والمقاومة الجماعية. فبالوحدة والضغط المستمر على الدولة وأصحاب العمل فقط، يمكن تحقيق حقوق الأجور وضمان استقرار العمل، والحفاظ على كرامة كل عامل وعاملة.

في النهاية، التضامن العمالي ليس خيارًا، بل ضرورة للبقاء والكفاح. إنه السبيل الوحيد لإجبار أرباب العمل على احترام حقوق العمال، ولقلب المعادلة التي تعتبر العامل مجرد آلة إنتاج تُستنزف وتُرمى حين تنتهي فائدتها. النضال اليوم هو ضمان المستقبل، وإعادة صياغة الاقتصاد بحيث يخدم الطبقة العاملة، صغار المنتجين، الشباب، النساء، والمهاجرين، وليس فقط جيوب أرباب المال.

شارك المقالة

اقرأ أيضا