استقلال النقابة العمالية في منظور الحركة الاتحادية: حقاقق من اجتماعات المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
بقلم مصطفى البحري
الحركة النقابية المغربية أرسى أسسها مناضلون عماليون أوروبيون من الشغيلة التي جذبهم الاقتصاد الرأسمالي الناشئ بالمغرب بعد احتلاله في مطلع القرن العشرين. كان معظم أولئك المناضلين، الذين يمثلون قسما كبيرا من قاموس اعلام النقابة بالمغرب لألبير عياش، اشتراكيين وشيوعيين. وكان لمناضلي الحزب الشيوعي المغربي (أول حزب للطبقة العاملة المغربية) دور كبير في إرساء بينان الحركة النقابية المغربية. و كانت الحركة الوطنية البرجوازية (حزب الاستقلال، …) تخشى تنامي قوة عمالية سياسية مستقلة عنها، تذود عن مصالح الشغيلة الاجتماعية، وكذا عن التحرر من الاستعمار، بما ينازعها في ما تتطلع اليه من قيادة النضال من اجل الاستقلال. فحاربت الحزب الشيوعي المغربي بتهم الإلحاد والافتراءات للنيل من مصداقيته لدى الجماهير الكادحة المغربية (وستكون جريرة عدم تطابق الفكر المادي الالحادي مع الإسلام مبرر منع حكومة عبد الله إبراهيم للحزب الشيوعي المغربي في سبتمبر 1959) . وحاول حزب الاستقلال منع انضمام الشغيلة المغاربة الى النقابة توجسا من تأثير الشيوعية عليهم. لكن بعد ان تأكد لها انضمام عمال المغرب المتزايد الى النقابة العمالية، غيرت التكتيك واتجهت نحو هدف السيطرة على النقابة، أي انتزاع قيادتها من الشيوعيين. وذلك كنه عملية تأسيس الاتحاد المغربي للشغل، الذي تم تحت كنف الاتحاد الدولي للنقابات الحرة، أداة الامبريالية الأمريكية لمحاربة الفكر الثوري داخل الطبقة العاملة عالميا.
وكان الأقرب إلى قيادة الاتحاد المغربي للشغل في بداياته جناح حزب الاستقلال اليساري (عبد الله ابراهيم، اليوسفي، بنبركة …)، فكانت تلك القيادة النقابية من المكونات المؤسسة لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وفي معمعان الصراع على السلطة الذي طبع سنوات الاستقلال الشكلي الأولى، بين القصر ويسار حزب الاستقلال، اصطفت بيروقراطية الاتحاد المغربي للشغل، حرصا على مصالحها كفئة عمالية ذات امتيازات، إلى جانب الحكم تحت غطاء خطاب ناقد وحتى جذري. وبذلك فقد يسار حزب الاستقلال تحكمه في النقابة العمالية. وبعد محاولات لمنازعة البيروقراطية، انتهى القرار بالقيادة الاتحادية إلى حسم الأمر و السير نحو تأسيس نقابة خاصة بالحركة الاتحادية، وكان ذلك بتأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في نوفمبر العام 1978. بذلك استعاد حزب غير عمالي التحكم في قسم من الطبقة العاملة عبر نقابة تابعة للحزب، مجرد ذراع يتحكم فيه عقل الحزب. وبالطبع لا يمكن ممارسة ذلك التحكم و التوجيه إلا بادعاء الاستقلالية، وإظهار النقابة كماسك بزمام أموره بعيدا عن أي تدخل من قبل أي حزب، لا سيما ان تأسيس حزب الاستقلال للاتحاد العام للشغالين بالمغرب اعطى صورة جلية لما يكون عليه التحكم الحزبي في النقابة العمالية. فجاءت وثائق تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ومضمون جريدتها “الديمقراطية العمالية”، وتصريحات قادتها، لتؤكد وتعيد أن الاستقلالية أحد مبادئ النقابة “البديل التاريخي”.
افتقاد الكونفدرالية الديمقراطية للشغل للاستقلال عن الاتحاد الاشتراكي واقع دل عليه مسار النقابة طيلة عقود، من التأسيس الى انشقاق تيار الأموي وتأسيسه حزبه الخاص في متم العام 2001. فلم تكن النقابة غير أدوات ضمن أخريات يستعملها الحزب لإعمال خطه السياسي القائم على ممارسة ضغط على النظام لارغامه على تقاسم السلطة في نوع من حكومة عبد الله إبراهيم (حلم الاتحاديين الأبدي الذي انتهى الى مسخ سمي حكومة تناوب). الضغط والمناوشة في حدود لا تهدد فعلا وجود النظام، أي تكييف الملكية لتصورهم لا النضال الفعلي ضد الاستبداد. هذه هي الخلاصة التي ينتهي اليه كل متأمل موضوعي في مسار الثنائي الحزب /النقابة. ولمن يسد عقله على تحليل الواقع عبر عقود ان يستأنس قليلا بما أثبته وخلده بقلمه احد قادة الاتحاد الاشتراكي التاريخيين محمد الحبيب الفرقاني. ففي كتاب صدر مؤخرا بعنوان: الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، محاضر اجتماعات المكتب السياسي (1979-2000) [*] بعض مما دار في اجتماعات قيادة الحزب بشأن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.
طبعا ليست النقابة مجرد جهاز مسير عن بعد، حيث لابد، و لا مفر أن يتأثر الجهاز بضغط القاعدة العمالية التي تتطلع الىى تحقيق مطالبها، وليس إلى غايات أخرى قد يرومها حزب ما. فالنضالات العمالية لها ديناميتها الخاصة قد تتجاوز مرامي المتحكمين في جهاز النقابة. هذا بالضبط ما برز في إضرابات 1979 (الصحة و التعليم بوجه خاص) التي قادتها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل التي ابان فيها الشغيلة كفاحية شديدة في سياق مطبوع بتدهور وضعهم الاجتماعي، وما فتحه تأسيس ك.د.ش من منفذ لتدفق طاقة النضال بعد عقود من التجميد المتعمد من بيروقراطية الاتحاد المغربي للشغل الموغلة في التعاون مع النظام.
دينامية نضالات 1979 لم ترق لقيادة الاتحاد الاشتراكي التي تتفادى مواجهة طبقية قد تفلت من عنان الحزب، وتفسد خططه السياسة المتوخية مجرد ضغط، وتتجاوزها إلى كفاح يهدد نظام الاستبداد والاستغلال برمته .
مما دونه الفرقاني في تقرير مفصل عن اجتماع المكتب السياسي للحزب بمنزل بوعبيد يوم 12 مارس 1979، ورد ما يلي :
نقطة في جدول الاعمال : اضراب الصحة و التعليم ونتائجه صفحة 73
خامسا: ودارت مناقشة حول أن مراقبة الحزب الإتحاد على الكونفدرالية وعلى قراراتها ضعيفة، او تكاد تكون غير فعالة، وأن القرارات كثيرا ما تتخذ دون الرجوع إلى الحزب، والإستشارة معه، بل يتم الإخبار بها بعد أن تتخذ أو تكون على وشك أن تتخذ، فيكون الحزب أمام الأمر الواقع.
وأشار عابد الجابري إلى أنه مثلا يعقد المجلس الوطني لنقابة التعليم، ويحدد جدول أعماله دون علم الحزب أو استشارته، فيجد الحزب نفسه مسجونا في قراراته ومسوقا بها.
هنا لاحظ الفرقاني الحبيب أن مجموعة عملية التنسيق، تنسيق الحزب مع النقابة، مختلة إن لم تكن منعدمة، وأن لجنة التنسيق العمالية لا تمارس مهمتها في هذا الباب، فكان لذلك أثره المباشر في هذا التخبط، وفي العمل العشوائي الإندفاعي في سير النقابات وقراراتها الفجة.
وأكد عابد الجابري هذا الأمر موضحا أن التوجيه الحزبي في النقابات لا يسير وفق خطة محكمة. وذكر الحبابي أن الأموي مثلا لم يأت إلى عبد الرحيم واجتمع معه بحضوري، إلا حين اجتماع المجلس الوطني للنقابة، وعلى أبواب اتخاذه القرار بالإضراب.
ولاحظ الحبيب أن القرارات في الكونفدرالية، وفي نقابة التعليم خاصة أصبحت تخضع لنوع من المزايدات على التطرف، تحت تأثير المتياسرين المتواجدين في هذه النقابات، والذين يعملون ما وسعهم للدفع بمسلسل العمل النقابي إلى طريق الخطورة وتكسير النقابات وبالتالي الحزب. ومن الممكن إذا سارت الأمور على هذا المنوال، أن يصبح الإتحاد ضحية لهذا الوضع الشاذ، الذي جاء ويجيء نتيجة التفريط والانسياق مع الاندفاع المتهور، والحماس الطائش.”
انتهى المقتبس مما كتب الفرقاني، طويل لكنه يستحق السرد. إنه شهادة تأكيد للتقييم المساق هنا لرؤية الاتحاد الاشتراكي للنقابة العمالية. يعتبر البوعبيديون كفاحية الطبقة العاملة مجرد تأثير متياسرين وتطرف واندفاع متهور وحماس طائش. وقد ابانوا مرارا عن بديلهم عما يسمونه تياسرا: سيرورة مديدة من الانبطاح وخدمة الاستبداد ، استعملت فيها النقابة، تُوج بالمسخ المسمى حكومة تناوب توافقي.
الطبقة العاملة المغربية لا يعوزها حزبها المستقل بل حتى نقابتها المستقلة.
في مقال قادم نلقي ضوءا عن استقلال النقابة من منظور طبقي كفاحي وديمقراطي.
اقرأ أيضا


