توحيد قوى اليسار ليس فقاعة إعلامية بل حاجة مجتمعية حيوية للمغرب

رأي, سياسة24 مارس، 2026

بقلم، ف.أفيد

في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب، ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في شتنبر 2026، عاد النقاش من جديد حول مسألة توحيد قوى اليسار. غير أن ما يثير الانتباه اليوم هو أن هذا النقاش يظهر أحياناً في شكل تصريحات متفرقة أو مبادرات إعلامية لا تتجاوز حدود الخطاب، دون أن تتحول إلى مشروع سياسي حقيقي يقوم على رؤية إستراتيجية واضحة.

من هذا المنطلق، يبدو ضرورياً التمييز بين الدعوة الصادقة إلى توحيد اليسار باعتبارها ضرورة تاريخية ومجتمعية، وبين استعمال هذا الشعار كأداة للتسويق السياسي أو كفقاعة إعلامية سرعان ما تختفي مع تغير السياقات.

فالمغرب اليوم يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية عميقة. فئات واسعة من المجتمع تعيش أوضاعاً صعبة نتيجة سياسات اقتصادية واجتماعية ظلت لسنوات طويلة مرتبطة بتوجيهات المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي. وقد انعكست هذه السياسات على تراجع القدرة الشرائية، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية، وارتفاع مستويات الفقر.

وتكشف الأرقام الرسمية أن أكثر من أربعة ملايين أسرة مغربية تعاني من الفقر أو الهشاشة، وهو ما يجعل معالجة هذه الأوضاع تتطلب سياسات اجتماعية عادلة ومستدامة، بدل الاقتصار على مبادرات إحسانية ظرفية، مثل توزيع المساعدات خلال شهر رمضان، والتي تبقى عاجزة عن معالجة جذور الأزمة الاجتماعية.

في هذا السياق، يصبح توحيد اليسار ليس مجرد خيار تنظيمي بين أحزاب متقاربة، بل حاجة مجتمعية حيوية لخلق ميزان قوى جديد قادر على الدفاع عن مصالح الفئات الشعبية والطبقات المتوسطة. غير أن هذا التوحيد لا يمكن أن يتحقق عبر بيانات إعلامية أو دعوات ظرفية، بل يتطلب وعياً سياسياً عميقاً وإرادة استراتيجية حقيقية.

التجارب الدولية تقدم لنا نماذج ملهمة في هذا المجال. ففي فرنسا، استطاع حزب فرنسا الأبية بقيادة Jean Luc Mélenchon أن يساهم في بناء دينامية سياسية جمعت بين قوى يسارية مختلفة وحركات اجتماعية متعددة، بما في ذلك الحركات النسوية، ومنظمات الدفاع عن حقوق المهاجرين، والنقابات، والحركات المناهضة لليمين المتطرف. هذه التجربة أظهرت أن اليسار عندما ينفتح على المجتمع ويصغي لمطالبه، يستطيع أن يتحول إلى قوة سياسية مؤثرة.

أما في المغرب، فإن التحدي الحقيقي يكمن في بناء كتلة اجتماعية ديمقراطية واسعة تضم الشباب، والنساء، والحركات الاجتماعية المناضلة ضد الفساد، والمدافعة عن الحق في الماء، والحق في العيش الكريم، وضد الغلاء، ومن أجل حرية التعبير. كما ينبغي أن تشمل هذه الكتلة النقابيين، والفلاحين الصغار، وسكان القرى والمناطق المهمشة الذين غالباً ما يتم إقصاؤهم من النقاش العمومي.

إن اليسار، في جوهره، ليس مجرد أحزاب سياسية، بل مشروع مجتمعي يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وتوسيع الحريات، وترسيخ الديمقراطية. ولهذا السبب، فإن توحيد قواه يجب أن ينطلق من هموم المجتمع الحقيقية ومن تطلعات المغاربة إلى الكرامة والمساواة.

فالمغرب في حاجة إلى يسار قوي، موحد، وجريء في الدفاع عن قضايا الشعب. يسار قادر على تحويل الغضب الاجتماعي إلى أفق سياسي ديمقراطي، وعلى إعادة الثقة في العمل السياسي باعتباره أداة للتغيير.

ولهذا، فإن توحيد اليسار ليس فقاعة إعلامية، بل ضرورة تاريخية ومجتمعية إذا أردنا فعلاً تغيير موازين القوى لصالح الشعب المغربي وبناء مغرب أكثر عدلاً وديمقراطية.

وفي هذا الأفق، لا يمكن أن يبقى توحيد اليسار مجرد شعار يُرفع في المناسبات أو يُستعمل في النقاشات الإعلامية. فالمسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها تتعلق بمسؤولية تاريخية تجاه المجتمع المغربي الذي يتطلع إلى بديل ديمقراطي حقيقي قادر على الدفاع عن العدالة الاجتماعية والكرامة والحرية.

بصفتي مناضلة في فيدرالية اليسار الديمقراطي، أؤمن أن اليسار المغربي يمتلك من التراكم النضالي والتاريخي ما يؤهله للعب دور أساسي في إعادة الأمل إلى العمل السياسي. لكن هذا الدور لن يتحقق إلا إذا انتقلنا من منطق التنافس الضيق إلى منطق بناء قوة يسارية مجتمعية واسعة، منفتحة على الشباب والنساء والحركات الاجتماعية والنقابيين وكل القوى الحية التي تناضل يومياً ضد الفساد والتهميش والغلاء.

إن معركة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في المغرب لا يمكن أن يخوضها كل طرف على حدة. إنها معركة مشتركة تتطلب جرأة سياسية، ووضوحاً فكرياً، وإرادة حقيقية لتغيير موازين القوى لصالح الشعب المغربي. لذلك، فإن توحيد اليسار ليس مجرد خيار سياسي، بل هو اليوم ضرورة تاريخية ومسؤولية نضالية تجاه ملايين المغاربة الذين ينتظرون بديلاً يضع مصالحهم وكرامتهم في قلب المشروع الديمقراطي

شارك المقالة

اقرأ أيضا