اليسار المغربي يفقد عظيما من عظمائه : الرفيق امحمد التوزاني نعي + [مقابلة مع مجلة زمان، 2017]
بوفاة الرفيق امحمد التوزاني، يفقد اليسار المغربي مكافحا فذا، كرس 66 سنة من حياته (مذ كان عمره 21 سنة) من أجل الثورة. ثورة تقضي على الحكم المطلق وتتقدم نحو الاشتراكية. لم يثنيه فشل التجربة المسلحة الاتحادية عن الطريق الثوري، فاستخلص مع قسم من رفاق الدرب ما ارتأوه دروسا، وواصلوا جهود بناء منظمة ثورية ضمن تجربة تنظيم “الاختيار الثوري”. وبرغم تعثرات التجربة حافظ امحمد التوزاني على اقتناعات ثورية، وعلى وفاء تام لأهداف التحرر التي حدت به للانخراط في النضال منذ متم سنوات خمسينيات القرن الماضي. سيظل التوزاني أحد الأوجه المشرقة في تجربة كفاح كادحي المغرب.
تعازينا الحارة لأسرته، ولكافة رفاق الدرب، ولعامة مناضلي اليسار المجدين من اجل انجاز الثورة التي لم تكتمل.
للاطلاع عن رؤية امحمد التوزاني السياسية، وتقييمه المشترك مع رفاق/ت آخرين /ت، يتيح موقع مغرب الوقائع www.maroc-realites.com توثيقا للحركة الاتحادية، واليسار، وبوجه خاص تنظيم “الاختيار الثوري”.
نتيح للقارئ/ة فيما يلي مقابلة أجرتها مجلة زمان (التي باتت مرجعا لا غنى عنه في رصد جوانب من تاريخ اليسار) مع الفقيد امحمد التوزاني
جريدة المناضل-ة
مقابلة مجلة زمان [2017]
امحمد التوزاني : 3 مارس ثورة لم تكتمل
عاش امحمد التوزاني في قلب تجربة العمل المسلح لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، مند أن فرض عليه اللجوء للخارج مطلع ستينات القرن الماضي، من سوريا إلى الجزائر فليبيا. فكان مشاركا وشاهدا على كواليس انتفاضة 3 مارس 1973، ثم تنظيم الاختيار الثوري، قبل العودة إلى المغرب في 17 يونيو 1995 بمناسبة صدور العفو العام. لماذا تحول هذا المدرس الشاب إلى ضابط في الجيش السوري، ثم عضو في التنظيم السري للثورة؟ ماذا تحفظ ذاكرته من أسرار وإضاءات حول هذا المسار الذي طبع جانبا من التاريخ الراهن لبلادنا؟ رحلة مع ذاكرة التوزاني، في بعض محطات هذا المسار، بمناسبة صدور مذكراته المرتقبة، في غضون أسابيع.
- كيف بدأ مسارك في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية؟
انتميت إلى فرع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمدينة تازة سنة 1960، حيث كنت مدرسا هناك، وذلك رفقة زملاء مدرسين أعضاء في الحزب.
كنت أطمح للمشاركة في تحقيق الأهداف الوطنية والتقدمية التي يناضل الحزب من أجلها، والمحددة حرفيا في بطاقة الانخراط التي ما زلت أتوفر عليها إلى اليوم، أي استكمال تحرير التراب الوطني، ودعم الثورة الجزائرية، وجلاء القوات الأجنبية، وإقامة نظام ديمقراطي، والإصلاح الزراعي والتصنيع وتعميم التعليم… هذه هي الأحلام التي جاءت بي إلى الاتحاد وسعيت للمساهمة في تحقيقها. لم يكن من الوارد في ذهني أن أحمل سلاحا أو مجرد التفكير في ذلك. النظام هو الذي فرض علي هذا الخيار عندما اعتقلت وخضعت للتنكيل والظلم دون محاكمة في ما سمي بمؤامرة 16 يوليوز 1963.
هذا الحدث الذي شكل قطيعة في مساري، بعدما كان كل اهتمامي منصبا حول الطريق التي يمكن أن تؤدي بنا نحو تحقيق أحلام التحرر والتقدم.
تكون لدي وعي وطني تقدمي بفعل عوامل متعددة، أذكر منها على الخصوص أحاديث أستاذنا العالم الشهيد عبد الواحد العراقي على هامش الدروس التي كان يلقيها علينا في القرويين، حول الوطنية وأستطيع أن أقول إنني تعلمت الوطنية بفضله.
أضيف إلى ذلك تأثير الأوضاع البائسة التي كانت تعيشها ساكنة تازة، حيث ولدت ونشأت خاصة في أعقاب الحرب العالمية الثانية… ثم مشاعر النفور التي تكونت لدي إزاء حزب الاستقلال نظرا لتصرفات بعض مفتشيه، والاغتيالات التي حصلت بعيد الاستقلال وطالت خصومة الشوريين وعلى رأسهم أستاذي عبد الواحد العراقي الذي أثر في كثيرا، مثلما أثر في اغتيال عباس المسعدي أحد قادة جيش التحرير.
لكن مسؤولية حزب الاستقلال عن كل الاغتيالات التي طالت خصومه في تلك الفترة ما تزال تم تثبت فعليا، كما تم تثبت مسؤولية المتورطين في اغتيالات ومحاولات اغتيال استهدفت زعماء هذا الحزب ومقاومين منه؟
أجل، وقد اطلعت مؤخرا على ما أورده مولاي عبد السلام الجبلي في مذكراته حول ملابسات اغتيال عباس المسعدي. لكن الجو الذي عشته سنة 1956 كان مطبوعا بالخوف من حزب الاستقلال، أو بعض عناصره، الذين كانوا يتصرفون بمنطق الهيمنة وإخضاع الآخرين في المقابل، كنت أجد في كتابات الشوريين حول الديمقراطية ما يجيب عن الطموحات والأسئلة التي كنت أحملها في تلك الفترة، لكنني مع ذلك لم أنضم لحزب الشورى والاستقلال. في نفس الوقت كنت منشدًا باهتمام لشخص آخر لعب دورا حاسما في تكوين قناعاتي واختياراتي وهو المهدي بن بركة. لا أنسى الأثر الطيب الذي خلفه في نفسي مشروع طريق الوحدة، وكيف استغل الإدماج آلاف الشباب من خلال التعليم والتأطير. أتذكر كذلك محاضرة المهدي حول “مسؤولياتنا” بعد الاستقلال التي اطلعت عليها سنة 1958. ثم اللقاء الشخصي المباشر به في نفس السنة بمدينة فاس وذلك بمناسبة محاضرة جاء لإلقائها في سينما “لامبير”. أذكر أنه سألني ببساطة وتلقائية عن رأيي في الأوضاع، ودعاني لحضور المحاضرة التي سيلقيها ودعوة أساتذة القرويين للحضور. منذ هذه الفترة، وأنا أعتبر المهدي زعيمي الذي يعرف برنامج التقدم ويستطيع قيادتنا لتحقيقه على أرض الواقع. هذا هو الأساس الذي انبنى عليه كل شيء، وهكذا كنت واحدا من الشباب المشاركين في تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، دون أن يكون لي انتماء سابق لحزب الاستقلال. وقد شاركت في تنظيم المؤتمر الثاني للحزب بمدينة الدار البيضاء سنة 1962، وهو المؤتمر التأسيسي فعلا بصفتي مناضلا من مناضلي القاعدة الحزبية. ثم جاءت الانتخابات البلدية للسنة الموالية وكلفت بالمشاركة في الحملة الانتخابية لمرشحي الحزب في دائرة أكنول بإقليم تازة.
- اعتقلت وأنت مشارك في هذه الحملة الانتخابية. ماذا وقع؟
أجل، اعتقلت في 14 يوليوز 1963، وأنا فوق هضبة بمناسبة مهرجان خطابي لدعم مرشحي الحزب في أكنول كما اعتقل هؤلاء المرشحون أنفسهم وعدد من المناضلين اتهمت بالمشاركة في مؤامرة لقلب نظام الحكم وخضعت لتعذيب وحشي كي تنتزع مني اعترافات حول أسلحة مزعومة يقولون إنني تسلمتها من أحمد بنقليلو، المقاوم المعروف والمسؤول الحزبي في تازة، وأنني أخفيها في مكان ما . بينما لم أر سلاحا في حياتي ولم أكن أكره شيئا قدر كرهي للسلاح والدماء جاؤوا بأحمد بنقليلو لمواجهتي فأكد لهم نفس الأقوال التي أدليت بها . لكن ذلك لم يمنعهم من الاستمرار في تعذيبي لأعترف بأشياء لا أساس لها من الواقع، حتى كدت ألفظ أنفاسي في لحظة ما تحت التعذيب. نقلت رفقة باقي معتقلي الحزب من نواحي تازة، إلى فاس حيث بقينا محتجزين لحوالي شهرين ونصف. تبين أنهم أقحمونا ضمن قضية الإخوة المعتقلين في 16 يوليوز بالدار البيضاء، وأن الهدف هو القضاء نهائيا على الحزب، بينما كان يستعد للمشاركة في الانتخابات البلدية. بعد الإفراج عني، خضعت لإقامة جبرية في تازة، إذ كنت مجبرا على التوجه أسبوعيا لمركز الشرطة لإثبات وجودي بالمدينة، دون أن أخضع لأية محاكمة بل خضعت الحرب نفسية من خلال إشاعة أنني أصبحت متعاونا مع الشرطة بعدما عرضوا علي ذلك فعلا أثناء احتجازي، فقلت لهم إننا لا نخفي شيئا كي أخبركم به سرا كان سني آنئذ حوالي 21 سنة، وشكلت هذه التجربة القاسية صدمة عنيفة غيرت رؤيتي للأشياء.
- كنت تعرف الفقيه محمد البصري حينئذ؟
كلا، لم ألتقه إلا بشكل عرضي سنة 1962. كنا تنظم لقاء حزبيا يفترض أن يؤطره عضو من الكتابة العامة للحزب، ولما حضر المدعوون في الموعد طلب مني المرحوم محمد عابد الجابري التوجه لمقر الكتابة العامة العامة للحزب بالدار البيضاء كي أبحث عمن يأتي لإلقاء المحاضرة، فوجدت البصري هناك بالصدفة، ولم يتعد حديثنا بضع لحظات، إذ اعتذر بداعي ارتباطه بموعد صحافي… فانتهى الأمر هكذا بشكل عابر.
- بعد الإفراج عنك قررت مغادرة المغرب نحو العراق. لماذا العراق؟
عندما نلت الشهادة الثانوية من القرويين سنة 1956 قررت البحث عن عمل أحقق من خلاله استقلالي المادي، فتوجهت إلى دار المعلمين العراقية بفاس. قضيت هناك سنتين لأعين مدرسا في مدرسة بمعسكر “كان كودير” بتازة، “خالد بن الوليد ” حاليا . في سنة 1961، ارتأيت استكمال تكويني لأصبح مؤهلا للتدريس في السلك الثانوي فالتحقت بالمعهد العراقي العالي لإعداد المدرسين بالدار البيضاء. بذلك، كان استكمال الدراسة الجامعية في العراق الأفق الوحيد المتاح أمامي بعد الإفراج عني، خاصة وأن وزارة التعليم كانت وعدتنا بالحصول على منحة لاستكمال الدراسة الجامعية، وإن لم أحصل عليها في النهاية. غادرت المغرب في17 أكتوبر 1963 نحو بغداد مرورا بباريس، حيث قصدت السفارة العراقية للاستعلام عما يتوجب علي عمله لتسهيل التحاقي بكلية التربية في بغداد. تعرفت في بغداد على الإخوة في فرع الحزب هناك ولم يكن عددنا يتجاوز 6 أفراد. بعد فترة قصيرة وصلت رسالة موجهة إلى الفرع باسم حميد برادة رئيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب آنئذ، يدعو فيها المناضلين للالتحاق بسوريا من أجل التدريب، قصد الالتحاق بالجزائر.
- بأي صفة راسلكم حميد برادة؟
لم أعرف أنه مصدر الرسالة إلا عندما وصلت إلى سوريا. لما توصلنا بها في بغداد تطوعت للذهاب إلى دمشق قصد استطلاع الأمر. هنالك أخبرني أحمد أوباري أن حميد برادة هو الذي بعثها، فاتفقت معه على اللقاء في موعد ثان كي أستوضح منه أكثر لكنه تخلف عن الموعد المحدد معه. فانتهت بذلك مهمتي، وعزمت العودة إلى بغداد في تلك الأثناء حصل انقلاب عبد السلام عارف على نظام عبد الكريم قاسم في العراق، فأغلقت الحدود وصرت عالقا في سوريا مجردا من وثائقي وأغراضي الشخصية.
- كيف التحقت بالكلية العسكرية في سوريا؟
جاء ذلك بمحض الصدفة! وأنا أتجول في شوارع دمشق لمحت أمين الحافظ، الرئيس السوري آنئذ، في مدخل مكتب صغير. قصدت الحارسين الواقفين في مدخل المبنى فأكدا لي أنه فعلا مكتب الرئيس.
طلبت مقابلته، فمدني أحدهما بورقة أكتب عليها اسمي وجنسيتي والحزب الذي أنتمي إليه، والغرض من طلب المقابلة. بعد لحظات، استقبلني الرئيس أمين الحافظ داخل غرفة متواضعة حيث يقتعد مكتبا متواضعا. حكيت له وضعي، كوني عالقا في دمشق بعد الذي حصل في بغداد، وأنني التمس منه تمكيني من ولوج الكلية العسكرية. أجابني أن هذا من حقي، وأخذ نفس الورقة التي كتبت فيها معلوماتي ليكتب على ظهرها تسهل مأمورية حامل هذه الورقة». وجهني نحو القيادة القومية لحزب البعث، وأخرج من جيبه قدرا من المال مدني به.
- من جيبه ؟
” أجل، هكذا بكل بساطة وأريحية كان أمين الحافظ “أبو عبدو” يتصرف بتلقائية دون بهرجة أو بروتكولات. استقبلني علي غنام في القيادة القومية لحزب البعث، وهو من أصل سعودي، إذ كان السوريون يجسدون فعلا القومية العربية دون تمييز بين جنسيات الأقطار العربية، وكانت أبواب المسؤولين مفتوحة في وجه كل المواطنين العرب. وجهني غنام إلى وزارة الخارجية، حيث استقبلني الوزير حسان مريود، بكل لطف. قلت له إنني أريد تعلم الطيران الحربي، فأوضح لي صعوبة قبولي في هذا التخصص نظرا لما يتطلبه من مؤهلات
خاصة، واقترح على اختيار أي تخصص آخر فاخترت سلك المشاة والهندسة العسكرية.
- لن كيف جاءتك فكرة الالتحاق بالكلية العسكرية؟
كنوع من التحدي، تكون لدي شعور بالرغبة في التعرف على السلاح والتدرب عليه وإتقانه، فعلا بعدما عذبت بسببه ظلما! حتى إذا توفرت الظروف لأي ثورة أكون مستعدا. لم أختر هذا المسار بمحض إرادتي، ولم أكن لأفكر فيه أو ليخطر على البال لكنه الطريق الوحيد الذي بقي متاحا بعد كل ما لحقني من أذى ظلما، وكل ما فعله النظام للقضاء على الحزب.
- لم يصلك أي توجيه من قيادة الحزب كي تلتحق بالكلية العسكرية في سوريا؟
كلا، لم أتلق أية توجيهات من قيادة الحزب. فقد كان خيارا شخصيا، وإن شاءت الصدفة، مرة أخرى أن ألتقي المهدي بن بركة ويشجعني على المضي قدما في هذا الخيار. فعندما استقبلني حسان مريود، وزير الخارجية السوري، أخبرني أن المهدي بنبركة موجود في فندق “سامير اميس” بدمشق وتحدث عنه بأسلوب سيء نظرا للخلافات القائمة آنئذ بين النظامين البعثي في سوريا والناصري في مصر، ولكون المهدي محسوبا حينها على التيار الناصري. بمجرد خروجي من مكتبه، توجهت نحو الفندق، حيث كان ينزل المهدي، في الغرفة 22 بالطابق الثالث.
- تذكر رقم الغرفة؟
أجل كان هذا لقائي الثالث والأخير مع الشهيد المهدي. لما أخبرته أنني أعتزم الالتحاق بالكلية العسكرية شجعني وقال لي “حسنا فعلت، نحن محتاجون للأطر في جميع المجالات”. وحكيت له ما سمعته من الوزير السوري في حقه، وأنه غير مرحب به هنا في ما يبدو. اللقاء الأول معه كان سنة 1958، كما أسلفت، أما اللقاء الثاني فكان سنة 1962 بمناسبة محاضرة حزبية كان يفترض أن يلقيها في تاهلة، وكلفت بنقله إليها عبر سيارة الحزب من محطة “الساتيام” بفاس. أخبرته أن الإخوة في فرع تاهلة يفضلون أن لا يحضر إليهم، ويكتفي بمحاضرة في تازة، نظرا لكونهم غير قادرين على حماية أمنه، مع ما تناهى إلى علمهم من مخاطر تهدده هناك بوجود تجمع لحزب الحركة الشعبية يقوده عبد الكريم الخطيب، إن لم تخني الذاكرة. أصر على القدوم إلى تاهلة، ثم غير رأيه في الطريق على مستوى سيدي حرازم، وعدت به إلى محطة “الساتيام” في فاس.
- بقيت عضوا في الحزب وأنت طالب في الكلية العسكرية؟
أجل، بقيت أشارك في اجتماعات فرع الحزب في دمشق، الذي كان منظما ونشيطا، خارج أوقات التكوين في الكلية العسكرية، وذلك بعدما قضيت السنة الأولى برمتها داخل الكلية. لكن الإخوة في الفرع لم يكن لهم دخل في حياتي الدراسية. بعد سنتين ونصف، تخرجت ضابطا برتبة ملازم ثاني أي في أواخر سنة 1966.
- أي أنك إلى حدود هذه اللحظة لم تكن عضوا في تنظيم سرى مواز للحزب؟
كلا، إطلاقاً لم أكن أعرف أي تنظيم عدا الخلية الحزبية التي كنت أنتمي إليها في دمشق. لم يبدأ هذا المسار السري إلا في 8 مارس 1966، الذي يصادف الذكرى الثالثة للثورة البعثية في سوريا. بهذه المناسبة، حضر وفد من قيادة الحزب يتكون من عبد الرحمان اليوسفي، والفقيه محمد البصري، و محمد بنسعيد آيت يدر، وعبد المجيد العراقي، ومحمد باهي. ذهبت إلى فندق “السفير” حيث ينزلون به لتحيتهم، فاستفرد بي الفقيه ودعاني للعشاء على انفراد. التقينا في أحد مطاعم ريف دمشق خارج العاصمة، وجدت أن الفقيه يعرف عني كل شيء مع أن هذا أول لقاء ثنائي مباشر بيننا! سألني عن التكوين الذي خضعت له وظروف إقامتي في سوريا ورأيي في الأوضاع هناك، ثم توجه إلي قائلا: « ” هل أنت جاهز؟» ” أجبته: “لم؟”، فأضاف “للعمل المسلح”، أردفت «إذا كان سيأتي منه خير فمرحبا، وإلا فإنني يمكن أن أبقى هنا وأشتغل في هذا البلد». فاستطرد “على بركة الله”، دون أن يعطيني أية تفاصيل عن برنامج هذا العمل وآفاقه السياسية، ولم أسأله بدوري عن التفاصيل مكتفيا بالصورة العامة التي فهمتها منه. فبالنسبة لي الفقيه رجل مقدس نظرا لماضيه الوطني الحافل وأثق فيه ثقة عمياء، لكنني أدركت، في وقت لاحق، أنني كنت مخطئا في انخراطي في هذا المشروع دون معرفة دقيقة لآفاقه السياسية، ولوسائل تنفيذه.
- هل حدثك بصفته مسؤولا عن العمل المسلح أم باسم قيادة الحزب ككل؟
فهمت منه أن قيادة الحزب مجمعة، ومتفقة على التحضير لعمل مسلح ضد النظام.
- لكن ثمة خلافا حول مسؤولية كامل القيادة الحزبية عن العمل المسلح الذي. كان يشرف عليه الفقيه البصري مباشرة؟
أستطيع أن أؤكد من خلال تجربة 16 سنة مع الفقيه محمد البصري، أن كل اعضاء القيادة الحزبية كانوا ملتزمين ومتفقين معه حول العمل المسلح.
- ماذا حصل بعد هذا اللقاء؟
تجدد الاتصال بي في 12 يونيو 1967 عن طريق مامون العلوي مبعوثا من صلاح الجديد. كان العلوي مغربيا انضم لحزب البعث، وهو من المغاربة القلائل الذين انتموا للبعث، وشغل مهمة سكرتير لصلاح الجديد ثم سفيرا لسوريا في يوغوسلافيا. أما صلاح الجديد، كما هو معلوم، فكان يشغل في تلك الفترة مسؤولية مساعد الأمين العام لحزب البعث، وكان أحد قيادات الحزب الذين دبروا الانقلاب على أمين الحافظ ليتولى الرئاسة نور الدين الأتاسي … قبل أن ينقلب عليهم حافظ الأسد جميعا في 1970. لبيت دعوة صلاح الجديد، واستقبلني في مكتبه ليخبرني أنه توصل برسالة من الفقيه البصري يطلبني فيها أن التحق به في الجزائر لمهمة خاصة، وأن لدى مهلة شهر على أساس أن أعود إلى سوريا بعد انتهاء هذه المهمة، بحكم أنني كنت ضابطا في الجيش السوري، ومدني بالمناسبة بجواز سفر سوري. وهكذا غادرت سوريا في 17 يونيو 1967 نحو الجزائر.
- ماذا كانت المهمة التي وجدت نفسك مكلفا بها في الجزائر؟ “
فوجئت لما وصلت إلى هناك بمدى الارتباك وسوء التنظيم الذي كانت تسير به الأمور، فقد بقيت حوالي تسعة أشهر دون أي عمل! لم يكن الفقيه يوضح لي حقيقة ما يقع، ولا يجيب على استفساراتي المتكررة له. كان هذا التكتم لدى القيادة واحدا من الأسباب الأساسية للأخطاء التي حصلت في ما بعد. فهمت لاحقا، أن الارتباك الذي كان سائدا في الجزائر حينذاك يرجع لسوء العلاقات مع القيادة الجزائرية بعد إطاحة أحمد بنبلة منذ سنة 1965، والتقارب بين هواري بومدين والحسن الثاني.
- متى عرفك الفقيه على باقي أعضاء التنظيم في الجزائر؟
بعد حوالي تسعة أشهر على وصولي إلى الجزائر، أي حوالي مطلع سنة 1968، عرفني الفقيه على عبد الفتاح سباطة ( عباس )، وسعيد بونعيلات (خالي موح)، وسليمان العطاوي (عمر)، ثم أحمد بنجلون (عبد المومن)، والتهامي لحرش الذي كانت له تجربة في الفيتنام مع الجيش الفرنسي، وانشق عنه ليلعب دورا هاما في تأطير الجنود المغاربة المنشقين أثناء حرب الهند الصينية. لكن الأمور بقيت جامدة إلى غاية مطلع سنة 1969 حين تقرر فجأة الرحيل إلى سوريا.
- لماذا العودة إلى سوريا؟
لم أعرف السبب حينها كل ما قيل لي إن القيادة قررت ذلك، وجيء لي بجواز سفر سوري آخر. بدأت أسجل أن التنظيم مرتبك وارتجالي، وأن ثمة أخطاء فادحة ترتكب فكيف يعقل أن أعود إلى سوريا باسم مستعار لأتدرب في مخيم يشرف عليه الجيش السوري، بينما أنا ضابط في هذا الجيش. لكن الثقة في القيادة كانت تمنعني من الجهر بهذه الملاحظات. وصلت رفقة ثلاثة عشر فردا من الإخوة الذين كانوا في الجزائر على أساس أننا تونسيون متطوعون للقتال ضمن تنظيم قوات الصاعقة، وهو فصيل من فصائل المقاومة الفلسطينية أنشأه النظام السوري في إطار الصراعات والمنافسة التي كانت قائمة آنئذ بين مختلف الأنظمة العربية على الساحة الفلسطينية. وقد حدث فعلا ما كنت أخشاه، إذ تعرف علي أحد زملائي سابقا في الجيش السوري واضطررت لأتوجه إلى رئيس المعسكر كي أشرح له كل شيء.
- لماذا التخفي في هوية متطوعين تونسيين؟
لكي لا يتسرب أمرنا إلى النظام المغربي، فيعرف أن ثمة متطوعين من المغرب يتدربون ضمن فصيل من فصائل المقاومة الفلسطينية في سوريا، على اعتبار أن مخيم الزبداني كان يضم متطوعين من مختلف الجنسيات. هنالك، وجدت مجموعة أخرى من حوالي 20 فردا من أعضاء التنظيم لم أكن أعرفهم، من بينهم محمد بنونة وسليمان العلوي ومولاي زايد العربي، الذين استشهدوا في 3 مارس 1973، والحسين المانوزي الذي اختطف من تونس، واليزيد البركة. انخرطت رفقة المجموعة التي جاءت معي من الجزائر، ثم تلتها مجموعة أخرى، في الدورات التدريبية. كانت كل دورة تستغرق ثلاثة أشهر يعود بعدها المناضلون من حيث أتوا بمن فيهم الذين يعودون إلى المغرب. بينما بقيت مجموعة أخرى هناك في الزبداني. عرفت لاحقا أن ثمة معسكرا آخر في عين البيضة، ضواحي دمشق أيضا، التحق به مناضلون آخرون من التنظيم.
- في هذه الفترة، شاركتم في القتال ضد الإسرائيليين؟
أجل، على الجبهة الأردنية في منطقة عين الكرمة، وكذا في الجولان. شارك في هذه العمليات حوالي 40 أو 45 فردا من التنظيم كانوا يتموقعون خلف الخطوط الأمامية كنوع من الحماية لهم. لأن الهدف هو التدرب على أجواء الحرب، بهدف التعود على دوي النيران وكيفية التحرك على أرض المعركة….
- متى أصبحت مشرفا على التدريب العسكري للأعضاء الجدد في التنظيم؟
بعد المشاركة في معارك المقاومة الفلسطينية في سوريا، وخصوصا عندما انتقلنا إلى ليبيا حيث أصبحت مسؤولا على التدريب العسكري للمناضلين القادمين من المغرب أو من أوربا .
- لماذا رحلتم إلى ليبيا ؟
هذا الترحال من الجزائر إلى سوريا فليبيا ثم الجزائر مرة أخرى، يظهر مدى التخبط والارتباك الذي كان يعانيه التنظيم، وصلتني التعليمات بالانتقال إلى ليبيا في خريف سنة 1971، ولم أملك غير الامتثال في كل الأحوال كنت أثق في القيادة ولم تهتز هذه الثقة، على نحو صادم، إلا في أعقاب المحاولة الانقلابية لـ 16 غشت 1972.
كنت حينئذ قد أصبحت أحد المشرفين على إذاعة صوت التحرير، مع إبراهيم أو شلح. لما وصلنا خبر المحاولة الانقلابية، بقينا ننتظر تعليمات القيادة حول صيغة الموقف الذي سنعبر عنه، فقد كانت هذه الإذاعة ناطقة باسم الحزب. وكم كانت مفاجأتي عظيمة عندما جاء أو شلح يخبرني أن التوجيهات التي وردت إليه من قيادة الحزب عبر الهاتف، دون أن يحدد اسم مخاطبه، تقول “اذكروا أمواتكم بخير!». لم أصدق ما سمعت، فكيف نذكر بخير محمد أوفقير، المسؤول عن اغتيال المهدي بن بركة؟ كيف نذكره بخير وعبد الرحيم بوعبيد ما فتئ يردد أن دم المهدي حاجز بيننا وبين النظام؟ لم أكن أتصور أن قيادة الحزب يمكن أن تجرب أية وسيلة، بما فيها الانقلاب العسكري، لتحقيق أهدافها . بكل صراحة كنت أعتقد أننا نسعى لإطلاق ثورة شعبية، تمكننا من تحقيق النظام الديمقراطي الذي نحلم به، وأن ثمة تنظيما محكما في المغرب سيطلق شرارة هذه الثورة، ويكون عمادها الأساسي، بينما نحن في الخارج مكملون وداعمون له، ولم أتصور غير ذلك. أظن أن هذه الثورة كانت ممكنة، فعلا، لكنها لم تكتمل بسبب أخطاء القيادة وأسلوبها الانتهازي في الوصول للسلطة، فضلا عن التفاوت الكبير في التقدير بين الفقيه البصري ومحمد بنونة في عملية 3 مارس 1973.
- قبل عملية 3 مارس، وإلى جانب التدريب في معسكر السواني بليبيا، شاركت في الإشراف على الإذاعة، كيف عشت هذه التجربة؟
فعلا عندما وصلت إلى طرابلس، أواخر 1971 ، وجدت إبراهيم أو شلح مسؤولا عن الإذاعة، التي أنشئت قبل افتتاح معسكر التدريب في السواني في بداية 1972. كلفت بالعمل في الإذاعة، واخترت الحديث بالدارجة لتوسيع إشعاعها أكثر ما يمكن في أوساط المواطنين البسطاء. وقد كانت برامج “صوت التحرير” تلقى أصداء واسعة في المغرب، حتى أن عددا من المواطنين العاديين، بينهم من لا يتقن حتى الكتابة بأسلوب واضح، كانوا يرسلون أخبارا ومراسلات إلى برنامج الدين والدنيا أو برنامج ما يطلبه المستمعون، مع إضافة إشارة “نرجو تسليم هذه المراسلة الطاقم برنامج صوت التحرير!». آخرون كانوا يبعثون مراسلاتهم إلى فرنسا، ومن ثمة تحال علينا كي نكشف مضامينها في برامجنا. وكانوا يسمونها “الصوط” كناية على حدة ما يصدر عنها من أخبار وتحاليل ضد النظام. أكثر من ذلك استقطبنا بعض المناضلين من خلال مراسلاتهم إلينا. زيادة طبعا على المراسلات التي كانت ترد من المناضلين أعضاء الحزب سواء داخل أو خارج المغرب.
- شكلت عملية 3 مارس 1973 أخطر مرحلة في مسار التنظيم المسلح. كنت في قلب التحضير لهذه العملية. كيف تقررت؟
أظن أن الفقيه كان صادقا عندما قال إنه لم يكن على علم باتخاذ بنونة قرار الدخول إلى المغرب، لأن هذا القرار اتخذ في فرنسا على إثر الاجتماعات التحضيرية التي عقدت في حي مونمارت بباريس ومنطقة فيل جويف بضاحيتها، في صيف أو ربما خريف سنة 1972. وذلك حسب ما علمته لاحقا، إذ أنني لم أحضر هذه الاجتماعات فقد كنت حينها في ليبيا. أما الاجتماع الذي كنت شاهدا عليه، فيعود إلى يونيو 1972 حين جاء بنونة إلى طرابلس ليجتمع مع الفقيه البصري وأحمد خير الفيكيكي (أوميد) ومحمد آيت قدور. دام الاجتماع حوالي 5 أيام، ولم أكن معنيا به بحكم مهامي بين تدريب المناضلين في “السواني” وإذاعة صوت التحرير. في نهاية هذا الاجتماع، دعاني بنونة ليطلعني على جزء من خلاصاته. ففوجئت به يخبرني أنهم قرروا الدخول إلى المغرب، وقسموا ميدان العمليات إلى خمس مناطق عسكرية عينت أنا مسؤولا عن المنطقة الشمالية منها. طرحت مجموعة من الأسئلة، خصوصا حول مدى جاهزية المناضلين المستعدين للقتال وعددهم، ومدى توفر الوسائل اللوجيستية والخرائط، وأجهزة التواصل. كما أبديت تحفظي عن تعييني في الشمال كوني متحدرا من تازة، وسأكون مكشوفا هناك، فضلا عن التحفظ على دخولنا مسلحين لأن من شأن ذلك أن يعيق حركتنا، مقترحا أن نخطط لانتزاع أسلحتنا من أيدي خصومنا في اللحظة المناسبة، ليجيب أوميد باعتباره المسؤول عن التواصل مع التنظيم في الداخل، مطمئنا بتوفر كل الحاجيات التي طرحت. كان البصري قد انسحب حينها، ولما عاد للاجتماع أخبره بنونة بما طرحت من أسئلة، وتحفظات، فرد عليه بأنها “أمور تقنية!”.
لأستطرد مؤكدا أنها أمور جوهرية، وأضفت قائلا على كل حال إذا كنتم مستعدين فلم يبق سوى تحديد ساعة الصفر، وغادرت الاجتماع.
- متى تجدد لقاؤك مع بنونة؟
في دجنبر 1972، حين التقيته للمرة الأخيرة في طرابلس. بعد لقائنا في يونيو سافر إلى الجزائر لاستطلاع أوضاع التنظيم هناك، ثم إلى فرنسا كما أسلفت، ليعود بعدها إلى طرابلس. لم يكن مرتاحا للوضع الذي وقف عليه، وأسر لي أنه اكتشف أن ما يقوله “أوميد” عن جاهزية التنظيم غير صحيح . لكنه مع ذلك كان عازما على الدخول، على أساس أننا سنكون الشرارة التي سوف تشعل الثورة.
- أي أنه لم يدخل، فقط، لإعادة ترتيب أوضاع التنظيم في الداخل؟
ليس هذا ما فهمته منه. قال لي أن علينا أن “نشعلها وليكن ما يكون ” . أظن أن العامل الحاسم الذي جعل بنونة يقرر التعجيل بالدخول إلى المغرب هو المحاولة الانقلابية الثانية في صيف 1972، فقد بدأ يعتقد أن الجيش سيسبقه لإسقاط النظام وحسم الأمور لصالحه، وأن الأوضاع في الداخل ناضجة، وعليه أن يسارع قبل أن تأتي أية مفاجأة من الجيش.
- لماذا لم تدخل معه؟
أكدت له في آخر لقاء بيننا استعدادي للدخول، رغم كل التحفظات التي أبديتها، وأذكر أن آخر حديثنا كان حول حذاء عسكري قياس 45 طلبته استعدادا لذلك، فأجابني بأنني سأجد كل شيء عند سهير العربي الفيكيكي. افترقنا بعدئذ، وبقيت أنتظر فقط الساعة الصفر، فإذا بي أفاجأ بخبر استشهاده وأنا في الإذاعة بطرابلس.
- لماذا لم يعاود الاتصال بك؟
لم أجد جوابا عن هذا السؤال الذي ظل يحيرني، ربما لأنه كان يعرف أن دخوله أشبه ما يكون بالانتحار فأراد أن يوفر عناصر من التنظيم تكون قادرة على فعل شيء ما بعده. هذا لغز لم أجد له تفسيرا.
- ثمة لغز آخر يحيط بهذه القضية، إذ يبدو من خلال عدد من الروايات أن الفقيه كان يعرف كون التنظيم مخترق من أشخاص معينين. لكنه لم يتخذ في حقهم اية إجراءات
فعلا، هذا لغز آخر لا أملك له تفسيرا. أذكر أنني واجهت الفقيه لما رأيت أحمد خير الفيكيكي (أوميد) في اجتماع طرابلس مع بنونة، مستغربا كيف يسمح بحضور هذا الشخص الذي سبق له أن حذرني منه إذ كانت قد تشكلت لدينا قناعة أن له ارتباطات أمنية وأنه مسؤول عن انكشاف الإخوة الذين اعتقلوا في سنة 1970. فأجابني الفقيه، بكل هدوء، أنه يعرف اتصالاته مع المسؤولين الأمنيين المغاربة، وأننا بحاجة إليه كونه “عميلا مزدوجا “!
- من جهتها كانت الأجهزة الأمنية تعرف ما يقع، من خلال هذه الاختراقات، ومع ذلك سمحت بدخول بنونة ومجموعته، كأنها استدرجته إلى الفخ ؟ أو ربما كانت ثمة. ترتيبات سرية مع الفقيه البصري عن طريق اوميد، ما دام يقول إنه عميل مزدوج؟
لا أملك جوابا عن هذه التساؤلات. ربما أن الأجهزة الأمنية لم تعترض مجموعة بنونة حتى يتسنى لها التعرف على الإخوان المرتبطين بالتنظيم السري الذين يمكن أن يتصل بهم بنونة، وتجمع بذلك أكثر ما يمكن من الإخوان غير المعروفين لديها . لقد أبعد أوميد بعد كارثة 3 مارس، كما أن الفقيه نفسه بات معزولا شيئا ما عن الإشراف المباشر على التنظيم ما دام قد قال لنا إنه لم يعط التعليمات لبنونة بالدخول، وذلك أثناء أول اجتماع عقدناه بعد حوالي شهرين على انتفاضة 3 مارس، في مقر إقامته بحي الأبيار بالعاصمة الجزائر، والتي كنت قد حللت بها في 12 مارس بتكليف من القيادة. اندهش كل من حضر هذا الاجتماع لما سمعنا الفقيه يقول إنه لا يتحمل مسؤولية قرار دخول الإخوة، وأنه لم يكن راغبا في ذلك، لكننا فضلنا الانكباب على ما يجب عمله لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإعادة بناء التنظيم.
- ما بين فشل عملية 3 مارس وتوقيف العمل المسلح نهائيا حاولتم القيام بعمليات اخرى؟
أجل، انتقلت إلى الجزائر، في 12 مارس 1973 كما أسلفت، حيث بدأت مرحلة جديدة حاولنا خلالها إعادة هيكلة التنظيم، والتخطيط لبعض العمليات التعبوية لتشتيت قوى الأجهزة الأمنية وتخفيف الضغط عن المناضلين في الداخل، خاصة وأن الدولة حلت الحزب وأطلقت حملات أمنية عنيفة وقاسية أتت على كل قواعد وقيادات الحزب وأسرهم وكل من يمت لهم بصلة مهما بعدت. تقرر أن أنتقل إلى مقر خاص في منطقة حمام بوحجار ضواحي غرب وهران، حيث سأتولى مجددا تدريب مجموعات أخرى من المناضلين استعدادا للعمليات المقبلة. وضعت برنامجا للحفاظ على معنويات المتدربين ككرة السلة والطاولة … وغيرها، إلى جانب التدريب على عمليات متفرقة مثل إشعال حرائق وصنع قنابل موقوته… فى هذه الفترة، برز قياديون جدد، وتعاقب على تحمل المسؤولية عن بناية بوحجر، هاته، كل من محمد آيت قدور ومحمد الأخصاصي (حمادي)، والذي كان قد تقرر خروجه من المغرب قبل انطلاق عمليات 3 مارس، لكنهما سرعان ما اختفيا فجأة لاجئين إلى فرنسا، ثم عبد الغني بوستة (عمر).
- كيف تقرر خروجه من المغرب؟
هذا ما علمته، مما دار في اجتماع ضاحية فيل جويف الباريسية السابق ذكره، إذ كان آخر قرار اتفق عليه إشعار عدد من الإخوة بضرورة الخروج من المغرب في أقرب وقت قبيل انطلاق شرارة الثورة، ويتعلق الأمر بكل من عمر بنجلون، ومحمد الأخصاصي، والطيب بناني، وعبد الغني بوستة، لكن عمر رفض الخروج. كما علمت أن الأخت فاطمة أعزائر (فاما) كان مقررا خروجها منذ 1969 ، لكنها فضلت البقاء في سرية إلى أن وقع اعتقالها في سنة 1974 .وبدوره التحق مبارك بودرقة (البراق، ثم عباس) بالجزائر. بدأ التحضير إذن للمرحلة الجديدة بعد فشل 3 مارس، ولم يمض وقت طويل حتى تبينت مرة أخرى أن لا جدوى من القيام بأي شيء لأن التنظيم كان عاجزا، أو بالأحرى لم يكن لدينا أي تنظيم. غمرني اليأس والإحباط، وكان أكثر ما يؤلمني هو الشعور بأن القيادة تتعامل مع الشهداء والمعتقلين كأنهم مجرد أرقام. وتبخرت أحلامنا بالتغيير الجذري للأوضاع البائسة في وطننا .. في هذه الفترة توثقت علاقتي بالأخ عبد الغني بوستة، فحكيت له كل الملاحظات التي كانت الثقة العمياء في القيادة تمنعني من الوقوف عندها في حينها. كان يدون كل ما حكيت له، وأخبرني أنه جاء خصيصا للمساهمة في الخروج من المأزق الذي كنا فيه. تكونت لدينا خطة أولية لوقف العمل المسلح، وإعادة النظر في كل شيء. وقد تقرر فعلا وقف العمل المسلح تماما في اجتماع 2 غشت 1973 برئاسة عبد الرحمان اليوسفي، كما تقرر حصر قيادة الحزب في الداخل فقط.
- لكنك مع بوستة والفقيه وعدد من أعضاء التنظيم في الخارج اخترتم نهجا مناقضا لما اختاره الحزب في الداخل. بمناسبة مؤتمره الاستثنائي سنة 1975، وأطلقتم على تياركم “الاختيار الثوري”. مقابل اختيار “إصلاحي”، مع انكم قررتم وقف العمل المسلح. كيف كان تصوركم للثورة؟
هذه مرحلة أخرى، برزت فيها خلافات تنظيمية وسياسية. لم نقبل أن يتم تهميشنا وتحميلنا وحدنا مسؤولية العمل المسلح وتبعاته من طرف القيادة الحزبية في الداخل، بينما كنا نعمل في إطار واحد .كما لم نقبل أن تتجه القيادة للتوافق مع النظام باسم قضية الصحراء… لم نقرر الخروج من الحزب، بل عبرنا عن رأينا داخله، لكن المكتب السياسي الذي أفرزه المؤتمر الاستثنائي، أقصى كل الأصوات المخالفة. إذا أردنا الاختصار، يمكن القول إن خلافنا الأساسي مع الخط الذي سار عليه الحزب يتمثل في رفض التوافقات مع النظام، باسم الشعب، وجعل الحزب أداة في خدمة الجماهير، أي العمل معها من أجل تحقيق الثورة الاشتراكية باعتبارها هدفنا الاستراتيجي. وقد شهد هذا المسار تطورات معروفة ليس هنا مجال الوقوف عندها.
- لكن فشل عملية 3 مارس 1973 باعتبارها أوضح تعبير عن الخط الثوري، يثبت في حد ذاته أن الجماهير لم تكن ثورية او مستعدة للثورة وفق تصوركم.
لقد قمنا بنقد ذاتي شامل لتجربة العمل المسلحK وخلصنا إلى أنه لم يكن ليؤدي لأكثر مما أدى إليه، وإلى ضرورة بناء حزب ثوري جديد ينصب جهده على العمل مع الجماهير، من أجل توعيتها وتأطيرها على أساس قواعد ديمقراطية حقيقية وليس القرارات الفوقية. لكنني مقتنع أن الظروف التي كانت سائدة في تلك المرحلة، كما كانت تصلنا أصداؤها، كانت سانحة للثورة، لولا الأخطاء التنظيمية القاتلة لقادتنا. هؤلاء القادة الذين يجب أن أؤكد، رغم كل شيء، أنهم وطنيون بذلوا ما استطاعوا من أجل التغيير ولم يوفقوا، وهو ما جعلهم ربما مضطرين لنهج طرق أخرى. كما يجب أن أؤكد أن كل ما ساهمت فيه كان حافزه الحلم بمغرب العدالة والحرية والحق، مغرب يحقق إصلاحا زراعيا ويبنى اقتصاد صناعيا وطنيا يفتح آفاق الاشتراكية والتغيير الجذري ببلادنا، وهو الحلم الذي راح ضحيته شهداء كثر على رأسهم المهدي بن بركة.
حاوره إسماعيل بلا وعلي
زمان //// دجنبر 2017 //// العدد 50
اقرأ أيضا

