عمال التوصيل في المغرب ليسوا مستقلين

في تموز/يوليو 2025، جُمِّد حساب عامل التوصيل بالدراجة النارية محمد صبان، البالغ 38 عاماً، على تطبيق غلوفو، فتوقّفت الطلبيات عن الوصول إلى هاتفه، بعدما دفع «ضريبة» تأسيس مكتب نقابي داخل صفوف الاتحاد المغربي للشغل دفاعاً عن حقوق عمّال هذه المنصّة. منذ تلك اللحظة، تحوّلت قصته إلى مدخل مكثّف لفهم تحوّل ملموس في سوق الشغل الحضري في المغرب: صعود نموذج جديد من العمل لا يَعِد بعقد، ولا يعترف بأجير، لكنه يَعِد بفرص دخل سريع، ويُخضع آلاف الشباب لسلطة خوارزمية لا يرونها إلا في شكل إشعارات وتقييمات وإيقاف مفاجئ للحساب.

تتجاوز هذه القصة حدود تطبيق بعينه، وتكشف إشكالات أعمق تتصل بدخول تطبيقات التوصيل العالمية إلى بلد مثل المغرب، حيث تتقاطع بطالة الشباب المرتفعة مع اتساع القطاع غير المهيكل وتعثّر قنوات الإدماج المهني التقليدية، في سياق يشهد تسارعاً لافتاً في الرقمنة الحضرية، وتحولاً متزايداً في الاستهلاك اليومي نحو منطق الطلب الفوري.

اقتصاد رمادي

في الأعوام الـ10 الأخيرة، قدّمت تطبيقات التوصيل، وعلى رأسها «غلوفو»، نفسها بوصفها عنواناً لعصر جديد من «اقتصاد المنصّات» و«اقتصاد المهام والعمل الحر»، إذ يستطيع الشاب الالتحاق بالعمل سريعاً، من دون تعقيد إداري كبير، ومن دون انتظار مباراة أو امتحان توظيف أو وساطة أو سيرة ذاتية معقّدة. ووفّرت هذه المنصّات منفذاً آنياً إلى الدخل، ووسّعت استخدام الخدمات الرقمية، وربطت آلاف المطاعم والمتاجر بمنظومة طلب حضرية سريعة الإيقاع.

لكن لهذا العمل وجهاً آخر، يتأسّس على هشاشة بنيوية: لا عقد شغل واضحاً، ولا أجراً ثابتاً، ولا تغطية أو حماية مضمونة ضد الحوادث، ولا شفافية كاملة في تحديد الأجر أو توزيع الطلبيات أو تفسير العقوبات الرقمية.

يصعب قراءة ظاهرة عمّال التوصيل في المغرب بخطاب أخلاقي يقوم على الإدانة الجاهزة. فقد وجدت هذه المنصّات سوق شغل حضرية متأزّمة أصلاً، ثم أعادت تنظيم جزء من هشاشتها داخل شكل رقمي أكثر حداثة، وأكثر كفاءة بالنسبة إلى المستثمر، وأقل حماية بالنسبة إلى العامل. ومن هنا، تحديداً، تنبع أهمية النظر إلى «غلوفو» وسواها باعتبارها بنية اقتصادية غيّرت معنى العمل ووظيفته في المدينة المغربية.

بات واضحاً أن تطبيقات التوصيل العالمية تشتغل في المغرب بوصفها فاعلاً أساسياً في إعادة صياغة الاقتصاد الحضري اليومي. فلم يعد سكّان المدن الكبرى يستهلكون الطعام أو الدواء أو المقتنيات الصغيرة بالطريقة نفسها؛ صار كل شيء أقرب وأسرع، وأكثر خضوعاً لمنطق الطلب الفوري. وخلف هذا التحوّل يقف جيش من الموصّلين يجوبون الأزقة والشوارع والدروب، حاملين على ظهورهم اقتصاداً جديداً يقوم على الاستجابة اللحظية وضغط الزمن، وأيضاً على نقل كلفة المخاطر من الشركة إلى العامل.

لا يمكن فهم انجذاب الشباب المغربي إلى هذا القطاع من دون وضعه في سياق أزمة الشغل الأوسع. فقد أفادت المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة على الصعيد الوطني بلغ 13% في عام 2025، بعد أن وصل إلى 13.3% في عام 2024، مع استمرار تركّز البطالة في المدن، حيث يبلغ المعدل نحو 16.4%. وعلى الرغم من هذا التراجع الطفيف، لا تزال بطالة الشباب بين 15 و24 عاماً عند مستويات مرتفعة تناهز 37%. في هذا السياق، تبدو تطبيقات التوصيل، بالنسبة إلى كثيرين، أقل شرّاً من البطالة، لا أقل ولا أكثر؛ فهي تمنح فرصة فورية للحصول على دخل، ولو غير مضمون، في لحظة يضيق فيها أفق الوظيفة العمومية، ولا يستوعب القطاع الخاص المهيكل ما يكفي من الوافدين الجدد إلى سوق الشغل.

ولا تخلق «غلوفو» سوقاً موازية لسوق العمل، بل تتغذّى من اختلالاته. فالشاب الذي عجز عن العثور على وظيفة مستقرة، أو خرج مبكراً من التعليم، أو راكم تجارب قصيرة وهشّة في مطاعم ومحلات ومهن مؤقتة، يجد في التطبيق باباً مفتوحاً لا يسأله كثيراً عن الشهادة أو الخبرة، بقدر ما يطلب وسيلة نقل وهاتفاً واتصالاً دائماً واستعداداً لتحمّل المخاطر. لذلك، تمثّل هذه السهولة في الولوج أحد مكامن قوة اقتصاد المنصّات.

يحمل الخطاب الذي يرافق هذا النموذج مفردات جذابة ورنّانة، من قبيل: المرونة والاستقلال، وأن تكون «مدير نفسك»، وأن «تختار وقتك بنفسك»، وأن تحوّل جهدك إلى دخل وفق رغبتك. لكن هذه اللغة تخفي، في العادة، واقعاً مختلفاً. فإذا كان العامل يملك حرية الدخول إلى التطبيق أو الخروج منه، فإنه لا يملك، فعلياً، حرية تحديد التسعيرة، ولا التفاوض على شروط التوصيل، ولا معرفة آلية ترتيب الأولويات داخل التطبيق، ولا الاعتراض الفعّال على الجزاءات الخوارزمية. بذلك، تصبح «المرونة» هنا أقرب إلى مرونة من طرف واحد؛ فالمنصّة مرنة في تحميل الكلفة، أما العامل فمرن في تحمّلها.

في المغرب، يزداد هذا الإشكال تعقيداً بفعل توسّع استخدام إطار «المقاول الذاتي»، الذي يهدف أصلاً إلى تشجيع الأنشطة الفردية الصغيرة على الاندماج في الاقتصاد الرسمي، وتبسيط منظومة الضرائب والإجراءات الإدارية. لكن توظيفه في حالة عمّال التوصيل يمنح المنصّة وسيلة قانونية ملائمة للتنصّل من تبعات علاقة الشغل التقليدية؛ إذ يعمل هؤلاء من دون حد أدنى للأجر تضمنه المنصّة، ومن دون تعويضات عن حوادث الشغل.

يطفو على سطح هذا المشهد ما يمكن وصفه بطبقة «اللاأُجراء». فهؤلاء ليسوا أجراءً بالمعنى القانوني الكامل الذي تكرّسه مدونة الشغل، لأن عقودهم أو أوضاعهم الإدارية تحرمهم من هذه الصفة. كما أنهم ليسوا مستقلين فعلياً بالمعنى الاقتصادي الحقيقي، لأنهم لا يملكون تحديد الأسعار، ولا قاعدة زبائن خاصة، ولا يتحكّمون في شروط النشاط الأساسية. إنهم عالقون في منطقة رمادية، يتحمّلون فيها عبء الاستقلال من دون امتيازاته، ويخضعون لشروط التبعية من دون حماياتها.

الخوارزمية بوصفها ربا للعمل 

لم يختفِ ربّ العمل التقليدي تماماً في بنية اقتصاد التطبيقات، بل عاد في صورة خوارزمية. ففي المصنع أو المؤسسة البيروقراطية أو الورشة، عرف العامل غالباً من يُصدر الأمر، ومن يحاسبه، ومن يمكن أن يشتكي إليه أو يتفاوض معه. أما في هذا الاقتصاد الرقمي، فقد توزّع جزء كبير من السلطة داخل بنية التطبيق نفسه وآلياته وخوارزمياته؛ من الترتيب وتوزيع الطلبات والتقييم، إلى العقوبة والحجب المؤقت أو الإقصاء النهائي.

تكشف الممارسة اليومية أن دور المنصّة يتجاوز الوساطة البسيطة بكثير. فهي تضبط إيقاع العمل اليومي، وترسم مسارات التوصيل، وتحتسب زمن الإنجاز، وتراقب التنفيذ لحظة بلحظة، ثم تترجم السلوك «الجيد» أو «السيئ» إلى نقاط وفرص وعقوبات داخل النظام نفسه. بهذه الكيفية، تمارس المنصّة عملياً وظائف التنظيم والإشراف والتأديب، في علاقة أقرب إلى علاقة شغل ذات تبعية فعلية منها إلى علاقة تجارية بين طرفين مستقلين.

في هذا السياق، يتخذ الأجر صبغة ملتبسة تتخطى الأرقام المعروضة على شاشات الهواتف؛ فالمداخيل التي يرصدها العامل ليست سوى مبالغ خام تسبق خصم قائمة طويلة من النفقات التشغيلية التي تستنزف القيمة الفعلية للدخل. إذ يتحمّل العامل وحده مسؤولية تأمين وسائل الإنتاج وصيانتها، بدءاً من كلفة الدراجة واستهلاك الوقود، وصولاً إلى الإصلاحات الميكانيكية والأعباء اللوجستية المرتبطة بفواتير الإنترنت وتجديد المعدات التقنية. ولا تقتصر هذه الكلفة على الجانب المادي الصرف، بل تطال المخاطر الصحية والقانونية أيضاً، إذ يقع عبء الغرامات المرورية أو التوقف القسري عن العمل، نتيجة الإصابة أو العطب، على عاتق الفرد، في ظل غياب أي نظام تعويضي يوفّر له الحماية اللازمة. يكرّس هذا الوضع تحولاً جوهرياً في بنية العمل، إذ يعيد توزيع المخاطر التي تحمّلتها الشركات تاريخياً، ويدفع بها إلى كاهل المشتغلين، ما يحوّل وسيلة الإنتاج من أصل استثماري للمؤسسة إلى التزام مادي يومي يقلّص الجدوى الاقتصادية لجهد العامل الفرد.

يصف عمّال هذه التطبيقات ظروف عملهم بـ«العبودية الرقمية» أو «حياة الماعز»، وقد ظهرت هذه الأوصاف في التغطيات الصحفية الميدانية حول أوضاع الموصّلين في المغرب. وتتجاوز هذه اللغة حدود المبالغة الخطابية، لتشكّل انعكاساً سوسيولوجياً لشعور العامل بالاستلاب الناتج عن المطالبة بالجاهزية الدائمة والسرعة القصوى والانضباط الصارم، في مقابل وضع قانوني هش يفتقر إلى أبسط مقوّمات الحماية.

مع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال القصة كلها في صورة ضحية وشركة متغوّلة فحسب. فـ«غلوفو»، مثل سواها من منصّات التوصيل، لبّت حاجة اقتصادية حضرية حقيقية. فقد ساهمت في توسيع سوق التوصيل، وربطت مطاعم ومتاجر صغيرة بزبائن جدد، وواكبت التحوّل في أنماط الاستهلاك، كما أشارت تقارير صحفية إلى تنامي الطلبيات في صيف عام 2024. فضلاً عن أن المنصّة تروّج نفسها باعتبارها تتيح «تعاوناً مستقراً» و«أرباحاً أسبوعية» ومرونة في الالتحاق بالعمل.

يستمد هذا النموذج قوته من قدرته على جعل الحاجة الاقتصادية العامة غطاءً لتطبيع هشاشة وضعية العامل الخاصة. فالزبون يرى في هذه المنظومة خدمة سريعة وسلسة، ويجد فيها صاحب المطعم قناة إضافية لتوسيع المبيعات، ويراقبها المستثمر بوصفها قطاعاً واعداً للنمو، وتقرأها الدولة كقفزة نحو رقمنة الاقتصاد الحضري، فيما يظل العامل الحلقة الوحيدة التي تتراكم عندها الضغوط اليومية والأعباء المادية والمخاطر الجسدية. لذلك، لا يقتصر قياس نجاح المنصّة على رصد حجم الطلبيات، بل يتطلب فحص جوهر العلاقة التي تنسجها مع الأفراد الذين ينفّذون الخدمة على أرض الواقع.

ليسوا مستقلين

تكتسب حالة «غلوفو» في المغرب أبعاداً مختلفة تماماً عند مقارنتها بالوضع الإسباني، أي ببلد منشأ الشركة. ففي عام 2020، أقرّت المحكمة العليا الإسبانية انتفاء صفة الاستقلالية الفعلية لدى الموصّلين، مؤكدة وجود علاقة شغل نظامية نابعة من إشراف المنصّة على تنظيم الخدمة وإدارة عناصرها الأساسية. وأعقب ذلك صدور «قانون الرايدرز» الإسباني، الذي كرّس الاعتراف بعمّال التوصيل بوصفهم أجراءً يتمتعون بالحق في الحماية الاجتماعية والتمثيل الجماعي وشفافية الإدارة الخوارزمية.

لا تهدف هذه المقارنة إلى استنساخ التجربة الإسبانية، بل تكشف مفارقة سياسية واقتصادية صارخة؛ إذ يواصل النموذج، الذي خضع لضغوط قضائية وتشريعية حازمة في البيئة الأوروبية، توسعه داخل دول الجنوب، مدفوعاً بضبابية الإطار القانوني وارتفاع معدلات البطالة وضعف القدرة التفاوضية للعمّال. لذلك، يتحوّل المغرب، نتيجة هذه الظروف، إلى مكان ملائم لاستدامة أنماط استغلال واجهت عوائق حقيقية في البيئات التنظيمية الأكثر صرامة.

لكن الحديث عن كون المنطقة «مختبراً للجنوب» لا يحجب خصوصية الحالة المغربية. فالمسألة ترتبط بالتقاء النموذج الوافد مع شروط محلية معقّدة، تشمل التمدين السريع والهجين، والبطالة الشبابية الحادّة، وهشاشة الإدماج المهني، إضافة إلى حضور الاقتصاد غير المهيكل والمناطق الرمادية في العمل. لذلك، تستمد المنصّة قوتها من قدرتها على التغلغل في بيئة اجتماعية واقتصادية مهيّأة بنيوياً لاستقبال أنماط العمل الهش، لا من قوة رأسمالها أو تقنيتها وحدهما. من هذا المنطلق، يتّضح تعذّر حل هذه القضية عبر المقاربات القانونية التقنية الضيقة وحدها؛ إذ تظل جذور الأزمة قائمة، حتى مع تعديل تصنيف العمّال أو وضع قيود تنظيمية، ما دامت سوق الشغل عاجزة عن توفير بدائل حقيقية للشباب.

حراك جماعي يتحدى عزلة العامل الرقمية

اكتسب هذا النقاش في السياق المغربي بعداً ملموساً مع تبلور احتجاجات عمالية واضحة المعالم، إذ شهد صيف عام 2025 وخريفه توالي الإضرابات والوقفات الاحتجاجية لعمّال منصّة «غلوفو». وتركّزت مطالب الموصّلين على مراجعة الأجور وتحسين شروط الاشتغال، مع التنديد بسياسات الطرد التعسّفي والتجميد غير المبرّر للحسابات، فضلاً عن المطالبة بالحق في الحماية الاجتماعية. تكشف هذه الديناميات الاحتجاجية أن العامل الرقمي، على الرغم من افتقاره إلى فضاء عمل مشترك بمعناه الكلاسيكي وتشتّته الجغرافي، يمتلك القدرة على تجاوز العزلة نحو فعل جماعي مؤثر، يبتكر عبره أنماطاً مستجدّة من التضامن والتنظيم النقابي الموازي.

تشكّل واقعة محمد صبان مثالاً دالاً في هذا السياق، إذ سلّط تجميد حسابه عقب تأسيس مكتب نقابي الضوء على مأزق الحريات النقابية داخل اقتصاد المنصّات. فقدرة التطبيق على قطع مصدر دخل العامل بضغطة رقمية تجعل الحق في الاحتجاج أو التنظيم عرضة لهشاشة غير مسبوقة؛ فالجزاء هنا لا يسلك مساطر تأديبية شفافة، بل يمر عبر إجراءات تعطيل تقني يصعب الطعن فيها أو الحصول على تفسير قانوني واضح لموجباتها.

ومن زاوية أوسع، تترجم هذه التحركات إرهاصات وعي مهني جديد يتشكّل بين عمّال المنصّات في المغرب؛ فالعامل الذي ولج عالم التطبيقات بوصفه فرداً يبحث عن دخل مستقل، صار يكتشف تدريجياً قواسم مشتركة تجمعه بنظرائه، تتمثّل في انخفاض التسعيرة وغموض الخوارزمية وارتفاع الكلف التشغيلية، فضلاً عن خطر الحظر المفاجئ وانعدام الحماية الاجتماعية وقنوات التفاوض. وتنتج من ذلك مفارقة لافتة: اقتصاد المنصّات الذي تأسّس على منطق تفريد العلاقة مع كل عامل على حدة، صار هو نفسه محفّزاً لإنتاج هويات جماعية وأشكال احتجاجية مستحدثة تتجاوز المنطق الفرداني الذي تأسّست عليه المنظومة.

تسوية حكومية لعمل «لانمطي»

لم تقتصر الضغوط الممارسة على نموذج «غلوفو» على التحركات النقابية الميدانية، إذ دخلت أجهزة الرقابة الرسمية على الخط لتقييد تغوّل المنصّة اقتصادياً. ففي عام 2025، صادق مجلس المنافسة على اتفاق تسوية مع «غلوفو» عقب أبحاث معمّقة في ممارسات محتملة مخلّة بالتنافسية، شملت بنود الحصرية واستغلال الوضع المهيمن. وانتهى المسار بغرامة مالية ناهزت 20 مليون درهم، أي نحو 2 مليون دولار، في عام 2026، وفق ما أفادت به مواقع صحفية محلية. كما ضمّت حزمة المعالجة التزامات دقيقة تتعلق بإرساء الشفافية، وإسقاط البنود الاستئثارية، وتسقيف العمولات المفروضة ضمن حدود معيّنة.

تكتسب هذه المبادرة أهميتها من تثبيت حضور الدولة عبر فرض شروط أوضح على فاعل مهيمن في سوق التوصيل، لكنها تكشف، في الوقت نفسه، حدود المقاربة المتبعة. فقد ركّز مجلس المنافسة، بحكم اختصاصه، على ضبط توازنات السوق وشروط التعامل مع المطاعم والشركاء التجاريين، وألزم «غلوفو» بتسقيف العمولات عند 30%، وإلغاء بنود الحصرية، واعتماد قدر أكبر من الشفافية التعاقدية. وعلى هامش هذه التسوية، أعلنت الشركة حزمة من الإجراءات الاجتماعية، أبرزها برنامج «غلوفو+»، ومساهمة مالية سنوية تقارب 31 مليون درهم، أي نحو 3 ملايين دولار، لفائدة عمّال التوصيل المستقلين، إضافة إلى صندوق اجتماعي للمنح الدراسية وتسهيل الولوج إلى التأمين. ومع ذلك، يظل جوهر الإشكال مفتوحاً، لأن هذه الالتزامات، على أهميتها، لا تغيّر الإطار القانوني الذي يعرّف هؤلاء بوصفهم «مستقلين»، ولا تحسم مسألة إدماجهم ضمن حماية شغلية كاملة، وهو ما يبقي الحلقة الأضعف في علاقة العمل معلّقة بين برامج دعم ظرفية وغياب اعتراف صريح بحقوق الأجير.

بالموازاة، تتبنّى الهياكل المؤسسية الرسمية تشخيصاً يضع أنماط الشغل اللانمطية، مثل العمل عبر المنصّات الرقمية، ضمن خانة «اللايقين». فقد أقرّ رأي استشاري للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي، صادر في عام 2025، بوجود هذه الفئات خارج مظلة الحماية القائمة. وتنطوي هذه الأنماط، بحسبه، على هشاشة أجرية وانكشاف اجتماعي حاد، على الرغم من المرونة الظاهرية التي تروّج لها. لذلك، تبرز ضرورة ملحّة لمراجعة الإطار التشريعي، بما ينسجم مع التحولات الرقمية ويضمن شروط العمل اللائق. ويتقاطع هذا التوصيف الرسمي مع اتساع رقعة المهن الرقمية التي تزاول نشاطها في غياب تام للعقود القانونية، ويظل عمّال التوصيل الفئة الأكثر عرضة لهذه العزلة المؤسساتية، إذ يعكس واقعهم غياب تغطية واضحة من مدونة الشغل ونظم الضمان الاجتماعي.

أمامهم مسارين للتسوية

لا تظهر بعدُ في المغرب معالم نهائية لنموذج واحد في التعامل مع عمّال المنصّات الرقمية، لكن الخطابات الحكومية المتاحة تُظهر توجّهين رئيسين أكثر من غيرهما. يشير التوجّه الأول، في صيغة عامة، إلى ضرورة تعديل مدونة الشغل بما يسمح باستيعاب الأشكال الجديدة للتشغيل، ومنها العمل عبر المنصّات الرقمية والعمل عن بُعد، مع التركيز على حفظ حقوق الأجراء ورفع الحيف عن الفئات الهشّة. ولا يقدّم هذا التوجّه، حتى الآن، تصوّراً مفصّلاً حول إدراج عمّال المنصّات ضمن فئة الأجراء، لكنه يفتح الباب أمام خيار توسيع الحماية الشغلية كلما تبيّن وجود تبعية فعلية تتجاوز صفة «المستقل» على الورق.

في المقابل، تذهب تصريحات وزير الإدماج الاقتصادي والتشغيل، يونس السكوري، إلى طرح حلّ أقرب إلى نموذج هجين؛ إذ تحدّث عن اعتبار العاملين عبر المنصّات «مقاولين ذاتيين» اختيارياً وطوعياً، مع إلزام الشركات بالمساهمة في صندوق مشترك يوفّر التغطية الاجتماعية، وتخصيص جزء ثابت من الدخل يُضاف إلى الحوافز المتغيرة، مع رفض ما سمّاه «الاستبداد الرقمي» لبعض نماذج العمل الحديثة. يحافظ هذا الخيار على خطاب الاستقلالية الذي تتبنّاه المنصّات، لكنه يحاول، في الوقت ذاته، إدراج عنصر حماية جماعية، فيما تبقى قوته أو هشاشته رهن تفاصيل التنفيذ: نسب المساهمة، ومستوى الدخل الثابت، وطريقة ضمان عدم تحوّل «الاختيار» إلى شرط عملي مفروض على العامل.

في المحصّلة

تتجاوز معضلة «غلوفو» في المغرب ثنائية النفع والضرر، وتكشف نموذجاً اقتصادياً يزاوج بين حركية التجارة الرقمية وإلقاء كلفة المخاطر على عاتق الفئات الهشّة. لذلك، يستوجب هذا المنعطف إخراج القطاع من ضبابية «المنطقة الرمادية»، عبر اعتراف تشريعي رصين يقرّ بمكانة عمّال المنصّات بوصفهم ركيزة أساسية في سوق الشغل المعاصر، بعيداً عن التوصيفات التي تحصرهم في خانة الأعمال الهامشية أو العابرة.

يرهن تكريس الوضع القائم مستقبل الشباب برقمنة التبعية، مع توسّع نطاق الخدمات بالتوازي مع تعميق انعدام الأمان الوظيفي تحت سطوة الخوارزميات. ويقتضي التغيير الحقيقي تبنّي رؤية تدمج كرامة العمل في صلب جودة الاقتصاد، وتتيح صياغة نموذج مغربي خاص يوازن بين مرونة الابتكار وصيانة الحقوق، ويحوّل التقنيات الحديثة من أدوات لفرض «الاستبداد الرقمي» إلى وسائل لتعميق الاستقرار الاجتماعي والعدالة المهنية.

في نهاية المطاف، تختزل قصة «محمد صبان» جوهر هذا التحوّل؛ إذ تتحوّل من واقعة تجميد حساب إلى مرآة تعكس هشاشة الروابط المهنية في العصر الخوارزمي. يجد العامل نفسه أمام شاشة صامتة تلغي فجأةً مصدر رزقه، ثم يكتشف أن المسافة بين وعود الحرية المهنية وواقع الإقصاء الرقمي تتلاشى بلمسة واحدة من المنصّة. ومن ثمّ، يتشكّل مستقبل العمل الرقمي في المغرب وسط تجاذب يضع بريق الوعود التقنية لاقتصاد التطبيقات في مواجهة غياب الضمانات المؤسسية والقانونية التي تحمي هذه الفئة من تقلّبات البرمجيات وسيولة الخوارزميات.

المصدر موقع صفر

شارك المقالة

اقرأ أيضا