عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال

الشباب و الطلبة8 يوليو، 2026

ملف حول كرة القدم والرأسمالية بمناسبة بطولة كأس العالم المقامة حاليا في أمريكا-كندا- المكسيك

لا توجد اليوم ظاهرة ثقافية تجمع البشر كما تفعل كرة القدم. مليارات العيون تتجه نحو المستطيل الأخضر، ومئات الملايين ينسجون أحلامهم وانتماءاتهم عبر نادٍ أو منتخب. لكن، خلف هذا المشهد الآسر، تدور مباراة أخرى أقل ظهوراً وأكثر حسماً: مباراة المال والسلطة والسوق.

ففي ظل الرأسمالية المعاصرة، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، ولم يعد كأس العالم مجرد احتفال رياضي. لقد تحول إلى صناعة كونية تقدر بمليارات الدولارات، تتقاطع فيها مصالح الشركات العابرة للقارات، والمؤسسات المالية، والإعلام العملاق، وصناعة الإعلان، والسياحة، والسياسات الحكومية، وحتى رهانات النفوذ الجيوسياسي. وأصبحت البطولة الكبرى، التي توحد الشعوب ظاهرياً، أحد أكثر أشكال العولمة الرأسمالية اكتمالاً.

كل أربع سنوات، لا تتنافس المنتخبات وحدها، بل تتنافس أيضاً العلامات التجارية على احتلال الوعي، والمنصات الإعلامية على احتكار الانتباه، والدول على تحسين صورتها الدولية، والشركات على تعظيم الأرباح. أما الجماهير، التي تصنع بجنونها وشغفها المعنى الحقيقي لكرة القدم، فتتحول تدريجياً إلى مستهلكين داخل سوق عالمية تُباع فيها المشاعر كما تُباع السلع.

وتأتي نسخة الولايات المتحدة والمكسيك وكندا لتدفع هذا المنطق إلى مداه الأقصى. فبطولة غير مسبوقة من حيث الحجم وعدد المباريات والأسواق المستهدفة، تجسد اتجاهاً واضحاً نحو تعظيم القيمة التجارية للحدث أكثر من أي وقت مضى. ولا عجب أن ترافقها نقاشات حادة حول أسعار التذاكر، وأعباء التنظيم، والآثار البيئية، وحدود استقلال القرار الرياضي أمام المصالح الاقتصادية والسياسية.

غير أن هذا الملف لا ينطلق من موقف عدائي تجاه كرة القدم، بل على العكس. فهو ينطلق من الإيمان بأن اللعبة أكبر من السوق، وأعمق من الإعلانات، وأغنى من حسابات الأرباح والخسائر. ولذلك، فإن فهم كرة القدم اليوم يقتضي النظر إليها باعتبارها ساحة يتداخل فيها الرياضي بالاقتصادي، والثقافي بالسياسي، والمحلي بالعالمي.

سنحاول، عبر مقالات هذا الملف، أن نقرأ كأس العالم بوصفه مرآةً لعصرنا: كيف تتحول الرياضة إلى سلعة؟ كيف يعاد إنتاج التفاوت العالمي داخل الملاعب وخارجها؟ ما علاقة الفيفا والشركات الكبرى بمنطق الرأسمالية المعولمة؟ وكيف تستطيع اللعبة، رغم كل عمليات الاحتواء التجاري، أن تظل فضاءً للمتعة الشعبية، وللهوية الجماعية، ولحظات إنسانية تعجز السوق عن امتلاكها بالكامل؟

فالكرة ليست بريئة… لكنها ليست مذنبة أيضاً. إنها ميدان يتجلى فيه، ربما أكثر من أي مجال آخر، الصراع الدائم بين منطق الإنسان ومنطق السوق.

جريدة المناضل-ة

****************************

النظريات الماركسية للرياضة: الأمة، والسوق والمتعة

8 يوليو 2014 | بقلم؛ سوزان فيرغسون

ما الدور الذي تؤديه الرياضة في نسيج المجتمع؟ تنطلق سوزان فيرغسون من نقد ماركسي كلاسيكي لعلاقة الرياضة بالنظام الرأسمالي، لتقدم إعادة نظر في هذا النشاط بوصفه ظاهرة اجتماعية وثقافية معقدة. فهي لا تقتصر في قراءتها لأيديولوجيا الرياضة على وصفها بأنها مجرد أداة لتوليد “وعي زائف” لدى اللاعبين والجماهير، بل تفتح الباب أمام احتمالية أن تكون فضاءً لتجربة المتعة الجسدية، وربما منطلقًا لتحرر ممكن.

من هنا، تنادي فيرغسون الباحثين الماركسيين بتجاوز المقاربات الكلاسيكية، والغوص في إمكانات الأجساد الرياضية التي قد تعبّر عن مقاومتها لمنطق الرأسمالية، ورفضها الاستسلام الكامل لإملاءاتها وآليات اشتغالها.

سوزان فيرغسون أستاذة مشاركة في الدراسات المعاصرة والصحافة بجامعة ويلفريد لوريير في برانتفورد، أونتاريو. تمتد اهتماماتها البحثية لتشمل النظرية النسوية، والاقتصاد السياسي، ودراسات الطفولة، إضافة إلى دراسات الثقافة والإعلام، ولها العديد من المنشورات في هذه الحقول.

مقتبس من مجلة Contretemps.

في طريقها إلى دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في فانكوفر، وصلت الشعلة الأولمبية إلى مجتمع الموهوك في كاهناواكي بمقاطعة كيبيك، فتجلى التداخل المعقّد بين السياسة والرياضة في صورة مفاوضات حساسة.

فبدلاً من المراسم الاحتفالية المألوفة، نُقلت الشعلة بهدوء في سيارة يقودها وسيط من السكان الأصليين، ثم سُلّمت إلى ألوين موريس، بطل التجديف بالكاياك من قبيلة الموهوك، الحائز ذهبية أولمبياد 1984. رفع موريس الشعلة عالياً، وانطلق بها في شوارع القرية، مختتماً محطته من رحلة الشعلة. غير أن موكبه كان أبسط بكثير من المواكب التي صاحبت بقية حاملي الشعلة؛ والغياب الأبرز كان غياب رجال الشرطة الملكية الكندية.

رسالة المجتمع المحلي كانت واضحة: لا ترحيب بالشرطة الكندية في بقعة شهدت حصار أوكا عام 1990.(1) أما الشعلة نفسها، فقد احتفى بها المجتمع بحرارة. صحيح أن مجموعة صغيرة رفعت شعارات احتجاجية مثل “تخلصوا من السم… أطفئوا الشعلة”، معتبرة أن الأولمبياد يُقام على أرض منهوبة من أصحابها الأصليين، في مدينة تواصل تهميش السكان الأصليين وقمعهم، غير أن هذا النقد الذي يقرأ الأولمبياد في سياق القومية الكندية، لم يلقَ صدى جماهيرياً واسعاً.

في الطرف المقابل، احتشد المئات لاستقبال الشعلة، معبرين عن قناعة راسخة بالقيم الإيجابية للرياضة وقدرتها على جمع الشمل. قال الزعيم الأكبر مايكل ديليسل جونيور للصحفيين إن الشعلة تمثل “بصيص أمل”، بينما رأى فيها ألوين موريس رمزاً “للوحدة والسلام، ولحظة تجمع العائلة والأصدقاء، وتوحيد البلاد”.

تردد أصداء هذه القيم في جنبات مجتمع كاهناواكي؛ في ملاحظات مدربي فرق الناشئين ومعلمي التربية البدنية، وفي الكتيبات الصادرة منذ الخمسينيات التي شجعت الشركات والنقابات على حد سواء على تكوين فرق للبيسبول والبولينغ، وفي السياسات الحكومية للتربية البدنية والمراكز المجتمعية، وفي خطابات مسؤولي الدوريات المحترفة عند كل أزمة تنشط حول المنشطات أو التلاعب بالنتائج، لتبلغ ذروتها في الخطاب الرسمي للحركة الأولمبية، ثم تتردد في التغطية الإعلامية المكثفة.

ويمكن حصر الأيديولوجيا الرياضية، التي تمنح الرياضة سحرها النافذ، في مبادئ جوهرية:

  • اللعب النظيف.
  • الاستحقاق والنجاح عبر التنافس.
  • الانضباط الذاتي والمثابرة.
  • العمل الجماعي.

تتقاطع هذه المبادئ بوضوح مع قيم الرأسمالية واقتصاد السوق، وهي حقيقة طالما نبّه إليها مفكرو اليسار. في هذا المقال، أستعرض بإيجاز أهم الحجج الماركسية واليسارية في هذا السياق، مفرّقاً بين اتجاهين: الأول، يركّز على بنية الرياضة في إطارها الرأسمالي؛ والثاني، يهتم بكيفية استخدام الرياضة لتشكيل الأجساد وتهذيبها.

في الختام، سأناقش حدود هذين المسارين. فرغم قوتهما التحليلية، تظل صورتهما ناقصة؛ فكثير من التحليلات اليسارية تختزل أيديولوجيا الرياضة في “وعي زائف”، متغافلة عن أن الرياضة تحمل أيضاً قيماً وتجارب حقيقية تمنحها جاذبيتها، وتدفع الملايين لممارستها ومتابعتها بشغف.

الأمة والتجارة: الرياضة في سياقها الاجتماعي

أكدت الأدبيات الماركسية واليسارية دوماً أن القيم الرياضية ليست وليدة طبيعة مستقلة عن الواقع، بل هي نتاج بنى السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالرياضة متشابكة مع أنظمة الهيمنة الأبوية، والعنصرية، والتمييز الجنسي، والإمبريالية، ولا يمكن فكّها من هذا السياق. وبالتالي، فإن قيم العدالة والاستحقاق التي تزعم المنافسة الرياضية ليست محايدة، ولا تتحقق كما تُعرض. فكيف يمكن الحديث عن العدالة في رياضة تقصي النساء أو تهمشهم، أو تنبذ المثليين؟ وكيف يتحقق “الاستحقاق” في رياضة احترافية تمنح الأولوية للعنف أحياناً على المهارة؟

في هذا المنظور، ترى اليسار أن الرياضة، في كنف الرأسمالية، بقيمها وممارساتها، تكرّس الانقسام الاجتماعي وتعيد إنتاج الهيمنة بأشكال متعددة. فخلف الخطاب المنمّق للروح الرياضية، تختبئ غاية وحيدة: الفوز بأي ثمن، وتقديس التضحية الفردية، ليس بوصفها نزاهة وانضباطاً، بل وسيلة لتعظيم الأرباح في الرياضة الاحترافية، ورفع المكانة في هواة الرياضة، وضمان العقود والمكاسب.

وتشكّل الألعاب الأولمبية الحديثة نموذجاً بارزاً لكيفية توظيف الرياضة لبث الانقسامات لا لتجاوزها.

ففي أثينا 1896، انطلقت الأولمبياد كمنافسات فردية بين هواة، لكنها سرعان ما توشحت بالسياسة. فمنذ 1912، صار الرياضيون يمثلون دولهم عبر المنتخبات الوطنية، لتصبح المنافسة القومية سمة أولمبية طاغية، تتفوق غالباً على شعارات العالمية وحقوق الإنسان.

كما ارتبطت الأولمبياد مبكراً برأس المال، إذ أقيمت منافساتها الأولى في أجنحة المعارض العالمية، كما حدث في باريس 1900 وسانت لويس 1904، في إيذان مبكر بالتحام الرياضي بالاقتصادي.

وتحوّلت الأولمبياد مع الزمن إلى ساحة للصراع السياسي بين الدول. وأبرز الأمثلة، دورة برلين 1936، حين سخّر هتلر الحدث لترويج صورة النازية، فنظّف شوارع المدينة من الغجر (إذ أُرسل نحو 800 منهم إلى معتقلات قبل الأولمبياد)، وأخفت المظاهر المعادية للسامية لإظهار وجه أقل بشاعة. في تلك الدورة، أُرسي تقليد نقل الشعلة من جبل أوليمب إلى المدينة المضيفة، ربطاً رمزياً بين “الأمة الآرية” والإرث الإغريقي بوصفه مهد الحضارة الغربية. والمفارقة أن هذا التقليد النازي، وُلد من رحم التمجيد العرقي، ليصبح مع مرور الزمن أحد أقدس رموز الأولمبياد وأكثرها استمرارية.

لكن توظيف الأولمبياد للقومية لم يكن حكراً على النازيين. ففي أعقاب 11 سبتمبر، جسّد حفل افتتاح سولت ليك سيتي احتفاءً أميركياً بالقوة والعسكرة؛ إذ حمل رجال شرطة نيويورك والإطفاء علماً أميركياً ممزقاً، قيل إنه انتشل من أنقاض مركز التجارة العالمي، داخل الملعب، بينما أدت جوقة “تابرناكل المورمون” النشيد الوطني، وأوقد الشعلة مايك إيروتسيوني، بطل الهوكي الذي قاد بلاده للفوز على الاتحاد السوفييتي في ليك بلاسيد 1980. وترى عالمة الاجتماع جاكي هوجان أن استدعاء هذا الانتصار لم يكن استذكاراً، بل رمزاً للقوة الأميركية وتلميحاً بإمكانية الانتصار في “الحرب على الإرهاب”.

أما أولمبياد فانكوفر 2010، فكان، في نظر نقاده، تجسيداً للنزعة القومية للمستوطنين البيض في كندا: حفل افتتاح بيّض، وحملة دعائية موسومة بـ”المنصة لنا”، ومبادرات رمزية كاتصالات هاتفية أجراها رئيس الوزراء ستيفن هاربر شخصياً بالميداليين الذهبيين الكنديين.

ومثل الدورات السابقة، لم تعد الأولمبياد مجرد منافسات، بل تحولت إلى حدث إعلامي تجاري ضخم، تعزز بشكل ملحوظ منذ أولمبياد لوس أنجلوس 1984. ومع تجاوز عائدات الإعلانات المليار دولار، باتت الاعتبارات الربحية تتقدم على المبادئ التي يفترض أن تمثل جوهر الرياضة.

لم يعد الهدف الأساسي استعراض المهارات أو الاحتفاء بالعمل الجماعي أو ضمان المنافسة العادلة، بل استقطاب المشاهدين بأكبر عدد ممكن. من هنا، أُدرجت رياضات أكثر إثارة وخطورة كالسنوبورد كروس والسكي كروس، حيث يتنافس أربعة متسابقين معاً بدلاً من السباق الفردي ضد الزمن، لما تتيحه من تشويق جاذب.

وبالمنطق ذاته، افتخر منظمو فانكوفر بأسرع مضمار تزلج في العالم، وهو الذي يُعتقد أنه تسبب في الحادث المأساوي للجورجي نودار كوماريتاشفيلي. وإذا كانت الرياضة الهواة على هذه الشاكلة، فإن التجارة تسيطر بقوة على عالم الرياضة الاحترافية.

ترويض الجسد

أما المسار النقدي الثاني، وهو أقل حضوراً، فينطلق من الجسد والرياضي، وقد برز في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بين ماركسيين أوروبيين متأثرين بالماركسية الفرويدية، ولا سيما هربرت ماركوز، لكنه لم يتطور بما يكفي. يركز هذا التحليل على الجسد لا على اللعبة، من زاوية أن الرياضة تخضع الجسد لتنظيم وانضباط يكبح المتع الحسية، فيصبح الجسد نفسه غريباً عن صاحبه، مفقوداً السيطرة والعلاقة الطبيعية به.

في 1976، رأى جان-ماري بروم أن الرياضة، بدلاً من أن تكون متنفساً، تعيد إنتاج ضغوط الحياة وتطيلها، عبر إعداد الجسد لمواءمة متطلبات الرأسمالية، بإخضاعه لحركات متكررة كخطوط الإنتاج، وإرساء علاقة سلطوية بين المدرب والرياضي، مما يجعله أكثر انقياداً. فالقواعد الجامدة، والسعي الدائم للأداء الأمثل والحركة الأنجع في زمن محدّد، يقوضان العفوية والمتعة. المقارنة بين تدريب الفرق الجامعية وبرامج الانضباط العسكري في الكليات العسكرية، تكشف الهوة بين الرياضة كلعب والرياضة كنظام تأديبي.

ويؤكد بروم أيضاً أن الرياضة وقعت في أسر المنطق التكنولوجي والعلمي؛ فبدافع التفوق التنافسي بأي ثمن، يتعامل المدربون مع الجسد كأنه بلا حدود، يمكن دفعه لأقصى الأداء، فيتحول إلى آلة، أو أداة إنتاج تديرها تقنيات وبرامج غذائية وعلاجات ومعدات متطورة، بهدف تخطي القيود الطبيعية والحسية كالألم والزمن. غير أن هذا السعي المحموم يأتي غالباً على حساب النمو المتوازن والصحة.

يستشهد بروم بالنقاش حول البدلات البلاستيكية في الستينيات لزيادة سرعة المتزلجين لأكثر من 140 كلم/ساعة، والتي حُظرت بعد حوادث مميتة. حينها، وصف طبيب فرنسي فريق التزلج “بالمستشفى”، وكأنه ينبئ بتصريح كبير الأطباء جاك تونتون قبل حادث فانكوفر: “كنت أرسل ثلاثة أو أربعة أشخاص يومياً للمستشفى… إصابات رأس وتمزقات كبد وطحال وكسور انضغاطية فقرية”. يبدو أن الواقع لم يتغير منذ نقد بروم قبل أربعة عقود.

وهذه الملاحظات تنطبق على الاحتراف أكثر. فالرياضي المحترف ليس لاعباً فحسب، بل عامل في منظومة تهدف للربح لصالح “مالكيه”، وهو مصطلح دالّ. وكما يخضع العمال لمتطلبات جسدية لبيع قوة عملهم، يواجه الرياضيون شروطاً أقسى، إذ تصير أجسادهم محور الاستثمار والرقابة. لذا يولي المدربون والأندية أجساد اللاعبين اهتماماً فائقاً، كما تجسدها فضائح المنشطات في البيسبول.

بين 1972 و1994، شهد دوري البيسبول الأميركي ثمانية إضرابات، كان آخرها الأكثر تدميراً، إذ ألغى بطولة العالم وقلص الجماهير. لاستعادة المشجعين، أصلح المالكون نظام المباريات والعائدات، وأدخلوا “البطاقات الجامحة”، وعملوا بخفاء على زيادة الضربات القوية (الهوم رانز) عبر الترويج للمكملات الغذائية في غرف الملابس، مستغلين سياسات تحرير الصناعة في عهد كلينتون.

هكذا، بات المدربون يتعاملون مع الستيرويدات كجزء طبيعي من التدريب. يروي ديف زيرين في “تاريخ شعبي للرياضة” أن المنافسة بين ماكغواير وسوسا على تحطيم رقم الضربات القوية، بينما كان ماكغواير يخزن الستيرويدات في خزانته، رفعت مبيعات تلك المواد 500% إلى 55 مليون دولار سنوياً. وتضاعفت الضربات القوية بشكل جنوني: ففي 119 موسماً (1876-1994)، حقق 18 لاعباً فقط 50 ضربة قوية فأكثر في موسم؛ بينما حقق العدد نفسه هذا الإنجاز في ثمانية مواسم فقط (1995-2002). ومع الضربات، عادت الجماهير، وعادت الأرباح الخيالية.

ولم يقتصر المستفيدون على المالكين، بل امتدوا لوسائل الإعلام. ينقل زيرين عن المعلق جو مورغان: “كنت أعلق على ما أراه، خصوصاً حين يسجل بعض اللاعبين ضربات تفوق قدراتهم الطبيعية، لكن حين أثارها مع مسؤولي ESPN، طُلب مني الصمت، لأنهم يستفيدون من ارتفاع المشاهدة.”

لكن ما يُغفل هو أن المنشطات تخلّف آثاراً وخيمة؛ فالإيفيدرا، التي كانت مسموحة، ارتبطت بوفاة ستيف بيكلر وكوري سترينجر. ورغم حظر بعض المواد، لم يتوقف السعي لتحسين الأداء، بل تجدد بأشكال جديدة.

فضيحة المنشطات في البيسبول، وفق بروم، نموذج صارخ لكيفية جعل الرأسمالية الجسد أسيراً للإنتاج والربح حتى الموت. وتزخر كتابات زيرين، ولا سيما “تاريخ شعبي للرياضة” و”مرحباً بكم في تيروردوم”، ومقالاته في Edge of Sports، بأمثلة أخرى تفضح تلك الممارسات.

متعة الرياضة

يتقاطع هذان المساران النقديان في نقاط عدة، ويُبينان معاً كيف تسهم الرياضة، في سياق رأسمالي، في إعادة إنتاج منظومة استغلال وتفاوت، وإخضاع الحاجات الإنسانية والمتعة لمنطق الربح.

تكتسب هذه الانتقادات راهنية خاصة بمقارنة الأولويات المالية للأحداث الرياضية بالاحتياجات الاجتماعية؛ فبدلاً من توجيه المليارات للإسكان أو مراكز الحد من أضرار المخدرات أو معالجة النزاعات، تنفق على احتفالات قومية وتعزيز أمني وعسكري. في فانكوفر، كلف نشر عشرة آلاف من الشرطة والجيش مليار دولار، إلى جانب استثمارات ضخمة في المنشآت، بينما ذهبت أغلب العائدات للمالكين والإعلاميين.

لكن هذه الانتقادات، رغم قوتها، ليست محصنة ضد القصور.

فتركيزها المفرط على البعد القمعي للرياضة، ونفي أي إمكانية تحررية، يجعلها تختزل الأيديولوجيا في “وعي زائف”، وكأن الجماهير تؤمن بسذاجة بمزايا الرياضة رغم تعارضها مع مصالحها “الحقيقية”. لكنها تغفل التجارب الملموسة للأفراد، وتعجز عن تفسير الفرح الحقيقي الذي يجده الملايين في الرياضة.

تذكرنا نظرية الهيمنة عند غرامشي بأن الأيديولوجيا لا تترسخ إلا بارتباطها بتجارب الناس الفعلية، ومسها لرغباتهم وطموحاتهم. لذا، لفهم أيديولوجيا الرياضة بما يتجاوز كونه أداة رأسمالية، علينا التعامل بجدية مع هذه الحقيقة على الصعيدين النظري والسياسي، ونتساءل كيف يعيد هذا الفهم تشكيل نقدنا للأولمبياد واستراتيجياتنا خارج الرياضة الرأسمالية.

للماركسيين واليسار عموماً، من الضروري فهم دوافع تقدير الناس للمنافسة، ومتعتهم بتطوير المهارات الجسدية واختبار الحدود. هذه التجارب ليست مجرد انعكاس أيديولوجي، بل قد تكون مصدر متعة وإمكانات تحررية. ففي عالم تغشاه الاغتراب والفردانية واللامساواة، تمنح الرياضة إحساساً بالإنصاف، وتكافئ المثابرة، وتُحيي روح الجماعة، وكل ذلك عبر الحواس والجسد.

يظل في الجسد الإنساني جانب عصي على الإخضاع الكامل لرأس المال؛ يتجلى في اللعب والرقص والجنس والرياضة والاحتفالات الشعبية والاحتجاج السياسي، وهي مجالات تحتفظ بمساحات تتجاوز السيطرة المباشرة للرأسمالية.

تجسد أغنية نينا سيمون “Ain’t Got No – I Got Life” هذه الفكرة ببلاغة. تبدأ بتعداد الفقد: “ليس لدي منزل، ولا حذاء، ولا مال، ولا مكانة…”، ثم تنتقل لما لا يُنتزع: “ماذا أملك؟ شعري، رأسي، عقلي، أذناي، عيناي، أنفي، فمي، ابتسامتي…”، لتصل الذروة: “لدي حياتي، ولدي حريتي في قلبي”.

والرأسمالية، حتى في الرياضة، وإن مارست أشكالاً متعددة للسيطرة على الأجساد، لا تستطيع إخضاعها بالكامل؛ فالجسد يحتفظ بقدرة على استعادة حضوره ومقاومته.

من هنا، يمكن النظر للرياضة كلعب كوسيلة يختبر الإنسان فيها عودته إلى جسده، حتى في ظروف لا يسيطر عليها. ربما يفسر هذا، ولو جزئياً، الشغف بالأولمبياد ودوري الهوكي الوطني (NHL) ومنافسات الناشئين.

الاعتراف بمتعة الرياضة الجسدية قد يكون مدخلاً لتجاوز نظرتها كمجرّد أيديولوجيا زائفة. لكن ذلك لا يعني تجاهل النقد الذي يذكرنا بأن المتعة، كالجسد، سياسية في جوهرها، ومع ذلك لا يُختزل الجسد بالسياسة كلياً؛ وهي مسألة تستحق، في نظر الكاتبة، مزيداً من البحث من قبل اليسار.

********************

المراجع

  • بروم، جان-ماري. 1976. “علم الاجتماع السياسي للرياضة”، طبعة معادة: نانسي، P.U.N.، 1992.
  • هارغريفز، جون. 1992. “الأولمبية والقومية: بعض الاعتبارات الأولية”. المجلة الدولية لعلم اجتماع الرياضة، 27:1.
  • هوجان، جاكي. 2003. “تنظيم الأمة”. مجلة الرياضة والقضايا الاجتماعية، مايو.
  • زيرين، ديف. 2008. تاريخ الشعب للرياضة. نيويورك، نيو برس.
  • زيرين، ديف. 2007. مرحباً بكم في “تيروردوم”: الألم والسياسة والوعد في الرياضة. شيكاغو، هايماركت.

ترجمه من الإنجليزية: فينسنت بونزوم

*************************************

المصدر الأصلي:

: http://www.newsocialist.org/index.php?option=com_content&view=article&id=289:marxist-theories-of-sport-nation-commerce-and-pleasure&catid=51:analysis

ملاحظات

  1. 1. قبل عشرين عامًا، اندلعت حركة احتجاجية للمطالبة باستعادة أراضي السكان الأصليين، وذلك في مواجهة تشدد الدولة الكندية وتنصلها من التزاماتها المتعلقة بحقوق شعب الموهوك في كاهناواكي، سواء الحقوق الأصلية أو تلك المنصوص عليها في المعاهدات. وقد بلغ التصعيد حد استخدام القوة المسلحة ضد أفراد المجتمع المحلي وأنصارهم. [ملاحظة المترجم].
  2. 2. تُعد جوقة «تابرناكل» المورمونية واحدة من أعرق المؤسسات الكورالية في الولايات المتحدة، إذ تأسست عام 1847، بعد تسعة وعشرين يومًا فقط من وصول الرواد المورمون إلى وادي بحيرة سولت ليك الكبرى. وقد وصفها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش بأنها «كنز وطني». [ملاحظة المترجم].
  3. 3. في فبراير/شباط 2004، اجتمعت المنظمات الكندية الثلاث عشرة المعنية بالرياضات الشتوية، إلى جانب اللجنة الأولمبية الكندية (COC)، واللجنة البارالمبية الكندية (CPC)، ومنظمة «سبورت كندا» (Sport Canada)، و«وينسبورت كندا» (WinSport Canada)، ولجنة تنظيم أولمبياد فانكوفر (VANOC)، لإطلاق مبادرة حملت اسم «المنصة لنا» (Own the Podium). وهدفت هذه المبادرة إلى تنسيق جهود مختلف الهيئات الرياضية، وتوفير أفضل دعم مالي ممكن لبرامج رياضيي النخبة، بما يمكّن كندا من تصدر جدول الميداليات في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2010، واحتلال أحد المراكز الثلاثة الأولى في جدول الميداليات الذهبية خلال دورة الألعاب البارالمبية الشتوية في العام نفسه. [ المصدر: Own the Podium – ملاحظة المترجم].
  4. 4. يُطلق لقب Chief Medical Officer (CMO) على كبير المسؤولين الطبيين الذي تعيّنه الحكومة للإشراف على هيئة الصحة الوطنية وقيادة سياساتها الصحية. [ملاحظة المترجم].
  5. 5. تتيح كلمة dingers للمؤلف توظيفًا لغويًا مزدوجًا، إذ تُستخدم في الإنجليزية للدلالة على الضربات القوية (Home Runs) في لعبة البيسبول، كما تُستعمل أيضًا للإشارة إلى حبوب الإكستاسي. [ملاحظة المترجم].
  6. 6. لاعب خط الهجوم في كرة القدم الأمريكية هو أحد أفراد التشكيلة الهجومية، ويتمركز أمام صانع الألعاب (Quarterback)، وتتمثل مهمته الأساسية في حماية هذا الأخير عبر صد المدافعين المنافسين وفتح المساحات أمام الهجوم. [ملاحظة المترجم].

 https://www.pressegauche.org/Theories-marxistes-du-sport-nation-commerce-et-plaisir

*******************************************

السنغال تشارك في كأس العالم… لكن أبواب الترحيب موصدة بوجهها

بقلم: مومار ديينغ

تُعد السنغال من أقوى المنتخبات الأفريقية، ولديها كل ما يدعوها للتطلع بحماس إلى المشاركة في كأس العالم. غير أن المشجعين والصحفيين السنغاليين يواجهون عقبات كبيرة تحول دون دخولهم الولايات المتحدة، نتيجة القيود التي تفرضها السلطات الأمريكية على منح التأشيرات، في سياسة يعتبرها كثيرون تمييزية بحق المواطنين السنغاليين.

ويعيش عبد الله، وهو اسم مستعار لصحفي سنغالي بارز تحدث إلى مجلة «جاكوبين»، حالة من الترقب والإحباط، إذ لا يعلم حتى الآن ما إذا كان سيتمكن من السفر لتغطية مباراة منتخب بلاده أمام العراق، المقررة في 26 يونيو بمدينة تورونتو، ضمن منافسات كأس العالم. ويخوض منتخب السنغال، المعروف بلقب «أسود التيرانغا»، منافسات المجموعة الأولى إلى جانب فرنسا والنرويج، حيث يواجههما على ملعب «ميتلايف» في ولاية نيوجيرسي يومي 16 و22 يونيو.

وعلى الرغم من حصول عبد الله على اعتماد رسمي من «الفيفا» واستيفائه متطلبات التأشيرة، فإنه يختصر معضلته بقوله: «أستطيع دخول كندا انطلاقاً من الولايات المتحدة، لكنني لست واثقاً من أنني سأتمكن من العودة إلى الأراضي الأمريكية» لمواصلة تغطية البطولة إذا تأهل المنتخب. ويعزو ذلك إلى سياسات الهجرة المتشددة التي تبنتها إدارة ترامب، والتي قد تطال تداعياتها نحو أربعين صحفياً سنغالياً متجهين إلى أمريكا الشمالية لتغطية الحدث. ويضيف: «على الفيفا أن تتدخل وتدفع المنظمين الأمريكيين إلى التحلي بشيء من العقلانية».

ومع ذلك، يبقى عبد الله في وضع أفضل من آلاف السنغاليين الآخرين الذين اصطدموا، منذ أشهر، بعقبات شبه مستحيلة أمام الحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة، في ظل القيود الصارمة التي تفرضها السفارة الأمريكية في داكار على مسار طلبات التأشيرة.

ولا تقتصر آثار هذه الإجراءات، التي كثيراً ما تنتهي بالرفض، على الصحفيين أو مشجعي كرة القدم، بل تمتد إلى آلاف الطلبة السنغاليين الراغبين في استكمال دراستهم في الولايات المتحدة، تحقيقاً لما يُعرف بـ«الحلم الأمريكي»، كما تطال رجال الأعمال الذين يسعون إلى توسيع أنشطتهم في أكبر اقتصاد رأسمالي في العالم. كذلك، يجد مواطنون عاديون، سواء كانت لهم روابط عائلية في الولايات المتحدة أم لا، أنفسهم محرومين من زيارة بلد طالما جذبهم بما يحمله من رموز شهيرة، مثل تمثال الحرية وجسر «غولدن غيت» وغيرها من المعالم. غير أن النهج الأيديولوجي الذي تبنته إدارة ترامب ألقى بظلاله الثقيلة على هذه التطلعات.

مرسوم رئاسي

في يناير الماضي، أصدر الرئيس الأمريكي المرسوم التنفيذي رقم 10998، الذي أدرج السنغال ضمن قائمة الدول الخاضعة لنظام كفالة التأشيرة. وبموجب هذا القرار، أصبح المتقدمون للحصول على تأشيرات السياحة (B1) أو الأعمال (B2) ملزمين بإيداع كفالة مالية تتراوح بين 5 آلاف دولار (نحو 2.8 مليون فرنك إفريقي) و15 ألف دولار (قرابة 8.5 مليون فرنك إفريقي). وترى السلطات الأمريكية أن هذه الكفالة تشكل ضماناً لمنع حاملي التأشيرات من البقاء في الولايات المتحدة بعد انتهاء مدة إقامتهم القانونية.

غير أن اشتراط كفالة بهذا الحجم يمثل، عملياً، آلية إقصاء قائمة على القدرة المالية، إذ يصعب على معظم السنغاليين توفير مثل هذه المبالغ. ويجسد هذا التوجه، في نظر منتقديه، أحد ملامح «الترامبية»، التي تجعل من كل إجراء إداري فرصة لتحقيق عائد مالي، بعيداً عن أي اعتبارات إنسانية أو أخلاقية.

وتكتسب هذه التدابير، التي فُرضت قبيل انطلاق كأس العالم، طابعاً تمييزياً واضحاً. فهي تهدف، بحسب منتقديها، إلى تقليص عدد السنغاليين القادرين على حضور الحدث الرياضي، وتحقيق إيرادات مالية من خلال فرض الكفالات، فضلاً عن توظيف هذه الإجراءات سياسياً لإظهار التشدد في ملف الهجرة، انسجاماً مع وعود دونالد ترامب القائمة على سياسة «عدم التسامح مطلقاً».

ولذلك، فإن السنغاليين الذين سيتمكنون من حضور كأس العالم لن يكونوا بمنأى عن الرقابة المشددة. فإلى جانب إلزامهم بدفع الكفالة عبر منصة إلكترونية حكومية، ينص المرسوم رقم 10998 على ضرورة دخولهم الأراضي الأمريكية عبر المطار الذي تحدده السلطات القنصلية. وبهذا، يتمتع المسؤولون القنصليون بسلطة تقديرية واسعة في معالجة الملفات، في إطار منظومة يعتبرها منتقدوها أداة تمييزية تُستخدم لتقديم مؤشرات تُبرر استمرار النهج المتشدد لإدارة «MAGA» في التعامل مع الهجرة.

غير أن السنغاليين الذين تمكنوا من تجاوز حاجز الكفالة المالية لم يتخلصوا من العقبات بعد؛ فقد فرضت إدارة ترامب منظومة رقابة رقمية مشددة تُعد، في نظر منتقديها، انتهاكاً صارخاً للخصوصية وحرية التعبير، إذ يُطلب من طالبي التأشيرة الكشف عن محتوى جميع اتصالاتهم ونشاطاتهم على مختلف المنصات الرقمية خلال السنوات الخمس الماضية. ويُعتبر أي إغفال أو تقديم معلومات غير دقيقة محاولةً لإخفاء الحقائق، وهو ما يؤدي إلى رفض الطلب نهائياً، من دون إتاحة أي مسار للطعن في القرار.

حظر فعلي على دخول الولايات المتحدة

أصبح دخول الولايات المتحدة أكثر تعقيداً بالنسبة لمواطني الدول الخاضعة لنظام التأشيرات، لكن الوضع بالنسبة للسنغاليين ازداد تشدداً منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025. وبعد عام، وسّعت الإدارة الأمريكية إجراءاتها عبر مرسوم رئاسي علّق إصدار جميع تأشيرات الهجرة، وهو ما جعل لمّ شمل الأسر شبه مستحيل إلى أجل غير مسمى، كما جمّد الاستفادة من برنامج القرعة السنوية للحصول على «البطاقة الخضراء».

وتبرر إدارة ترامب هذه السياسة باعتبار أن الهجرة، بمختلف أشكالها، تشكل عبئاً على المالية العامة الأمريكية، وتحمّل المهاجرين مسؤولية تراجع المستوى المعيشي للأمريكيين. وفي هذا السياق، يُنظر إلى المهاجرين السنغاليين باعتبارهم جزءاً من هذه المشكلة، وهو ما يفسر تشديد القيود المفروضة على دخولهم إلى الولايات المتحدة.

ووفقاً لبيانات وزارة الخارجية الأمريكية، بلغ معدل رفض طلبات التأشيرات السياحية والتجارية (B1/B2) المقدمة من المواطنين السنغاليين خلال عام 2025 نحو 74%، وهو من بين أعلى معدلات الرفض في العالم. وفي المقابل، ارتفع عدد تأشيرات الدراسة (F1) الصادرة بين سبتمبر/أيلول 2022 وأكتوبر/تشرين الأول 2024 من 393 إلى 426 تأشيرة، إلا أن هذا الارتفاع لم يحجب تراجع معدل القبول التقديري من 65.2% إلى 59% خلال الفترة نفسها.

باتت تأشيرات الهجرة، عملياً، خارج متناول آلاف السنغاليين الذين يسعون إلى الهجرة بطرق قانونية. فقد أصبحت إجراءات البت في الطلبات محكومة بمنطق يقوم على الشك والاشتباه والرفض الواسع، ضمن عملية انتقائية تحدد من يُعتبر «جديراً» بدخول الولايات المتحدة. وفي ظل إدارة ترامب، وُضعت خطط مئات الأسر السنغالية، أو الأمريكية من أصول سنغالية، التي كانت تعول على نظام لمّ شمل الأسرة، في حالة جمود مفتوح دون أفق واضح.

وتشير تقديرات وزارة الأمن الداخلي الأمريكية إلى أن عدد المهاجرين السنغاليين المولودين في السنغال والمقيمين في الولايات المتحدة خلال الفترة 2022-2023 بلغ نحو 34 ألف شخص، بينهم ما بين 25 ألفاً و30 ألفاً يتمتعون بإقامة قانونية. ولا تشمل هذه الأرقام الأمريكيين من أصول سنغالية. وخلف هذه الإحصاءات تختبئ مآسٍ إنسانية عديدة، نجمت عن تجميد ملفات لمّ شمل الأسر، في وقت امتدت فيه تداعيات سياسة الهجرة المتشددة إلى المجال الرياضي أيضاً، لتلقي بظلالها على العلاقات بين داكار وواشنطن.

الحظر الرياضي

في يونيو/حزيران 2025، رفضت السفارة الأمريكية في داكار منح تأشيرات دخول لـ12 عضواً من المنتخب السنغالي النسوي لكرة السلة، بينهن خمس لاعبات، كنّ يستعددن للسفر إلى الولايات المتحدة للمشاركة في معسكر تدريبي يمتد عشرة أيام.

وأثار القرار استياءً واسعاً في السنغال، إذ أعلن رئيس الوزراء آنذاك، عثمان سونكو، إلغاء المعسكر المقرر في الولايات المتحدة، ووجّه بنقله إلى داخل البلاد، مؤكداً أن الإعداد سيجري في «إطار سيادي يوفر أفضل الظروف لتحقيق الأداء المنشود».

وتسود حالة من الاستغراب لدى شريحة واسعة من الرأي العام السنغالي إزاء هذه السياسات، باستثناء الأصوات التي ترى أن للولايات المتحدة الحق المطلق في فرض ما تشاء من قيود على الهجرة. وفي حديثه إلى هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) ضمن برنامج عن كأس العالم، أعرب المشجع السنغالي عليو نغوم، الذي حضر نسختي البطولة في روسيا عام 2018 وقطر عام 2022، عن أسفه لأن نسخة 2026 لن تمثل فرصة حقيقية لـ«التقاء ثقافات العالم».

وقبل انطلاق البطولة حتى، يثير تنظيم كأس العالم 2026 موجة واسعة من الانتقادات. فإلى جانب الجدل المرتبط بالعنصرية والتمييز وتشديد إجراءات التأشيرات وربطها بالقدرة المالية، تواجه البطولة انتقادات بسبب الرقابة الرقمية، والإجراءات التي يعتبرها البعض مهينة بحق بعض المشاركين، فضلاً عن ارتفاع أسعار التذاكر وعمليات التفتيش الأمني الانتقائية التي تخضع لها بعض الوفود عند دخول الولايات المتحدة. وقد دفعت هذه الممارسات إلى تنديد متزايد على المستوى الدولي.

ولم يكن المنتخب السنغالي بمنأى عن هذه الإجراءات، إذ تعرض لاعبوه وأفراد جهازه الفني لتفتيش أمني في مطار «رالي» أثناء توجههم إلى سان أنطونيو. ومع ذلك، سعت الجامعة السنغالية لكرة القدم إلى تهدئة الجدل، مؤكدة في بيان رسمي أن عمليات التفتيش «أُجريت وفق الإجراءات الأمنية المعمول بها في المطار، ولم تُسجل أي حادثة استثنائية».

أخيراً، يرى منتقدو هذه السياسات أن إدارة ترامب ألحقت ضرراً بصورة الولايات المتحدة على الساحة الدولية. فبعدما اعتمدت الإدارات الأمريكية السابقة على أدوات «القوة الناعمة» لتعزيز جاذبية النموذج الأمريكي لدى الشباب في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك في السنغال، تبدو هذه المكانة اليوم أكثر هشاشة. وفي المقابل، تواصل قوى دولية أخرى، مثل الصين وروسيا والهند وتركيا، توسيع نفوذها بهدوء عبر بناء شراكات جديدة قد تعيد رسم موازين القوى العالمية خلال السنوات المقبلة.

  • مومار ديينغ صحفي استقصائي ورئيس تحرير يقيم في داكار بالسنغال، ومتخصص في قضايا السياسة والاقتصاد والحكامة. وهو عضو في الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ)، وعضو في شبكة «سينوزو» (CENOZO) للصحافة الاستقصائية في غرب إفريقيا، كما يشغل منصب مدير النشر في موقع Impact.sn.

https://jacobin.com/2026/06/senegal-world-cup-trump-visa-restrictions

***********************************************

 

مشجعو كأس العالم الافتراضيون: كيف يكرّس الذكاء الاصطناعي تنميط النساء وإضفاء الطابع الجنسي عليهن

بقلم: راؤول مارتين لورينزو

مع انطلاق كأس العالم 2026، وهي النسخة الأولى التي تشهد انتشاراً واسعاً لتقنيات الذكاء الاصطناعي، امتلأت شبكات التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو مزيفة تُعرف بـ«فانكامز» (Fancams)، تعرض مشجعين وهميين داخل الملاعب، صُمموا وفق معايير جمالية نمطية وصور ذات طابع جنسي.

ورصدت «EFE Verifica» أكثر من عشرين حساباً على منصات التواصل الاجتماعي تواظب على نشر هذا النوع من المحتوى؛ إذ تنشر يومياً مقاطع تتبع القالب نفسه: نساء مولدات بالذكاء الاصطناعي يرتدين أزياء مستوحاة من دول مختلفة، مع خلفيات تحاكي ملاعب كأس العالم وبأسلوب بصري يحاكي مقاطع «الفانكام» الرائجة.

ويرى الخبراء الذين استطلعت «EFE Verifica» آراءهم أن هذه الظاهرة لا ينبغي التعامل معها بوصفها مجرد مسألة تتعلق بصدقية كل مقطع فيديو على حدة، بل بصفتها شكلاً من أشكال «التضليل القائم على النوع الاجتماعي»؛ إذ تُسهم في تجريد النساء من إنسانيتهن، وتعزز الصور النمطية المرتبطة بالقوميات عبر صور اصطناعية أو مركبة.

وعلى الرغم من أن هذه المقاطع قد تبدو للوهلة الأولى فيديوهات عفوية حققت انتشاراً واسعاً، إلا أنها تخفي وراء مظهرها الترفيهي مضموناً أعمق، يتمثل في نمط من التمثيل يحوّل أجساد النساء إلى موضوع للاستعراض والاستهلاك، ويعيد إنتاج الصور النمطية التقليدية في قالب رقمي جديد. وتؤكد إليسا غارسيا مينغو، عالمة الاجتماع المتخصصة في دراسة كراهية النساء الرقمية، أن هذه الظاهرة تندرج ضمن «التضليل القائم على النوع الاجتماعي»، لأنها لا تكتفي بإنتاج صور مزيفة، بل تكرّس تصورات نمطية عن المرأة وتعيد تدويرها.

التشييء الرقمي والتضليل القائم على النوع الاجتماعي

تحذر غارسيا مينغو من أن تصنيف هؤلاء المشجعين الافتراضيين وفق بلدانهم يزيد من خطورة الظاهرة؛ إذ لا يكتفي بإعادة إنتاج الصور النمطية العرقية والثقافية والجندرية، بل يرسخها ويضاعف من حدتها.

وفي هذا الإطار، ترى نويمي موريخون، الأستاذة والباحثة في جامعة لويولا الأندلسية والمتخصصة في المعلومات المضللة، أن تحويل النساء إلى «موضوع للتصنيف والتجميع» يجعل الذكاء الاصطناعي يرسخ الانطباع بأن النموذج الذي يفرضه جزء من المجتمع هو النموذج الطبيعي والمقبول. وتوضح أن هذا الأمر يثير قلق علماء النفس، لأنه يطمس التنوع الحقيقي بين النساء، ويكرّس معايير جمالية مثالية يستحيل على البشر تحقيقها.

ويرتبط الانتشار المتزايد للأجساد الاصطناعية التي تعكس معايير جمالية موحدة بمخاطر أخرى يطرحها الذكاء الاصطناعي التوليدي، منها قدرته على إنتاج محتوى يعزز تصورات غير واقعية عن الجسد وما يترتب عليها من آثار سلبية. وفي هذا السياق، حذر تقرير صادر عن «مركز مكافحة الكراهية الرقمية» من أن ست أدوات شائعة للذكاء الاصطناعي ولّدت محتوى ضاراً يرتبط باضطرابات الأكل في 41% من الاختبارات، بينما أنتجت أدوات توليد الصور محتوى يروج لمعايير جسدية غير واقعية في 32% من الحالات.

مشجعون مزيفون… ادعاء انتشر بسرعة

وكما هو الحال مع كثير من أشكال التضليل المعتمدة على الذكاء الاصطناعي التوليدي، يرتبط هذا النوع من المحتوى بالأحداث الراهنة لاستقطاب أكبر قدر من الاهتمام؛ لذا شكلت بطولة كأس العالم بيئة مثالية لانتشار هذه المقاطع.

يتكرر النمط نفسه في جميع هذه الفيديوهات مع اختلافات طفيفة: شابة تبدو وكأنها صُورت بشكل عفوي، وخلفية لملعب كرة قدم، إلى جانب علم أو قميص منتخب وطني. لكن محور الفيديو لا يكون المباراة أو أجواء البطولة، بل تقديم جسد المرأة باعتباره العنصر الرئيس في سياق منافسة رياضية يغلب عليها الطابع الذكوري.

ويؤكد أليخاندرو مارتين، الأستاذ والباحث في جامعة مدريد البوليتكنيكية وعضو مشروع (IBERIFIER)، أن المحتوى المرتبط بالأحداث الجارية يحظى عادة بانتشار أوسع، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي لهذه الحسابات هو حصد أكبر عدد ممكن من المشاهدات لتحقيق مكاسب مالية. وتتفق نويمي موريخون مع هذا الطرح، معتبرة أن مقاطع «الفانكام» المزيفة تُستخدم كوسيلة لتحقيق أرباح عبر سردية زائفة، حيث تُوجّه المستخدمين إلى منصات مدفوعة مثل (OnlyFans) و(Fanvue)، أو قنوات على «تيليجرام» تعرض محتوى خاصاً بهؤلاء النساء الافتراضيات.

إنشاء «فانكام» مزيف… أصبح في متناول الجميع

يكشف تحليل «EFE Verifica» أن إنتاج هذه الفيديوهات لم يعد يتطلب مهارات تقنية متقدمة، بل أصبح متاحاً لعامة المستخدمين بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي. تبدأ العملية بإنشاء صورة عبر أوامر دقيقة (مثل مشجعة داخل الملعب ترتدي قميص منتخب معين)، ثم تُستخدم أداة أخرى لتحويل الصورة إلى مقطع متحرك يحاكي أسلوب «الفانكام».
ويوضح أليخاندرو مارتين أن الأدوات المخصصة لذلك متوافرة بكثرة وتعمل عبر خدمات مدفوعة، حيث لا يحتاج المستخدم سوى اشتراك يتراوح بين 7 إلى 30 يورو لإنتاج مقاطع فيديو وفق المواصفات التي يريدها.
نُشر في bruit، في 23/06/2026
https://vientosur.info/falsas-aficionadas-del-mundial-como-la-ia-sexualiza-a-mujeres-con-estereotipos-anadidos/

***********************************************

الرأسمالية المفترسة تلتهم كأس العالم

بقلم: روز وارد

نجحت ال «فيفا» في تحويل «اللعبة الجميلة» إلى مشهدٍ مثيرٍ للجدل وأقل بريقاً. ومع استضافة الولايات المتحدة لكأس العالم بالشراكة مع المكسيك وكندا، بدا أن ترامب أدرك قدرة الرياضة على التغطية على تبعات الحروب والانتهاكات التي خلفتها الإمبراطورية. وخلال هذا الشهر، سيتابع مليارات الأشخاص منافساتٍ يركض فيها اللاعبون خلف كرة داخل الملاعب، بينما تخوض 48 دولةً غمار البطولة في رقم قياسي غير مسبوق، يتضمن 104 مباريات. سأكون من بين هؤلاء المتابعين، لكن يبقى السؤال: ما الثمن الذي ندفعه مقابل الاستمتاع بهذا العرس الكروي العالمي؟
لقد أصبحت تكلفة حضور المباريات أعلى من أي وقت مضى. وفي نسخة هذا العام، ابتكرت «فيفا» ما وصفه البعض بفكرة «عبقرية» تقوم على تشغيل منصة خاصة بها لإعادة بيع التذاكر، إلى جانب اعتماد نظام «التسعير الديناميكي». وبذلك، أصبح الوصول إلى الفعاليات الرياضية خاضعاً بالكامل لمنطق السوق، حيث تكون الأفضلية دائماً لمن يملك القدرة على الدفع أكثر.
في كأس العالم 2022، كانت أسعار أرخص التذاكر تقارب 69 دولاراً، في حين أُتيحت للمقيمين في قطر تذاكر بسعر لا يتجاوز 11 دولاراً. أما في البطولة الحالية، فقد يصل سعر المقعد في المدرجات العلوية خلال مباريات دور المجموعات إلى ما لا يقل عن ألف دولار، بينما تُعرض بعض تذاكر المباراة النهائية بأسعار خيالية تصل إلى مليوني دولار للتذكرة الواحدة.
حتى الملياردير ترامب صرّح بأنه لن يدفع ثمن تذكرته الخاصة بهذه الأسعار. وقد أثارت هذه السياسات موجة واسعة من الاستياء بين جماهير كرة القدم، لدرجة أن مجموعات من المشجعين تقدمت بشكوى رسمية إلى المفوضية الأوروبية، متهمة «فيفا» باستغلال موقعها الاحتكاري في سوق بيع التذاكر وإساءة استخدامه.
التذاكر ليست إلا جزءاً من التكلفة؛ فالمشجعون الذين يسافرون لحضور المباريات في ملعب «ميتلايف» بولاية نيوجيرسي سيضطرون لدفع أكثر من 100 دولار مقابل رحلة القطار من مانهاتن، رغم أن تكلفتها المعتادة ذهاباً وإياباً لا تتجاوز 12.90 دولاراً. وعلى خلاف ما حدث في مونديالي روسيا 2018 وقطر 2022، حيث أُتيحت للمشجعين وسائل نقل مجانية بين المدن المستضيفة، سيتحمل الجمهور هذه المرة نفقات التنقل لمسافات تمتد إلى مئات الكيلومترات بين المباريات. كما أن اتفاقيات المدن المضيفة كانت تنص في البداية على توفير النقل المجاني لجميع المباريات، إلا أن هذا الشرط أُعيد التفاوض بشأنه وأُلغي لاحقاً دون إعلان واسع.
في المقابل، يُتوقع أن تسجل «فيفا» إيرادات غير مسبوقة تصل إلى 14 مليار دولار خلال دورة كأس العالم الحالية، مقارنة بـ7.5 مليار دولار في الدورة السابقة. وعلى الرغم من أن «فيفا» تُصنف رسمياً كمنظمة غير ربحية، فإنها تمتلك احتياطيات مالية تتجاوز 4 مليارات دولار، بينما انخفضت نسبة الإنفاق المخصصة لتطوير كرة القدم إلى 36%. ويثير ذلك تساؤلات حول أوجه صرف هذه الموارد المالية. كما أن الجدل المتواصل بشأن قضايا الفساد والرشوة، إلى جانب النفقات المرتبطة بقيادة المنظمة، لا يزال حاضراً. ومن الأمثلة التي كثيراً ما يُستشهد بها مطالبة رئيس «فيفا» جياني إنفانتينو بتغطية شهرية قدرها 5,000 دولار لتكاليف تعليم إحدى بناته في ميامي. كذلك، لم تنجح التحقيقات والملاحقات القضائية التي طالت عدداً من كبار مسؤولي كرة القدم عام 2015 على خلفية بيع حقوق البث في الحد من الانتقادات المتعلقة بالحوكمة والشفافية؛ بل إن بياناً حديثاً صادراً عن شخصيات بارزة في إدارة كرة القدم أشار إلى أن الأوضاع قد تكون ازدادت سوءاً منذ تلك القضايا.
وفي سياق الرد على الانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان خلال بطولة قطر 2022، أكد إنفانتينو أن تلك النسخة ستكون الأكثر شمولاً في تاريخ كأس العالم. إلا أن البطولة الحالية تُقام بمشاركة كندا والمكسيك والولايات المتحدة وسط انتقادات موجهة للسياسات الأمريكية، حيث أعرب بعض المشجعين عن مخاوفهم من حضور المباريات بسبب قضايا مرتبطة بالهجرة وإجراءات إنفاذ القانون. ويرى منتقدون أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوظف الحدث العالمي لإبراز صورة من الانفتاح والحيوية لا تعكس -بحسب رأيهم- واقع التحديات التي تواجهها البلاد، مشيرين إلى قضايا مثل القيود المفروضة على بعض أشكال الاحتجاج، وحملات مداهمة أماكن العمل التي تستهدف مهاجرين، واستخدام القوات العسكرية في التعامل مع اضطرابات داخلية. كما يعتبر بعض المراقبين أن كأس العالم يوفر لترامب فرصة لتحويل الأنظار عن قضايا داخلية، من بينها ارتفاع أسعار الوقود وتراجع مستويات التأييد الشعبي.
وفي الساحة الدولية، وبينما تواصل القوات الأمريكية تنفيذ عمليات عسكرية تستهدف بلادهم، يُنتظر أن يخوض المنتخب الإيراني منافسات دور المجموعات على الأراضي الأمريكية. وحتى قبل عشرة أيام فقط من مباراته الافتتاحية، لم يكن المسؤولون الإيرانيون على يقين من إمكانية دخول الفريق إلى الولايات المتحدة؛ فقد تم رفض منح تأشيرات لأربعة عشر عضواً من الجهاز المساند، كما أُبلغ اللاعبون بأن عليهم الوصول إلى الولايات المتحدة ومغادرتها في يوم المباراة نفسه، مع الإقامة في المكسيك خلال الفترات الفاصلة بين المباريات.
كما شهدت البطولة منع الحكم الأفريقي البارز عمر أرتان، القادم من الصومال، من دخول الولايات المتحدة دون منحه حق الطعن أو الاستئناف. ويُعد هذا الإجراء سابقة غير معهودة في تاريخ كأس العالم، إذ لم تشهد البطولة ما يماثله حتى في نسخة عام 1934 التي استضافتها إيطاليا الفاشية، أو نسخة 1978 التي أُقيمت في ظل الحكم العسكري بالأرجنتين. ويرى منتقدون أن هذا القرار لا يثير الاستغراب في ضوء تصريحات سابقة منسوبة إلى ترامب، وصف فيها الصومال بعبارات مهينة وأطلق أوصافاً مسيئة بحق المهاجرين الصوماليين.
وأصدرت منظمة العفو الدولية تحذيراً واضحاً للمسافرين قبيل انطلاق البطولة، لافتةً إلى مخاوف تتعلق بالتمييز العنصري وعمليات التفتيش التعسفية التي قد تطال المشجعين واللاعبين والمسؤولين. كما أشارت تقارير إلى أن بعثات من السنغال وأوزبكستان تعرضت لمعاملة وُصفت بالقاسية والمهينة أثناء إجراءات الوصول في المطارات. وقبل صافرة البداية حتى، كانت نحو ربع الدول المشاركة تواجه قيوداً على السفر إلى الولايات المتحدة أو إجراءات مشددة للحصول على التأشيرات في ظل إدارة ترامب.
أما العلاقة بين ترامب ورئيس «فيفا» جياني إنفانتينو، فيصفها منتقدون بأنها تقارب بين شخصيتين تسعيان إلى تعزيز نفوذهما ومكانتهما. فبعد أسابيع قليلة من عدم حصول ترامب على جائزة نوبل للسلام، أعلن إنفانتينو استحداث «جائزة فيفا للسلام»، في خطوة قيل إنها تمت دون معايير واضحة أو مشاورات واسعة داخل «فيفا». وتسلم ترامب الجائزة خلال حفل قرعة كأس العالم في واشنطن. كما ظهر في نهائي كأس العالم للأندية العام الماضي على أرض الملعب إلى جانب لاعبي تشيلسي خلال مراسم التتويج، وبقي مشاركاً في الاحتفالات رغم ردود الفعل السلبية التي واجهها من بعض الجماهير.
وتظل كرة القدم واحدة من أكثر الرياضات إبهاراً بما تتطلبه من مهارة وإبداع وتنافس رياضي رفيع المستوى. غير أن منتقدي «فيفا» يرون أن هذه اللعبة تحولت في كثير من الأحيان إلى وسيلة لصرف الانتباه عن قضايا أكثر عمقاً، وإلى ساحة تتكرر فيها الاتهامات بالفساد وسوء الإدارة. وفي الوقت الذي يجد فيه كثير من المشجعين أنفسهم مستبعدين بسبب ارتفاع التكاليف أو خاضعين لإجراءات حدودية مشددة، يرى هؤلاء المنتقدون أن اللعبة تُستغل لخدمة مصالح سياسية وتعزيز نفوذ النخب وزيادة ثروات الفئات الأكثر امتيازاً.

 المصدر: Cannibal capitalism eats the World Cup

ملف من ترجمة و.ع؛ جريدة المناضل-ة

شارك المقالة

اقرأ أيضا