وضع اليسار بالمغرب (حوار مع المناضل يوسف الطالبي)
حوار منشور في العدد 88 من جريدة المناضل- ة
1* بداية نود أن تُعرِّف القارئ- ة بنفسك.
بداية، تتوجه بجزيل الشكر. لجريدة المناضل-ة على تشريفي بهذه الاستضافة، ومنحي إمكانية التعبير عن رأيي في موضوع اليسار، بين الإكراهات والطموح. وبالمناسبة أود أن أعبر عن الإشادة بالجريدة وبصمودها كمنير إعلامي والتزامها بلعب دورها النضالي في إلقاء الضوء على قضايا الصراع الطبقي بالمغرب وفضح السياسات النيوليبرالية.
أنا يوسف الطالبي، من مواليد ستينات القرن الماضي، حاصل على إجازة في اللغة العربية وآدابها، اشتغل عاملا في شركة للنقل السياحي. بدأ اهتمامي بالسياسة والشأن العام منذ الثمانينات مع انتفاضة 1984 وأنا تلميذ. في مرحلتي الجامعية التي زامنت رفع الحظر العملي، انخرطت في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وتحملت مسؤولية عضوية اللجنة الوطنية لموسمي 90/91 و 91/92. بعد التخرج انخرطت في الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب، حاليا لي نشاط في جمعيات ثقافية والجمعية المغربية لحقوق الانسان، وأنا حتى هذه اللحظة، عضو حزب النهج الديمقراطي العمالي.
2* اليسار المغربي: ما وضعه اليوم؟ هل يمكن الحديث عن أزمة ظرفية أم أزمة تاريخية؟ ما هي الحصيلة التاريخية لهذه اليسار بعد أكثر من قرن من ظهوره؟
يمر اليسار عموما عبر العالم من حالة ضعف بيِّن، تتجلى من خلال ضعف تأثيره في مجريات الأحداث، وذلك نتيجة مٱلات التجارب الإشتراكية وما انتهت إليه من انتكاسات وانحرافات أفرزت ممارسات مناقضة للمبادئ المعلنة في بدايات المشروع. إذ لم يعد لها نفس البريق والجاذبية، وبدل الارتقاء بشروط الوجود المادي للمواطنين تدهورت أحوالهم المعيشية، ولم تف تلك التجارب أيضا بوعد حياة ينعم فيها الناس بالحرية. لقد استطاعت الرأسمالية الإمبريالية استنزاف القوى الإشتراكية وخصوصا الاتحاد السوڤياتي الذي كان يقود المعسكر الاشتراكي، من خلال إجباره على تخصيص الجزء الاكبر من ثروته في حرب السباق على التفوق العسكري والعلمي ودعم حركات التحرر الوطني عبر العالم. وكان ذلك على حساب حق المواطن الروسي في حياة حرة كريمة. ولا يقتصر الأمر على التجربة السوفياتية فحسب، بل إن تقرير المنجز عموما لكل التجارب الإشتراكية عبر العالم يظل غير مقنِع لجعل الناس اليوم يقتنعون بالعودة إليه. فالاشتراكية الصينية اليوم تعرف إفراغا من أي مضمون اشتراكي حقيقي بما تقوم عليه الإشتراكية من تملك جماعي لوسائل الانتاج وتقسيم عادل للثروة. ويتأكد هذا الإخفاق عند افتحاص كل التجارب الإشتراكية الاخرى عبر العالم، في كل من كوبا وكوريا الشمالية مثلا.
وتعرف شعبية الأحزاب الاشتراكية المتنافسة في الانتخابات تراجعا كبيرا، كما نلاحظ مثلا في حالة الحزب الاشتراكي الفرنسي.
كما يشكل النزيف على مستوى المنتسبين مظهرا ٱخر من مظاهر التراجع، ليس فقط بسبب ضعف صبيب الملتحقين ولكن أيضا ارتفاع عدد صبيب المغادرين، إذ أن عددا من أطر هذا اليسار تهجره، ومنها من يلتحق بمعسكر المخزن تحت تأثير جاذبية حياة الوجاهة والرفاه.
وعلى مستوى المنطقة العربية، لم تستطع التجارب الإشتراكية القومية بقيادة البرجوازية الصغيرة، لا تأمين العيش الكريم ولا تحرير الانسان من الاستبداد ولا النجاح في قيادة حرب التحرر الوطني ضد الإمبريالية والصهيونية. ففي ما يتصل بالنقطة الأولى فشلت في بناء إقتصادات وطنية متمركزة على الذات، وعم في ظلها الفساد والمحسوبية ونشأت طبقة بيروقراطية وغابت الحريات والحقوق. وتكبدت الأمة هزائم في حروبها ضد الصهيونية، تابعنا هزائم الأنظمة البعثية في كل من مصر والعراق وسوريا وليبيا، واستولى الجيش على الإشتراكية الجزائرية ليفرغها من كل مضمون اجتماعي رغم ثرواتها الطبيعية الهائلة وتحولت إلى حكم أوليغارشي، ولم تعمر التجربة الإشتراكية اليمنية لأكثر من عشرين سنة حتى عادت الى أحضان الرأسمالية باندماجها مع الجزء الشمالي.
ولا يشكل اليسار في المغرب استثناء عما طبع تجربة اليسار العالمي والعربي رغم اختلاف المسار، فقد كان ميلاده في إطار الصراعات السياسية والاجتماعية التي أعقبت خروج جيوش الاستعمار، فانفجر الصراع بين الحركة الوطنية والقصر حول شكل ومضمون الدولة المراد بناؤها ومن سيحكم، وتمايزت وجهات النظر بين أطراف الحركة الوطنية نفسها، وهو أمر بات معروفا وكُتب بشأنه الكثير ليس هنا مجال العودة إليه. وساهمت الثورات الاشتراكية العالمية وأحداث فرنسا لسنة 1968 واشتعال المقاومة الفليسطينية في ظهور تيار من المناضلين ذوي التوجه الاشتراكي في صفوف الأحزاب والنقابات، سيرورة ستنتهي بميلاد المنظمات الماركسية الراديكالية السرية. وقد وضعت هدفا لها إنجاز برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية من خلال القضاء على النظام القائم وبناء مجتمع اشتراكي.
في رأيي المتواضع، وخارج شروط التأسيس التي نعود إليها اليوم من باب التأريخ واستشراف أفق للخروج من الأزمة، أعتقد أن تأسيس ثلاث منظمات بدل تركيز كل الطاقات النضالية والجهد في تنظيم واحد كان أمرا ممكنا، وأن هذا الشتات يعود إلى عوامل ذاتية أكثر منها موضوعية، وإلى غياب إرادة وحدوية. ذلك أن القواسم المشتركة كانت أكبر وأقوى من النقط الخلافية. فقد كانت التنظيمات تقدم نفسها كجزء من الحركة الماركسية اللينينية التي كانت تعرف اختصارا بالـ”حملم”، مع تسجيل أن منظمة لنخدم الشعب أضافت كموجِّهٍ الماوية الى جانب اللينينية. وتُجْمع كلها على هدف إنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية، وهدف إسقاط النظام المخزني، في حين أن الخلافات لم تكن تتعلق بالمبادئ وإنما بمواقف سياسية، والموقف قابل للمراجعة والتكييف أو التنازل الجزئي، كما غرقتها أيضا خلافات تهم خطط وبرنامج العمل.
3* هل يمكنك تقديم تصنيف لتيارات اليسار المغربي والاختلافات التي تخترقه؟
لرصد بعض التمايزات بين المنظمات الثلاث، فيمكن التركيز على القضايا المركزية في الطرح السياسي الخاص بكل تنظيم على حدة:
أ- الموقف من الحكم القائم
يعتبر موقف إلى الأمام الأكثر راديكالية، حيث يقضي برنامجها السياسي إسقاط الحكم عبر العنف الثوري والعصيان يقوده حزب ثوري. وأوكلت مهمة تنظيم الطبقة العاملة وعموم الكادحين وصقل وعيها إلى الطلبة والتلاميذ والفئة المتعلمة. اعتبرَته حكما مخزنيا استبداديا متخلفا ووكيلا للامبريالية، وتعارض كل طريقة للتعامل معه أو الإبقاء عليه مع إصلاحه. في المقابل اتسم موقف “حركة 23 مارس” بالمرونة طارحا إمكانية اجباره على التغير من خلال الضغط السياسي والاجتماعي بالعمل من داخل الأحزاب والنقابات، فيما يقضي الخط السياسي لمنظمة “لنخدم الشعب” على تحالف الفلاحين والعمال ومحاصرة المدن انطلاقا من البوادي متأثرة بالثورة الصينية الماوية، وكانت تنظر إلى المنظمتين الأخريين على أنهما نخبويتان باعتمادهما على المتعلمين في المدينة.
بـ- قضية الصحراء:
شكل الموقف من النزاع في الصحراء نقطة خلاف بين المنظمات الثلاث، فإذا كانت منظمة إلى الأمام قد دعمت مطلب الحق في الانفصال وتقرير المصير ببناء دولة مستقلة في الجنوب، مراهنة على أن تشكل تلك الحرب جبهة أخرى تساهم في إنهاك النظام من أجل إضعافه وتسهيل إسقاطه، وهو نفسه الرهان من وراء دعم الحركة البلانكية كامتداد لجيش التحرير. في حين دعت منظمة 23 مارس إلى الوحدة الترابية للمغرب، أما لنخدم الشعب فقد تحدثت عن وحدة شعوب المنطقة من أجل التحرر الوطني والديمقراطية كتوليف للموقفين معا.
ج- الأداة الثورية
مستلهمة للنموذج الستاليني، اعتبرت منظمة إلى الأمام أن الثورة ستتم بقيادة حزب بروليتاري يعتمد المركزية الديمقراطية، عبر الحرب الشعبية طويلة الأمد، لهذا الغرض دعت أعضاءها إلى العمل في الوحدات الإنتاجية في الأحياء الصناعية حتى لو كلفهم ذلك التضحية بدراستهم في الجامعات ومدارس المهندسين، واعتبرت أن الأحزاب التقليدية هي أحزاب إصلاحية برجوازية يجب فضحها وعدم التنسيق معها، أما منظمة العمل وانسجاما مع خطها السياسي فقد أكدت على دور المثقفين والأطر والطلبة والتلاميذ في قيادة التغيير، لذا لم تعارض التنسيق مع الأحزاب الإصلاحية وقالت بإمكانية العمل من داخلها ومن داخل النقابات من أجل تهييء شروط الثورة وتشكيل جبهة عريضة ضد الحكم الملكي، واعتبرت منظمة لنخدم الشعب اللينينية الماوية أن طليعة الثورة هم الفلاحون الفقراء بالنظر للأزمة العميقة للبادية المغربية والدور المحوري للفلاح في الاقتصاد وحياة المغاربة.
أما اليوم، وعلى مسافة قرابة ستين سنة من تاريخ الميلاد، لا تزال الخلافات والصراعات تخترق اليسار حتى في مرحلة النضال الديمقراطي العلني القانوني، وإذا كانت منظمة لنخدم الشعب قد تفككت واندثرت، فإن منظمة 23 مارس التي كانت قد تحولت إلى حزب سياسي هو منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، قد صارت اليوم الحزب الاشتراكي الموحد، أما منظمة إلى الأمام فقد أقدمت على نفس الخطوة ولكن متأخرة بثلاث عشر سنة عن الأولى. وقد استطاعت منظمة العمل خلال عقد الثمانينات أن تشكل إضافة، حيث استقطبت عددا كبيرا من الفئات المتعلمة وحققت تواجدا مهما في النقابات، فإن مجيء النهج الديمقراطي لم يحظَ بنفس الاحتضان الشعبي. ويتميز المشهد اليساري بتحولات كبيرة على مستوى الفصائل المكونة له، فمن جهة انتهت الأحزاب اليسارية الكلاسيكية، ممثلة في الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية إلى الالتحاق بخندق المخزن، فصارا بذلك حزبين للباحثين عن الريع وفرص الترقي الاجتماعي، وأداتين لكبح نضالات الشعب. كما عرف المشهد اليساري انقسام حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي وظهور فيدرالية اليسار المكونة من حزب هجين لا لون له ومناضلين من حزب الطليعة وٱخرين من الحزب الاشتراكي الموحد. لقد زاد هذه الانقسامات وضع اليسار سوءا، وصارت جزءا من المشكل بدل ان تكون وعدا بالحل.
وإذا كان النهج الديمقراطي العمالي بجد نفسه دائما خارج كل مخططات التحالفات والوحدة بسبب مواقفه من الملكية ومن النزاع في الصحراء. يظل باقي الطيف اليساري عاجزا عن التغلب على خلافاته بسبب النزعات الذاتية والفردانية.
4* ما الذي يمنع وحدة اليسار المغربي؟
هذه النقط الخلافية لوحدها غير كافية لتفسير هذا التشرذم، سواء خلال مرحلة التأسيس والفورة أو المرحلة الحالية الموسومة بالضعف والوهن، وإذا ما نظرنا الى الظاهرة بمنظار السوسيولوجي وتحديدا سوسيولوجيا التنظيمات، فإن اليسار هو بنية صغرى، جزء من بنية كبرى، تمتد إليه خصائصها حتى وهو يقدم نفسه نقيضا لها، إن اليسار واليساريين يحملون خصائص أفراد مجتمع ما قبل الحداثة، أي المجتمع القبلي، حيث يتوزع الأفراد إلى جماعات صغرى، تعرف نفسها بالاختلاف عن غيرها، حيث ينقسم الناس إلى قبائل ثم فخذات ثم عظمات ثم دواوير فعائلات انتهاء إلى الفرد. ومن الغرابة أن يتجاور الشعور بالانتماء ومناصرة الأخ ضد ابن العم مع مشاعر العداء والكراهية له.
ولعل للقمع الشرس الذي تعرض له اليسار دور في تعميق هذا التشرذم، إذ استطاع المخزن عبر الاعتقالات والمطاردات والتنكيل بالقيادات اليسارية شلَّ العمل المنظم السياسي، فتحول مركز الثقل إلى العمل الجماهيري المفتقد للأفق السياسي، وفي غياب قيادة، طفت على السطح قيادات وزعامات بدون أفق لا تحقق إلا حاجة إلى الشعور بالقيادة بحسب هرم ماسلو Maslow.
5* استعمال مؤسسات الدولة (لانتخابات والمجالس المنتخَبة بشكل عام)، ما منظور اليسار القائم بالمغرب لهذه الاستعمال؟ وهل بالإمكان فعلا استعمال هذه المؤسسات من أجل أغراض نضالية (تحريض وتشهير) كما هو منعارَف عليه في تقاليد الحركة العمالية العالمية؟
تطرح علاقة اليسار الماركسية اللينيني بالمؤسسات إشكالية معقدة، فقد اختلفت هذه العلاقة من تنظيم لٱخر بحسب ما يتأسس عليه الخط السياسي لكل واحد من التنظيمات الثلاثة، إذ قام الخط السياسي لمنظمة إلى الأمام على رفض التعامل معها معتبرا إياها مجرد أدوات تحكم النظام الاستبدادي في المجتمع والدولة، ويعد رفضه المشاركة فيها جزءا من رفضه للتعامل مع النظام الفاقد للشرعية والجاثم على صدور المغاربة بقوة الدعم الامبريالي وقوة القمع. وبالتالي، فإن رفض المشاركة في الانتخابات كان دائما بالنسبة لهذا الفصيل جزءا ثابتا من الهوية السياسية، لكن هذا الموقف وجد نفسه أمام مستجد غير مفكر فيه، والمتمثل في كون العمل النقابي وانتخابات ممثلي المأجورين وأعضاء اللجن الثنائية يقود إلى عضوية مجلس المستشارين. أما منظمة 23 مارس، وبحكم رهانها على المثقفين والأطر، وسعيها إلى تشكيل جبهة واسعة ضد النظام من أجل عزله وتسهيل إسقاطه، فقد اعتبرت التواجد بها جزءا من خطها السياسي، ولعل هذا ما يفسر سبْقها إلى التحول إلى العمل القانوني العلني، من خلال تأسيس منظمة العمل الديمقراطي الشعبي والمشاركة في الانتخابات منذ 1982.
أما اليوم فإن الوضع السياسي في المغرب أكثر سوءا مما كان عليه، إذ تتميز المرحلة الحالية، بتغول الرأسمالية الامبريالية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي الذي كان عرابا للسياسات الاجتماعية، ليس في المجتمعات ذات الأنظمة الاشتراكية، ولكن أيضا في الدول الغربية الرأسمالية، فقد استطاعت شعوب هذه المجتمعات انتزاع مكتسبات اجتماعية مهمة، وفرضت توزيعا لفائض القيمة يضمن حدا أدنى من العدالة خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإن كان ذلك في جزء منه سياسات وقائية من احتمال انتشار وعي اشتراكي وتقوية الشيوعيين، ما قد يتسبب في قيام ثورات في أوروبا الغربية. وبالموازاة مع ذلك فقد شكلت حالة تحسن الظروف المعيشية وحقوق الإنسان نقطة جذب لمواطني أوروبا الشرقية حتى أصبحوا يحاولون الفرار إلى الجهة الأخرى من جدار برلين وتجاوز حدود كانت محروسة بالجيش لمنع فرار المواطنين.
إذن أمام ضعف اليسار، وتحول أحزاب المعارضة المحسوبة على الحركة الوطنية إلى أحزاب إدارية مشكِّلة جزءا من النظام وليس المجتمع، استغل النظام الشروط المواتية لإطباق الطوق على الحقل السياسي، فاحتل الأحزاب والنقابات والجمعيات والإعلام كما وضع قوانين لتنظيم الانتخابات بشكل لا يترك أي حظ للمجتمع للترافع من خلالها على مطالبه، قوانين تعبد الطريق أمام أبناء عملاء الاستعمار والفاسدين وتجار المخدرات والمرتدين عن خندق الشعب الملتحقين بخندق المخزن، وهو ما أصبحت تغيب معه أي قيادة سياسية، وبالنتيجة صارت كل الاحتجاجات والهبَّات الشعبية بدون أفق، كما كان مع حركة 20 فبراير وحراك الريف وجرادة بوعرفة وفگيگ واحتاجات جيل-Z، كما أصبح مصير كل المعارك الاجتماعية هو الفشل، كما حصل مع معركة نساء ورجال التعليم وطلبة الطب. وفي نفس مسلسل ضرب طوق التحكم سيجد مناضلو اليسار الراديكالي أنفسهم خارج أجهزة المركزيات النقابية.
6* ما السبيل لاستعادة اليسار لدوره الطلائعي في النضالات العمالية والشعبية؟
كما سلف، فإن أزمة اليسار عميقة ومركبة، منها ما يتصل بشروط عالمية تؤثر على اليسار عبر العالم، ومنها ما يتصل بخطة النظام الديكتاتوري في المغرب، لكن جزءا ٱخر يعود إلى الأخطاء أو سوء التقدير، إن ما يهمنا أكثر هنا هو كيف يستطيع اليسار الخروج من أزمته؟
في اعتقادي، إن الحل لن يكون قُطريا، سواء تعلق الأمر بالمغرب أو أي بلد ٱخر، وذلك بالنظر للشروط العالمية القائمة، المتميزة بالغطرسة الصهيو-إمبريالية، المتعرشة في أوصال المجتمعات سياسيا واقتصاديا واجتماعيا من بوابة أنظمة الحكم التابعة والبرجوازيات المحلية المتشابكة مصالحها مع البرجوازية الامبريالية العالمية، وقد تابعنا السنوات الاخيرة كيف تتدخل الولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني في هدم ما تبقى من كيانات ذات حد أدنى من المضمون الوطني.
في ظل هذا الهجوم وميزان القوى المختل لفائدة الامبريالية، فإن المرحلة هي مرحلة المعركة من أجل تأمين الاستمرار ومواجهة السياسات النيوليبرالية المتوحشة وتأثيرها على حياة الكادحين. وهي مهمة تتطلب التجدد على مستوى الخطاب وٱليات العمل، وفي هذا السياق يجب الاهتمام ببعض التجارب التي نجحت، ولو إلى حين، كحالة حزب بوديموس في إسبانيا، أو حزب سيريزا اليوناني.
وعلى مستوى ٱخر، يعرف تحول تنظيمات اليسار نحو النضال العلني والقانوني، والتخلي عن طريق السرية، بعض الغموض. بالنسبة لمنظمة 23 مارس، فإن الأمر كان واضحا، حيث كان انتقالا معلنا من خط التغيير الثوري إلى الخط الاصلاحي، أما بالنسبة لـ”إلى الأمام”، فإنها قررت استغلال الإمكانية التي يتيحها العمل العلني من أجل التوسع وتأمين التواصل مع الجماهير وتخفيف وطأة القمع، لكن حزب النهج الديمقراطي، بقي في منطقة رمادية، بين الخطين الثوري الراديكالي والاصلاحي، ولم تشمل مراجعاته كل مواقفه لملاءمتها مع المقتضيات السياسية والاجتماعية للعمل العلني، فكما أشرت سابقا، سيفاجَأ يكون العمل النقابي يقود إلى عضوية مجلس المستشارين، وهو ما يتعارض مع موقفه من المؤسسات النيابية، ثم سيتجنب الحديث عن قضية الصحراء، وحين يجبَر على ذلك سيكون خطاننا ضعيفا وغير مقنع، بل سيعمق عزلتنا.
يطرح عدد من المناضلين خيار الوحدة كحل، إلا أن هذه الإجابة تبدو عاطفية، فالأزمة ليس سببها الضعف العددي الذي يمكن التغلب عليه بإضافة المجموعات إلى بعضها، ولكن الأزمة، هي أزمة مشروع لا يتجدد ولم يعد يبدع خططا قادرة على تحفيز الناس وتعزيز الأمل في التغيير لديهم، تكون مبنية على الواقعية وإمكانية التحقق ومعتمدة على أساليب جديدة تتوافق مع نمط وعي الأجيال الجديدة وطرقها في التواصل، وقادرة على استدماج معطيات و مستجدات الثورة الرقمية وقيم حقوق الانسان. فقاعدة الهرم البشري لليسار اليوم تتشكل من الشيوخ، مع ندرة واضحة للشباب والنساء، في ظل توقف العمل في أوساط الطفولة والشباب والطلبة، السبيل الوحيد لضخ دماء جديدة.
اقرأ أيضا


