من 20 فبراير إلى جيل زيد : كيف يتشكل الوعي الطبقي لدى جيل جديد من المناضلين الشباب ( حوار مع مناضلة شابة )
في ظل الاحتجاجات منذ حركة 20 فبراير، برز جيل شاب يناضل ويستمد وعيه الطبقي انطلاقًا من تجربته المباشرة مع القمع وتدهور الخدمات العمومية. ضمن هذا السياق، نستضيف في هذه المقابلة صفاء . أ شابة مناضلة في جمعية أطاك المغرب ومنخرطة في ديناميات جيل زيد ، وتشارك في أشكال التضامن مع عاملات وعمال سيكوم سيكوميك. من خلال تجربتها، تسلط الضوء على تشكّل الوعي الطبقي وسط الشباب، وعلى تقاطع النضال النسوي مع الدفاع عن الشغيلة والخدمات العمومية وبناء التضامن مع الطبقة العاملة.
عشتِ حراك 20 فبراير وأنتِ طفلة. كيف بدأ وعيك السياسي في تلك الفترة؟
نعم، عشت تجربة 20 فبراير، لكنني كنت طفلة بدون وعي سياسي، ولا فهم لسبب خروج الناس إلى الشوارع مطالبين بتعديل الدستور. لاحقًا، حين حاولت الاستيعاب، قيل لي إن من احتجّوا فعلوا ذلك كي أتمكن أنا وجيلي من أن نعيش بكرامة وحرية. ربما قيل لي هذا لأنني كنت صغيرة، لكن هذه الفكرة كتشفت لي معنى للتضامن أربطته بالحب. ربما لصغر سني لكن حتى اليوم عندما اتأمل أولئك الذين خاطروا بأنفسهم، وواجهوا الخطر، وتحدّوا السلطة، لا لأجل ذواتهم فقط بل من أجل ضمان مستقبل كريم لنا جميعًا، أجدني – حتى وأنا أحاول تجنّب رمسنة الموضوع- أرى فيما فعلوه فعلَ حبّ؛ لقد أحبّوا الحياة، وأحبّوني، وأنا أبادلهم ذلك الحب.
لكن للإجابة عن السؤال من زاوية أكثر سياسية، أظن أن تشكّل وعيي السياسي بدأ حين تابعت بعض النقاشات حول مقاطعة الاستفتاء على الدستور أو التصويت بـ«لا». شعرتُ بالخوف وأنا أرى أشخاصًا يهمّونني مهدّدين بالقمع فقط لأنهم يمارسون حقًا يُقال إننا نملكه. أظن تلك التجربة ساهمت في صياغة ما أنا عليه اليوم، وغذّت رفضي للرقابة على الكلمات من جهة، وللمظاهر الفولكلورية التي تتبنّاها الدولة لتبدو ديمقراطية من حهة أخرى، ففي الواقع كانت الدولة تدفع باتجاه معيّن عبر آلة دعائية لا يملك الآخرون الوصول إليها. مقابل، تحذير كل من يعارض بأن استخدام المنصات المحدودة المتاحة لهم للتعبير عن آراء مختلفة قد يعرّضهم للمساءلة
- أنت تنتمين إلى جيل زيد، هل بإمكانك التعريف بهذا الجيل: هل هو احتجاج شبابي عابر أم احتجاج لبناء وعي طبقي وسط الشباب الكادح؟
بوصفي شخصًا يميل بقوة إلى اليسار، أرى أن كل تجربة يُعيشها الفرد في ظل النظام القائم تشكّل حجرًا يُضاف إلى بناء الوعي الطبقي. الواقع المادي حاضر وماثل. ما ينقص في الغالب ليس الألم ولا الظلم، بل اللغة؛ المفردات التي تنسجم مع الجيل الذي يختبر هذه الوقائع. فإذا واصلنا الحديث بصيغ بعيدة عن عالمهم، فلن يكون بوسعهم التفاعل أو الرد، لأن الفهم نفسه يصبح معطَّلًا.
يدرك شباب جيل Z 212 أننا نعيش حالة اضطهاد، ويستشعرون بشكل فطري موقعهم الطبقي. غير أنهم ليسوا كتلة واحدة متجانسة؛ بل يضمّون أفرادًا من طبقات اجتماعية متباينة، وبدرجات مختلفة من الوعي أو التكوين السياسي، إن وُجد. وقد أظهرت الحركة، رغم ما قد يبدو عليها من ضعف اليوم، أن هذا الجيل معنيّ ومهتم، لكنه يعبّر عن اهتمامه بطرق تختلف عن تلك التي اعتمدتها الأجيال السابقة.
في بداياتها، كانت مطالبها محدودة، وظنّت أن المطالب البسيطة، المصاغة بلغة مهذّبة والمرفقة بالورود، قد تفتح باب الإصلاح. لم يكن ذلك سذاجة أخلاقية، بل طورًا من أطوار النضج السياسي. أما اليوم، فقد بات واضحًا لهم أن الأمور لا تسير بهذه الطريقة. ولم يتأتَّ هذا الإدراك من مطالعة النظريات، بل من الاحتكاك المباشر بالواقع، حين كان ردّ النظام عنيفًا.
لا أدّعي أن لدي رؤية لما كان يمكن أن تحققه الحركة، لكني سأروي قصة شخص قابلته، دعونا نسمّه X، لم يسبق له المشاركة في أي احتجاجات من قبل. ومع ذلك، بدأ يظهر في احتجاجات عاملات وعمال سيكوم/ سيكوميك في مكناس تضامنًا معهم/هن. وفي الأسبوع الأول من الحركة، كان قد أدرك بالفعل قيمة التضامن وأهمية التقاطعية.
في إحدى المرات، حمل طلاب الجامعة المنتمون إلى الاتحاد الوطني لطلبة المغرب علم الاتحاد السوفيتي، فسألني لماذا يرفعون علم “الشيعة”. كان الالتباس لغويًا فقط، إذ يتشابهان في العربية. بعد أسابيع، أصبح هذا الشخص نفسه من بين أكثر الأعضاء نشاطًا في مجموعة دعم السجناء السياسيين، وانضم إلى اللجنة المحلية لدعم السجناء السياسيين في مكناس. وكما هو الحال في أي لجنة تضم شبابًا وممثلين سياسيين، كان يُتوقع من الشباب أحيانًا التزام الصمت، لكن في إحدى النقاشات مع ممثل حزب سياسي داخل اللجنة، وُصف هذا الشخص بالبيروقراطي، وقد استخدمت الكلمة في سياقها تمامًا!
لم أتشارك هذه القصة لطرافتها، رغم أنها كذلك، بل لأنها تصف تطور شخص من التضامن الشكلي مع عاملات وعمال سيكوم الى دعمهم-ن الفعلي، وتعلّم، واكتسب مفردات استخدمها في السياق الصحيح أفضل من كثيرين ممن يدعون النضال. ولو أُتيح للحركة أن تتطور، لو سُمِح لها بالاستمرار، ربما بهذا الشكل من الفهم السريع الذي يتميز به الكثير من الشباب كنا سنتجاوز مطالبنا المباشرة لنصل إلى قضايا هيكلية أوسع، وربما لبنينا شيئًا أكثر استدامة، ووعيًا طبقيًا حقيقيًا، أو شيءً آخر. لكنه كان سيضع الكثيرين على الطريق نحو هذا الهدف.
داخل جيل زيد، كيف تترجمون خطابكم النسوي الطبقي في الميدان، خاصة عبر حضوركم وقفات عاملات سيكوم سيكوميك في مكناس؟ هل تعتبرون أن تحرر النساء مرتبط بتحرر الطبقة العاملة، وكيف تميزون خطابكم عن النسوية الليبرالية التي تكتفي بالمطالبة بمكاسب فردية داخل الرأسمالية؟
هذا السؤال حول النسوية في جيل Z يضع معايير عالية جدًا للحركة، انا شاركت في احتجاجات حركة جيل Z ويصدف انني نسوية. لم تكن الحركة تحمل مطالب واضحة مصنفة على أنها «للنساء». لكن ما أشعل فتيلها حقًا كانت المآسي التي تعرّضت لها النساء اللواتي توفين في مستشفى الحسن الثاني أثناء الولادة. هذه الوفيات ذكّرتنا بأن حياة النساء معرضة للخطر يوميًا في مستشفياتنا العمومية. حتى الشباب الذين كانوا يحملون آراء «معادية للنسوية» – وكان عددهم كبيرًا – أرادوا أن تلد النساء بأمان، وأن تكون المدارس قوية بما يكفي لتخفيف العبء عن الأمهات في المنزل، اللواتي يضطررن لتحمل المزيد من العمل غير المدفوع، بما في ذلك تعليم الأطفال وكل الأعمال غير المرئية الأخرى.
أرى أننا، من خلال الدفاع عن الخدمات العمومية، كنا ندافع عن النساء، سواء أدركنا ذلك أم لا. بالإضافة الى انه كانت هناك نساء في الشوارع، وقفن، وتعرّضن للاعتقال والمضايقات والإساءات والتحرش داخل المخافر… وأي حركة ترفع فيها النساء أصواتهن تحمل بالضرورة بعدًا نسويًا، حتى لو لم تقتصر مطالبها على حقوق المرأة.
نمت الحركة بقوة، لكن فقط إلى حد معين. في مرحلة ما، تم تقييد النقاشات لتجنّب أي موضوع “قد يثير صراعًا”. وكانت قضايا النساء واحدة من هذه القضايا، الى جانب القضية الفلسطينية، فغابت. خارج إطار خادم الديسكورد، وجدت نفسي ضمن مجموعة صغيرة للنساء فقط، لم نكن نعرف أسماء بعضنا البعض. وكانت إحدانا تتولى المبادرة لضمان عودة الجميع من الاحتجاجات بأمان، دون تعرضهن لسوء. لكن هذا كان الحد الأقصى؛ فلم تشعر أي واحدة بالأمان لمناقشة أي شيء خارج خادم سيرفر جيل زيد 212. فظلت المجموعة نشطة فقط خلال الاحتجاجات العنيفة، ولم تتطور أبدًا إلى ما هو أبعد من ذلك.
أما بالنسبة للسؤال حول عاملات سيكوم، فقد تلاحم جيل Z معهن ليس من خلال التخطيط المسبق، بل عبر الاعتراف المتبادل بأننا واجهنا صراعات متشابهة، مثل القمع والتجاهل واستحالة سماع مطالبنا. ولا ننسى أنهم/هن أيضًا لا يستطعن/ون تحمل تكاليف المستشفيات ولا تكاليف مدارس أطفالهم. هذه التجربة المشتركة أسست للتضامن؛ فهمنا بعضنا البعض، ووقفنا إلى جانب بعضنا، ودعمنا بعضنا البعض.
ما لا أفهمه هو لماذا لم توحّد المدن الأخرى نضالاتها. نحن لم ننزل إلى الشوارع من أجل احتياجاتنا المباشرة، فمعظمنا شباب في بداية حيواتنا؛ الرعاية الصحية والتعليم تهم أساسًا كبار السن، أولئك الذين يدفعون الفواتير، ومن قد يموتون أثناء الولادة. فلماذا بدأنا بالتضامن، فقط لنرسم حدودًا تعزل حركتنا عن المعلمين والمحامين والأطباء — الأشخاص المرتبطين بمطالبنا — ثم توسعنا لاحقًا ليشمل جميع العمال ونحوّلها إلى حركة عامة للجميع؟ على الرغم من أن المطالب كانت متواضعة جدا، إلا أنها حملت إمكانات كبيرة لبناء جبهة قوية للدفاع عن الخدمات العامة.
في رأيي الشخصي، هذا القيد كان أحد أسباب توقف تطور الحركة. حتى عندما “تطورت” لاحقًا واعتمد جيل Z212 الوطني بأكمله بعض القضايا، تم فرضها من الأعلى، دون أي موافقة أو فهم حقيقي من الشباب/ات. ليس لدي اعتراض على الأشخاص الذين يديرون الخادم، لكن الادعاء بأن الحركة أفقية بينما يُركّز القرار والرقابة داخليًا بحجة الحماية، هو كذبة. فقدت الحركة أفقيتها في اللحظة التي أصبح فيها القرار مركزيًا والرقابة محكمة، وأصبح ذلك شكلاً جديدًا ولامعًا من البيروقراطية المفروضة بواسطة التكنولوجيا. وكان هذا النظام أيضًا سببًا في منع النقاش حول النسوية، بحجة أن “النسوية تثير الصراع”.
أنا شخصيًا لم أسعَ لإقامة “غرفة نسوية”، لأن النسوية التي أمثلها كانت مدمجة بالفعل؛ يكفي بعض التحليل والفهم لرؤية أن نضالاتنا واحدة، وأن النساء هن الأكثر تأثرًا بفشل الدولة. عمومًا، غادرت محادثات الخادم عندما لم تعجبني طريقة إدارتها، وبدأت العمل مع أشخاص في الميدان، بعضهم كنت أعرفهم مسبقًا، ومعظمهم قابلتهم لأول مرة. شهدت صحوة نسوية في مكناس ضمن مجموعة صغيرة، حيث كانت الشابات يزرن العائلات ويدعمن أمهات السجناء السياسيين، وعلى الرغم من أننا لم نستخدم المصطلح “نسوية” أبدًا، كنا متفقات على أن العمل الفعلي أهم من اعطائنا خطاب طويل عن المساواة يُبث على التلفزيون الوطني. لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى اتفقنا على أن النسوية الليبرالية التي تُصفّق لـ “تقدمية” الدولة، بينما الدولة نفسها تضطهدنا جميعًا، لا تمثلنا، ومن هنا انطلقنا.
بصراحة، أنا سعيدة تقريبًا لأنه لم يكن لدينا تيار نسوي ليبرالي داخل الحركة، لأنه لربما كُنّ سيطالبن على أن تكون الشرطيات وحدهن المسموح لهن بضرب واعتقال النساء في المظاهرات. وأنا أفضل ألا أتعرض للضرب مطلقًا.
اقرأ أيضا


