اليسار المغربي والبرلمانية: بين أوهام المشاركة وعقائدية المقاطعة وسؤال البديل

مقالات24 يونيو، 2026

بقلم؛ أنيس.ج

يحتل الموقف من البرلمانية والانتخابات موقعاً مركزياً في النقاشات التي تعبر اليسار المغربي منذ عقود. وتتجدد هذه النقاشات مع كل استحقاق انتخابي، فتعود الأسئلة نفسها إلى الواجهة: هل تشكل المشاركة في المؤسسات المنتخبة مدخلاً لتوسيع النفوذ الشعبي والدفاع عن مصالح الكادحين؟ أم أنها تفضي إلى الاندماج التدريجي في قواعد اللعبة السياسية القائمة؟ وهل تمثل المقاطعة موقفاً ثورياً يفضح حدود النظام السياسي القائم، أم أنها تتحول إلى عزلة طوعية عن إحدى الساحات التي يتشكل فيها الوعي السياسي لقطاعات واسعة من الجماهير؟
غالباً ما يجري تناول هذه الأسئلة بطريقة مجردة، كما لو أن الاختيار بين المشاركة والمقاطعة مسألة مبدئية مستقلة عن الواقع الملموس. والحال أن التراث الماركسي الثوري لا يقدم أجوبة جاهزة تصلح لكل زمان ومكان. فالموقف من البرلمانية عند لينين وغرامشي لا ينبع من أحكام أخلاقية على المؤسسات القائمة، وإنما من تقدير سياسي يرتبط بطبيعة الدولة وميزان القوى ومستوى تنظيم الطبقات الشعبية وآفاق الصراع الاجتماعي.
من هنا تبرز أهمية العودة إلى الأسس النظرية التي يستند إليها هذا النقاش، خصوصاً وأن جزءاً مهماً من اليسار الجذري المغربي يستند إلى لينين وغرامشي لتبرير خيار المقاطعة، في حين أن القراءة الدقيقة لهذين المنظرين تكشف صورة أكثر تركيباً مما توحي به الاستشهادات المتداولة.
انطلق لينين من اعتبار البرلمان مؤسسة برجوازية تعكس الهيمنة الطبقية للرأسمال. ولم يكن يرى فيه أداة قادرة على تحقيق التحول الاشتراكي أو نقل السلطة إلى الطبقات الشعبية. غير أن هذا الحكم لم يدفعه إلى رفض المشاركة البرلمانية من حيث المبدأ. فقد خاض البلاشفة الانتخابات القيصرية في أكثر من محطة، وشاركوا في مجلس الدوما رغم محدودية صلاحياته وطبيعته المحافظة. وكان لينين شديد النقد للتيارات التي حولت المقاطعة إلى عقيدة ثابتة، مؤكداً أن الثوريين مطالبون بالوجود حيث توجد الجماهير، حتى داخل المؤسسات التي يهيمن عليها الخصم الطبقي.
في نظره، لا تكمن المسألة في مدى ديمقراطية البرلمان أو في حجم الفساد الذي يعتريه، وإنما في ما إذا كانت المشاركة تسمح بالتواصل مع الجماهير وكشف حدود النظام القائم وتعزيز مواقع الحركة الثورية. لذلك لم يكن معيار المشاركة أو المقاطعة هو طبيعة المؤسسة وحدها، بل المردود السياسي والتنظيمي الذي يمكن تحقيقه من كل خيار.
أما غرامشي فقد تناول القضية من زاوية مختلفة. فقد انشغل بتفسير أسباب استقرار الأنظمة الرأسمالية في أوروبا الغربية رغم تفاقم التناقضات الاجتماعية. وقاده ذلك إلى تطوير مفهوم الهيمنة، الذي يوضح كيف تنجح الطبقات الحاكمة في تأمين قدر من القبول الاجتماعي لقيادتها السياسية والثقافية. وضمن هذا الإطار احتل البرلمان مكانة تتجاوز وظيفته التشريعية، ليصبح أحد المواقع التي تُنتج فيها الشرعية السياسية وتُصاغ عبرها التوازنات الاجتماعية والإيديولوجية.
لم يكن البرلمان عند غرامشي مجرد واجهة شكلية أو مؤسسة يمكن تجاهلها دون تكلفة سياسية. فقد اعتبره جزءاً من شبكة واسعة تضم الأحزاب والنقابات والمدارس ووسائل الإعلام والجمعيات وغيرها من المؤسسات التي تمارس عبرها الطبقة المهيمنة نفوذها داخل المجتمع. ومن ثم فإن الصراع السياسي لا يقتصر على مواجهة أجهزة الدولة المباشرة، وإنما يمتد إلى مختلف المواقع التي تتشكل فيها القناعات والتمثلات الجماعية.
يتضح من ذلك أن لينين وغرامشي يشتركان في نقد الأوهام البرلمانية والإصلاحية، لكنهما لا يقدمان أي سند لفكرة الانسحاب التلقائي من المجال البرلماني. فالنقد الماركسي للبرلمان لا يساوي بالضرورة الدعوة إلى المقاطعة، تماماً كما أن الاعتراف بالطابع الطبقي للنقابات أو الجامعات أو وسائل الإعلام لا يقود إلى الانسحاب منها.
ويزداد هذا الأمر وضوحاً إذا ميزنا بين البرلمان والانتخابات. فكثير من النقاشات اليسارية المغربية تخلط بين الأمرين، مع أن لكل منهما طبيعة مختلفة. فالبرلمان مؤسسة دستورية محددة الصلاحيات والموقع داخل بنية الدولة، بينما تمثل الانتخابات لحظة سياسية واجتماعية أوسع بكثير من المؤسسة التي تنبثق عنها. ففي فترات الانتخابات يتجه اهتمام ملايين المواطنين نحو الشأن العام، وتصبح الأسئلة السياسية موضوعاً للنقاش الجماهيري، وتدخل القوى المتنافسة في معركة التأثير على الرأي العام. لذلك فإن محدودية البرلمان لا تؤدي تلقائياً إلى انعدام أهمية اللحظة الانتخابية نفسها.
تكتسب هذه الملاحظات أهمية خاصة عند الانتقال إلى الحالة المغربية. فاليسار الجذري، وفي مقدمته حزب النهج الديمقراطي العمالي، يقدم جملة من المبررات لتبني خيار المقاطعة. ويستند هذا الموقف إلى تشخيص يعتبر أن البرلمان لا يشكل مركز السلطة الفعلية، وأن المؤسسات المنتخبة تعمل ضمن حدود مرسومة سلفاً، وأن الانتخابات تساهم في إعادة إنتاج الشرعية السياسية للنظام القائم دون أن تتيح إمكانات حقيقية للتغيير الديمقراطي أو الاجتماعي.
ويضيف هذا التشخيص عناصر أخرى تتعلق بحضور المال الانتخابي، ونفوذ الأعيان، واستمرار التبعية الاقتصادية، وضعف التمثيلية الشعبية. كما يربط النهج بين المشاركة الانتخابية وانتشار الأوهام الإصلاحية التي توحي بإمكانية تحقيق تحولات جوهرية من داخل المؤسسات القائمة.
يصعب إنكار جانب مهم من هذا التحليل. فالبرلمان المغربي لا يحتكر السلطة السياسية، كما أن التجربة التاريخية لم تبرهن على قدرة الانتخابات وحدها على إحداث انتقال ديمقراطي فعلي أو فرض إصلاحات بنيوية عميقة. ويكفي النظر إلى المسار الذي سلكته بعض القوى اليسارية التي جعلت من الانتخابات محور عملها الأساسي لفهم حدود الرهان البرلماني في السياق المغربي.
وثمة عنصر إضافي يمنح هذا الموقف قدراً من الوجاهة. فالدولة المغربية أظهرت، على امتداد عقود، قدرة كبيرة على استيعاب المعارضات واحتواء النخب السياسية والنقابية والحقوقية وإعادة دمجها داخل النظام القائم. وهذا ما يفسر جانباً من تخوف اليسار الجذري من المشاركة الانتخابية. فالمسألة لا ترتبط فقط بعدد المقاعد البرلمانية الممكنة، وإنما بالخوف من مسار تكيّف تدريجي يفضي إلى فقدان الاستقلالية السياسية وإضعاف الأفق التغييري.
غير أن قوة التشخيص لا تكفي وحدها لتبرير الاستنتاج السياسي. وهنا تظهر الحلقة الأضعف في الخطاب المقاطع. فالانتقال من نقد البرلمان إلى الدعوة إلى المقاطعة يفترض البرهنة على أن المقاطعة تحقق مكاسب سياسية وتنظيمية تفوق ما يمكن أن تحققه المشاركة. وهذه البرهنة لا تحضر دائماً بالوضوح الكافي.
فالقول إن البرلمان محدود الصلاحيات لا يجيب عن سؤال جدوى الانسحاب منه. والقول إن الانتخابات تخضع لتأثير المال والأعيان لا يفسر لماذا يصبح ترك هذه الساحة للقوى المنافسة خياراً أكثر فاعلية. كما أن الإشارة إلى الطابع السلطوي للنظام لا تقدم، في حد ذاتها، دليلاً على أن المقاطعة تساهم في بناء ميزان قوى جديد.
من منظور لينيني، تظل هذه الحجج ناقصة لأنها تركز على طبيعة المؤسسة أكثر مما تركز على وظيفة التدخل السياسي داخلها. أما من منظور غرامشي، فإنها تغفل كون الانتخابات لحظة مركزية في إنتاج الشرعية وفي تشكيل وعي ملايين المواطنين. وإذا كانت الانتخابات تؤدي بالفعل دوراً مهماً في إعادة إنتاج الهيمنة، فإن هذا المعطى يطرح سؤال التدخل فيها أكثر مما يبرر الانسحاب منها.
وثمة ملاحظة أخرى لا تقل أهمية. فالأدبيات المقاطعة تبذل جهداً كبيراً في نقد حصيلة المشاركة الانتخابية، لكنها نادراً ما تخضع المقاطعة نفسها لمستوى مماثل من النقد والتقييم. والحال أن أي تكتيك سياسي ينبغي أن يقاس بنتائجه العملية لا بسلامة منطقه النظري فقط.
بعد عقود من المقاطعة يحق التساؤل: ماذا راكم هذا الخيار تنظيمياً؟ ما حجم النفوذ الاجتماعي الذي أنتجه؟ هل نجح في توسيع القاعدة الجماهيرية؟ هل ساهم في تحويل الامتناع الانتخابي الواسع إلى وعي سياسي منظم؟ هل أفرز مؤسسات شعبية جديدة؟ هل نقل الحركة الثورية إلى مستوى أعلى من الفعالية؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يستهدف نفي وجاهة المقاطعة، وإنما إخضاعها للمعيار نفسه الذي تُقاس به المشاركة. فكما يُطلب من المشاركين تقديم حصيلة ملموسة لسياساتهم، يُطلب من المقاطعين أيضاً تقديم حصيلة ملموسة لخيارهم. غير أن النقاش كله يبقى ناقصاً ما لم ننتقل إلى السؤال الأعمق الذي غالباً ما يظل غائباً عن السجال الدائر بين أنصار المشاركة وأنصار المقاطعة. فكلا الطرفين ينطلق، بصورة أو بأخرى، من نقد البرلمان القائم. لكن النقد لا يجيب تلقائياً عن سؤال البديل.
وهنا نصل إلى النقطة الأكثر أهمية في النقاش برمته. ما شكل السلطة الشعبية الذي يطرحه اليسار المغربي في مواجهة البرلمانية القائمة؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الواقع يمثل الحلقة المفقودة في جزء كبير من الأدبيات اليسارية المغربية. فالحديث عن محدودية البرلمان لا يحدد طبيعة المؤسسات التي يمكن أن تحل محله. والحديث عن الديمقراطية الشعبية لا يوضح دائماً أشكالها التنظيمية الملموسة. كما أن الدعوة إلى القطيعة مع النظام القائم لا تقدم بالضرورة تصوراً واضحاً للسلطة البديلة.
هل يتعلق الأمر بمجالس عمالية؟ أم بمجالس شعبية محلية؟ أم بتنسيقيات اجتماعية دائمة؟ أم بمؤسسات تمثيلية جديدة تنبثق من الأحياء وأماكن العمل والقرى والجامعات؟ أم بجمعية تأسيسية ذات مضمون ديمقراطي جذري؟ أم بمزيج من هذه الأشكال جميعاً؟ غالباً ما تبقى الإجابة معلقة أو مؤجلة.
والحال أن سؤال السلطة يحتل موقعاً مركزياً في التراث الماركسي كله. فقد انشغل ماركس ولينين وغرامشي، كل بطريقته، بقضية المؤسسات التي تستطيع الطبقات الشعبية عبرها أن تمارس قيادتها السياسية. ولم يقتصر اهتمامهم على نقد الدولة القائمة، بل امتد إلى البحث عن الأشكال التنظيمية القادرة على الحلول محلها.
من هذه الزاوية يمكن القول إن المعضلة الأساسية لليسار المغربي لا تكمن في موقفه من البرلمان، وإنما في محدودية النقاش حول البديل المؤسسي والسياسي القادر على تجسيد مشروعه التاريخي. فحين يغيب البديل الملموس، تستعيد البرلمانية جزءاً من جاذبيتها مهما كانت حدودها. وحين يبقى أفق السلطة الشعبية عاماً ومبهماً، تتحول المقاطعة بدورها إلى موقف احتجاجي أكثر منها مشروعاً سياسياً متكاملاً.
لهذا السبب لا يبدو أن المأزق الحقيقي الذي يواجه اليسار المغربي يتمثل في حسم الاختيار بين المشاركة والمقاطعة. فكل من الخيارين يمكن الدفاع عنه في ظروف معينة. أما السؤال الذي يسبق كليهما فهو سؤال بناء القوة الاجتماعية والسياسية القادرة على حمل مشروع تغييري فعلي.
لقد شهد المغرب حركات احتجاجية مهمة ونضالات اجتماعية متعددة، غير أن معظمها بقي مشتتاً وعاجزاً عن إنتاج أدوات تنظيمية مستقرة وقادرة على التراكم. وهنا تكمن المهمة التاريخية الأكثر إلحاحاً. فبناء الحضور داخل الأحياء الشعبية ومواقع العمل والمؤسسات التعليمية والحركات الاجتماعية يظل شرطاً سابقاً لأي نقاش جدي حول السلطة أو الانتخابات أو التغيير السياسي.
إن الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من لينين وغرامشي لا يتعلق بالمشاركة أو المقاطعة في حد ذاتهما، وإنما بمسألة بناء القوة. فغرامشي يذكرنا بأن الهيمنة تُبنى داخل المجتمع قبل أن تتجسد في مؤسسات الدولة، ولينين يذكرنا بأن السياسة الثورية لا تنفصل عن التنظيم وعن القدرة على تحويل التذمر الاجتماعي إلى قوة واعية ومنظمة.
وعليه، فإن السؤال الحاسم الذي يواجه اليسار المغربي اليوم ليس عدد المقاعد التي يمكن الفوز بها، ولا نسبة المقاطعة التي يمكن تحقيقها، وإنما الكيفية التي يمكن عبرها بناء قوة اجتماعية وسياسية قادرة على تمثيل مصالح الطبقات الشعبية وصياغة مؤسساتها البديلة وفرض حضورها في المجال العام.
بهذا يتحول النقاش حول البرلمانية من جدل دائر في حلقة مفرغة بين المشاركة والمقاطعة إلى نقاش استراتيجي حول السلطة والهيمنة والتنظيم وآفاق التغيير التاريخي.

شارك المقالة

اقرأ أيضا