الإمبريالية (الإمبرياليات) ومناهضة الإمبريالية
مقابلة مع بنجامين بورباومر Benjamin Bürbaumer
بينما تشير الحروب الأخيرة إلى تفاقم العواقب العسكرية للسياسات الأمريكية والإسرائيلية، ينكب بنيامين بورباومر Benjamin Bürbaumer هنا على تعريفات الإمبريالية، وتحولاتها المعاصرة، والاستنتاجات الممكن استخلاصها منها فيما يخص صياغة سياسة مناهضة للإمبريالية.
بقلم
- ما تعريفك للإمبريالية؟
توصيف الإمبريالية بأنها مرحلة خاصة من الرأسمالية، كما ورد في كتيب لينين الإمبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية، هو الأشهَر. يكمن عيبه، بالنسبة لنا اليوم، في فرط دقته، وفرط تأثره بخصائص رأسمالية ما قبل 100 عام. كان هذا التعريف قوة للتحليل السياسي آنذاك، لكن يصعب تطبيقه على الحقبة المعاصرة. فمع بقاء سمات الرأسمالية الأساسية على حالها، شهد نمط الإنتاج جملة تحولات – لا سيما تطور سلاسل القيمة العالمية، وتشكل سوق عالمي تحت إشراف الولايات المتحدة، وظهور فصيل من البرجوازية الموالية للولايات المتحدة في أوروبا الغربية، أو حتى نهاية الإمبراطوريات الاستعمارية الرسمية — ما يجعل نص لينين صعب الاستعمال في التحليل المعاصر.
لهذا، يبدو لي أن تعريفًا للإمبريالية أكثر تجريدًا وعمومية هو الأفضل. ونجده في كتاب روزا لوكسمبورغ تراكم رأس المال، وهو نص كلاسيكي آخر عن الإمبريالية. تُعرّف لوكسمبورغ فيه الإمبريالية بأنها «التعبير السياسي عن عملية التراكم الرأسمالي المتجلية في تنافس الأنظمة الرأسمالية الوطنية». تعرض بهذا النحو دينامية الإمبريالية الأساسية: ففي أي بلد، يولد الأداء المعتاد للرأسمالية توترات بانتظام. وإذا ما قامت حكومة البلد المعني، عوض تجاوز هذه التناقضات داخل الحدود الوطنية، بإسقاطها على الساحة العالمية بإجراءات قسرية، فإننا نكون إزاء دينامية إمبريالية.
كان إبراز هذه الآلية الممتدة من تراكم رأس المال إلى الصراع الدولي الإسهام الحاسم لمنظري الإمبريالية الكلاسيكيين. وهو ليس حكرا على لوكسمبورغ؛ فقد طبق لينين وهيلفردينغ وبوخارين الاستدلال ذاته، لكن لوكسمبورغ نجحت في تركيب المنهجية في تعريف موجز ومجرّد بما يكفي ليبقى ذا مفيدا حتى يومنا هذا.
إن فهم هذه الآلية التي يطلقها تراكم رأس المال أمر حاسم لأنه يمد التحليل ببوصلة واضحة. يجب أولا، في حالة نشوب صراع دولي، دراسة التوترات التي تتجلى في رأسمالية البلد المعتدي. وبهذه المنهجية التي تأخذ في الاعتبار العلاقات الاجتماعية في نشأة التوترات الدولية، تتميز نظرية الإمبريالية عن المقاربات السائدة والمتمحورة حول الدولة في العلاقات الدولية. فهذه الأخيرة تختزل الحركات الاجتماعية إلى حالة عجز أمام الحرب التي تُعتبر شأناً حصرياً للدول. تنطلق نظرية الإمبريالية، على نقيض ذلك، من تناقضات الرأسمالية في البلد المعتدي، وتؤكد بذلك أيضًا أن أي إجراء قسري يسبقه توازن قوى معين. وهذا التوازن قابل للتغيير. وتُظهر هذه الملاحظة أن الحرب ليست مجرد مسألة آلات حربية عملاقة وأجهزة قيادة عسكرية. فللحركة العمالية وللمجتمع المدني بنحو أوسع تأثير على هذه الظاهرة.
- هل ثمة تصورات متنوعة للإمبريالية لدى «المثقفين اليساريين»؟
تتعايش، منذ موجة النقاشات الأولى حول الإمبريالية في مطلع القرن العشرين، عدة تصورات للإمبريالية. وعادةً ما تنطوي النظرة «بين-إمبريالية» التي تبنّاها لينين ولوكسمبورغ وبوخارين على نقد شديد للنهج «ما بعد الإمبريالي» الذي تبنّاه كاوتسكي. كان هذا الأخير يعتقد أن بإمكان الرأسماليين في كل قوة عظمى تجاوز نزاعاتهم لتشكيل تحالف عالمي كبير للبرجوازيات من شأنه استغلال الشغيلة بشكل أفضل. على العكس من ذلك، تُظهر أعمال لينين، ولا سيما أعمال لوكسمبورغ وبوخارين، أن الرأسماليين في كل بلد متشابهون – فهم يسعون وراء الربح – وهذا التشابه بالذات ما يدفعهم إلى معارضة أمثالهم على الجانب الآخر من الحدود [1].
وإبان موجة النقاشات الثانية في سنوات 1960 و 1970 ، لوحظت خطوط انقسام مماثلة بين ورثة كاوتسكي، مثل ريتشارد سكلار Richard Sklar، الذين ركزوا على جوانب الرأسمالية التي تتجاوز الحدود الوطنية، وورثة النهج «بين الإمبريالي» مثل جاك فالييه وإرنست ماندل، الذين أكدو على التوترات بين القوى العظمى. ومع ذلك، ظهر أيضًا نهج جديد يمكن وصفه بـ«الامبريالية الفائقة»، على يد نيكوس بولانتزاس الذي كان آنذاك الوقت، قد قرأ كثيرًا نظرية التبعية بمختلف تنويعاتها الماركسية والبنيوية. كانت حجة بولانتزاس المركزية متمثلة في التأكيد على تفرد الدولة الأمريكية التي خرجت من الحربين العالميتين قوةً عظمى لا نظير لها. فهي فريدة من نوعها من حيث الأداء الاقتصادي والقوة العسكرية، ولكن أيضًا لأنها نجحت في إعادة انتاج نفسها، وفي الاغتناء في تشكيلات رأسمالية اجتماعية أخرى، لا سيما في أوروبا الغربية، مع إحداث الفوضى في صفوف البرجوازيات الوطنية في البلدان المعنية. ونتيجة لذلك، أصبحت أوروبا الغربية مندمجة بشكل متزايد في الرأسمالية الأمريكية وفقدت مقدرتها على العمل باستقلال. وبذلك تقلصت بشكل كبير احتمالات نشوب صراع عنيف بين الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية. لكن هذا لا يؤدي إلى زوال الحروب الإمبريالية، بل تُخاض هذه الحروب بشكل أساسي في أطراف الرأسمالية العالمية.
وفي أثناء موجة النقاشات الأخيرة التي دارت في سنوات 2000، في أعقاب غزو العراق، عادت المواقف الثلاثة – ما بين الإمبريالية، والإمبريالية الفائقة، وما بعد الإمبريالية – إلى الظهور من جديد. حظي التيار ما بعد الإمبريالي بشعبية مذهلة من خلال كتاب Empire لتوني نيغري ومايكل هاردت،. وكانت هذه الشعبية مذهلة بقدر ما أن تأكيدهما بأن الإمبريالية قد انتهت يتعارض مع واقع الغزو. ومنذئذ، أدى تكاثر الحروب الإمبريالية إلى تقويض مصداقية النهج ما بعد الإمبريالي بشكل نهائي. لذا، يدور النقاش المعاصر يور في المقام الأول حول استمرار طابع الإمبريالية الأمريكية الفريد – وهو ما يبرزه بشكل خاص مؤلفون مثل ليو بانيتش Leo Panitch وسام جيندين Sam Gindin – وأهمية التوترات بين الولايات المتحدة وقوى أخرى مثل فرنسا وألمانيا وروسيا والصين – ويمكننا هنا أن نشير إلى مساهمات كلود سرفاتي أو أليكس كالينيكوس.
وأخيرًا، أود أن أوضح أن هناك فرقًا بين نظرية الإمبريالية ونظرية التبعية، غالبًا ما يُغفل. فالأولى تركز على الكيفية التي يدفع بها عمل الرأسمالية القوى العظمى إلى اللجوء إلى الإكراه تجاه بلدان أخرى، في حين تسلط الثانية الضوء على كون المستعمرات السابقة، على الرغم من استقلالها الشكلي، تظل متخلفة بسبب اندماجها في الرأسمالية العالمية نفسه. بعبارة أخرى، تتتبع الإمبريالية الصراع بين القوى العظمى، بينما تسلط التبعية الضوء على الآليات الاقتصادية التي تؤدي إلى مفاقمة تخلف البلدان الطرفية، وبالتالي إلى استمرار التفاوتات بين البلدان. تتكامل النظريتان، ويمكن للظواهر التي تدرسانها أن تتعاقب وتتكامل، لكن كل منهما تتناول موضوعًا مختلفًا: الأولى تتناول عواقب تراكم رأس المال على بلدان المركز، والأخرى تتناول عواقب العملية نفسها على البلدان الطرفية.
- ما خصائص الإمبريالية اليوم؟
يبدو لي أن منهجية « الإمبريالية الفائقة» تحدد بدقة خصوصية الولايات المتحدة في المشهد العالمي منذ العام 1945، وبنحو أكثر تحديدًا منذ سنوات 1970. كما تسلط الضوء على أن تشكل العولمة عمليةٌ تحت إشراف أمريكي. إن حجة كون الاستثمارات الأجنبية المباشرة للشركات الأمريكية في أوروبا الغربية قد أدت إلى إرباك تنظيم البرجوازيات الوطنية إلى حد كبير، وعززت ظهور برجوازية محلية موالية للولايات المتحدة، حجة مقنعة. وتساعد على فهم سبب خضوع البلدان الأوروبية لسياسات واشنطن، حتى عندما يفرض ترامب معاهدة تجارية غير متكافئة جدا – كما الحال في يوليو 2025 – ما يضعف بشكل مباشر أنظمة التراكم الموجهة نحو الخارج في عدد من الدول الأوروبية. كما تتيح فهم سبب وقوف الدول الأوروبية بحزم إلى جانب الولايات المتحدة في منافستها للصين.
في المقابل، لم تتمكن هكذا برجوازية محلية موالية للولايات المتحدة من الظهور في الصين قط؛ لأنه منذ العودة الكاملة إلى الرأسمالية، التي جرت تحت رعاية الجناح الليبرالي في الحزب الشيوعي الصيني في أواخر سنوات 1970، تخضع رؤوس الأموال الأجنبية لرقابة صارمة، وتظل الروابط بين الرأسماليين الصينيين والحزب الشيوعي الصيني وثيقة. وبهذا النحو، تشكل منافس للولايات المتحدة في صلب العولمة. وهذا مثال بامتياز على الطبيعة المتفاوتة والمركبة للتطور الرأسمالي، ويضفي هذا الواقع مصداقية على النهج «بين الامبريالي». في الواقع تواجه الصين، على غرار أي دولة رأسمالية، تناقضات. وعلى عكس معظم البلدان، تمتلك الصين الوسائل لمحاولة إخراج هذه التناقضات بالتصدير الهائل للسلع ورؤوس الأموال، ما يضعها على مسار المواجهة مع الولايات المتحدة. وفي التنافس الإمبريالي بين الصين والولايات المتحدة، نجد إذن الدينامية التي حددتها لوكسمبورغ سابقًا.
ومع ذلك، أود أن أضيف أن تنافس واشنطن وبكين لا يقتصر على التدفقات – من رؤوس أموال وسلع – بل يمتد بشكل أوسع ليشمل البنى التحتية المادية والرقمية والنقدية والتقنية والعسكرية، التي تجعل السوق العالمية ممكنة. ففي هذه المجالات كلها يمكننا ملاحظة تنافسهما وقياس عمقه الخاص. وهكذا نرى أن الرهان المركزي في هذا التنافس بسيط: السيطرة على الرأسمالية العالمية. تشرف الولايات المتحدة، في الوقت الراهن، على هذه الرأسمالية، لكن الصين تسعى إلى ابدالها برأسمالية عالمية متمحورة حول الصين. وأخيرًا، أود أن أوضح أن تنافس الصين والولايات المتحدة متفاوت إلى حد كبير. المجال الوحيد الذي تلاحق فيه الصين الولايات المتحدة بجدية هو المجال الرقمي. أما في البنى التحتية الأخرى، فتظل الولايات المتحدة متقدمة بفارق كبير.
- ما هي الإمبرياليات الفرعية أو الإمبرياليات الإقليمية؟
أود أن أوضح أولاً أن الفكرة الكاوتسكية التي تزعم وجود ميثاق بين بوتين وترامب أو تواطؤ مافيوي بين ترامب وشي وبوتين من أجل استغلال العمال والطبيعة على نطاق عالمي بشكل أفضل، تتجاهل الطريقة الفعلية لاشتغال الرأسمالية العالمية. تعود هذه القراءة « فوق الامبريالية» إلى الظهور بانتظام في النقاش، عند انعقاد لقاءات بين هؤلاء القادة. وهي تستند إلى تحليل التصريحات الصادرة في ختام هذه القمم. وبإيلاء أهمية مفرطة لتصريحات صانعي القرار، عوض قراءة مواقفهم من خلال تناقضات التشكيلة الاجتماعية لكل منهم، تعطي هده التحليلات أولوية للشكل على حساب المضمون. إنها محاولة لفهم العلاقات الدولية من خلال الواجهة التي يعرض فيها قادة القوى العظمى أنفسهم.
هذا مأزق. لأن هذه القراءة تتجاهل حقيقة أن تراكم رأس المال يقودهم، في الأساس، إلى المواجهة. وبوسع الجميع، حتى دون معرفة دقيقة لديناميات الاقتصاد السياسي السائدة، ملاحظة أن الصين تزود إيران بمعلومات استخباراتية تسمح لها باستهداف الأجهزة العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها، وتفرض الولايات المتحدة عقوبات تكنولوجية واسعة النطاق على الصين وتقطع روسيا عن البنية التحتية النقدية للدولار. لذا يمكننا، حتى دون فهم التناقضات الرأسمالية التي تفسر هذه الأعمال العدائية، أن نلاحظ بسهولة من هذه القائمة غير الشاملة أن المتواطئين لن يعاملوا بعضهم البعض بهذه الطريقة. وبالتالي، لا يوجد تواطؤ.
ويتيح هذا التوضيح الانتقال إلى مسألة الإمبرياليات الفرعية – وهي فرعية بقدر ما تظل الولايات المتحدة اليوم، من حيث القوة، إمبريالية لا مثيل لها. ويجب أن تكون هذه الحقيقة نقطة انطلاق لأي تحليل للوضع العالمي. ثم، وبالنظر إلى أن الإمبريالية – إلى جانب كونها دينامية مجردة وعامة – تشكل ممارسة تهدف إلى إخراج التناقضات الرأسمالية لبلد معين إلى الخارج، فإن أي بلد رأسمالي هو بلد إمبريالي بالكمون. غير أن حفنة صغيرة فقط من البلدان تمتلك فعليًّا الوسائل اللازمة لتحميل التوترات الناجمة عن رأسماليتها لبلدان أخرى. بهذا النحو يمكن تحديد القوى الإمبريالية. يمكننا على سبيل المثال أن نفكر في فرنسا والمملكة المتحدة والصين وروسيا، كما أن ألمانيا، مع إعادة تسليحها على نطاق واسع، تنضم مجدداً إلى هذا النادي الحصري للغاية.
يصعب التعامل بمفهوم الامبريالية الفرعية. يمكن فهمه على أنه مرادف للامبريالية الثانوية، لكن ليس هذا المعنى الذي قصد روي ماورو ماريني في دراسته الممتازة عن البرازيل في سنوات 1960. ما يسميه ماريني «الامبريالية الفرعية» استراتيجيةٌ قسم من برجوازية بلد متخلف. وتتمثل هذه الاستراتيجية في وضع اقتصاد البلد المعني في خدمة الاحتكارات الأجنبية بمساعدتها على تصريف إنتاجها في السوق العالمية. وبكل دقة، فإن هذا المفهوم يندرج ضمن نظرية التبعية أكثر من اندراجه ضمن نظرية الإمبريالية.
- هل تؤدي عودة ترامب إلى السلطة، بسياسته العدوانية والتدخلية، إلى إعادة تعريف مفهوم وطبيعة الإمبريالية الأمريكية؟
يجب أولاً وضع ترامب في سياق تاريخ الإمبريالية الأمريكية المديد. فهو يواجه نفس التناقضات التي واجهها أسلافه، ويواصل إلى حد كبير السياسات نفسها. صحيح أن الولايات المتحدة ألقت، إبان ولاية ترامب الثانية، قنابل على دول أخرى أكثر مما ألقت في ولاية جو بايدن، لكن بايدن قصف أكثر من ترامب في ولايته الأولى. نحن إذن إزاء استمرارية تزداد جذرية. لكن، لا بد من الاعتراف بقدر من التميز لدى ترامب. فهو أكثر عدوانية من أسلافه، لكن الأمر لا يتعلق بالفرد بحد ذاته، ولا حتى بـ«حالة مرضية» من نوع «ترامب مجنون»، بل هو قبل كل شيء نتيجة لتفاقم التناقضات المرتبطة بتراكم رأس المال في الولايات المتحدة.
يتجسد هذا التفاقم عبر تناقض مزدوج، كان قائما في عهد بايدن، لكن كلما بقي دون حل، كلما تطلب تدابير صارمة. ما هو هذا التناقض المزدوج؟ أولاً، فاقمت السياسات الاقتصادية التي دفع بها ترامب التفاوتات بشكل كبير، ووضعت أزمة القدرة الشرائية في صدارة النقاش السياسي، وهي الأزمة التي كانت قائمة في عهد بايدن، وأدت في النهاية إلى خسارة كامالا هاريس في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وتزداد حدة المشكلة اليوم بالنسبة للعمال الأمريكيين، حيث لا تزال أجورهم الحقيقية أقل من مستواها في يناير 2021. وتسهم مشكلة كلفة المعيشة في تسريع تراجع شعبية ترامب، ويُعد انتخاب زهران مامداني عمدةً لنيويورك أول مؤشر على الطابع السياسي المتفجر لهذا التناقض الأول. أما التناقض الثاني الذي تواجهه إدارة ترامب فيتعلق بالعولمة. لقد أتاح الدفع الذي أعطته الولايات المتحدة للعولمة بعكس اتجاه انخفاض معدل ربح الشركات الأمريكية في سنوات 1960 و 1970. لكن العولمة اليوم أصبحت أقل ربحية بالنسبة لرأس المال الأمريكي، ويرجع ذلك بشكل خاص إلى التطور التكنولوجي المتزايد لرأس المال الصيني. يبدو أن العولمة أصبحت، من وجهة نظر الولايات المتحدة، أقل فاعليةً يوماً بعد يوم.
يعتمد ترامب، بقصد التغلب على هذا التناقض المزدوج، على العدوان الإمبريالي. كان من المفترض أن يؤدي قصف كاراكاس واختطاف نيكولاس مادورو، اللذان أعقبهما إعادة تنظيم جذرية للسياسة الاقتصادية الفنزويلية بقيادة ديلسي رودريغيز لصالح رأس المال الأجنبي، إلى تجاوز هذا التناقض المزدوج. كانت هذه هي استراتيجية ترامب. كان من المفترض أن يحدث، بالوصول إلى موارد البلد النفطية الغنية، ارتفاع ملحوظ في عرض النفط على المدى القصير. وكان مفترضا أن تترجم هذا الآلية بشكل فوري وواضح، بالنسبة للمستهلكين الأمريكيين، إلى انخفاض أسعار الوقود عند محطات التزود. وفي ظل عدم وجود زيادة في الأجور، كان من المفترض أن يؤدي انخفاض هذا الإنفاق الإلزامي لعشرات الملايين من الأمريكيين إلى تبديد مشكلة غلاء المعيشة – على الأقل حتى انتخابات منتصف المدة في الخريف. أما بالنسبة لرأس المال الأمريكي، كان العدوان على فنزويلا يبشر بما لا يقل عن الوصول إلى أكبر احتياطيات نفط في العالم وإضعاف الصين. وبعد النجاح الكامل الذي حققته في فنزويلا، تعيد الولايات المتحدة تطبيق نفس النهج تجاه إيران. والحال أنه جرى بخس قدر استقرار إيران السياسي والعسكري، إلى درجة أدت إلى اندلاع حرب ذات مضاعفات عالمية، وتجلت في شكل هجوم على القوة الشرائية للعمال في جميع أنحاء العالم[2].
يغدو جليا، بمعرفة الدافع الأساسي للعدوان الأمريكي على إيران – وهو تجاوز التناقض المزدوج –أن اتفاق السلام الأخير بين واشنطن وطهران يمثل هزيمة لترامب. فقد استسلم ترامب أمام تفاقم أزمة القوة الشرائية التي سببها بهذه الحرب المستنزفة. لكن أهمية هذا الاتفاق تتجاوز البلدان المعنية مباشرةً: فبهذا الفشل العسكري تشير الولايات المتحدة، رغماً عنها، إلى أنها لم تعد قادرة حقاً على ضمان سير العولمة بشكل سليم. ومع ذلك، يبقى التناقض المزدوج قائماً. ربما تغير الولايات المتحدة هدفها أو تحشد جزءاً أكبر من آلتها الحربية في الشرق الأدنى، لكن عدوانيتها لن تختفي. وفي هذا الصدد، يجدر بنا أن نضع في اعتبارنا أن الاتفاق لا يعيدنا إلى الوضع السابق للحرب، إذ أن العواقب الاقتصادية السلبية لا تزال تتفشى في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة حيث قد تؤدي إلى إذكاء التناقض المزدوج.
- هل تعتقد أن إمبريالية الولايات المتحدة في تراجع؟ إذا كان الأمر كذلك ، فما أعراضه ؟
ما حل بالولايات المتحدة من تراجع أمر جلي. كنت قد أوجزت، في كتابي الصين/الولايات المتحدة، فكرة فخ الهيمنة، الذي يطابق حالة تقوم فيها القوة المهيمنة، بعد أن أصبحت هشة، بتغيير النسبة التي كانت محفوظة بعناية في السابق بين القبول والإكراه، لصالح الخيار الثاني. إن عسكرة الممارسات الدولية تطمئن القوة المهيمنة لأنها تنتج آثاراً فورية (تثير إعجاب الآخرين) تخضع بالكامل، فضلا عنذلك، لتقدير القوة التي تنفذها. وعلى طرف نقيض، قد تكون إعادة بناء العلاقات مع الحكومات والشعوب الأجنبية بحملة تودد قد عملية شاقة، وتستغرق بالتأكيد وقتاً أطول بكثير – أي أنها تتطلب جهوداً عديدة دون ضمان للنتيجة. وإن التصعيد العسكري الأمريكي هو بالضبط انعكاس لهذا الفخ. فبينما تجد الولايات المتحدة صعوبة متزايدة في حشد التأييد التلقائي من بقية العالم لسيطرتها العالمية، تمارس هروبا حقيقيا إلى الأمام.
تسارعت مع ترامب وتيرة تراجع شعبية الولايات المتحدة في العالم، الأمر الذي كان قد بدأ. علاوة على ذلك، فإن نهجه الافتراسي الصريح (التهديدات، والمعاهدات التجارية غير المتكافئة، والاستثمارات القسرية…) يدل على عدم اكتراثه كثيرًا بسمعة بلده. يصعب، في ظل هذه الظروف، الادعاء بتجسيد نظام عالمي مرغوب فيه تتمتع فيه الدول التابعة بآفاق استقرار وتنمية. في العام 2025، أدى هذا النهج إلى جملة غارات جوية في إيران واليمن والصومال وكولومبيا والجمهورية الدومينيكية والمكسيك ونيجيريا، لكن تم تجاوز عتبة معينة مع اختطاف نيكولاس مادورو. تحولت الهيمنة الأمريكية إلى سيطرة أمريكية.
لماذا نميز، على غرار غرامشي، بين السيطرة والهيمنة؟ من الناحية العملية، يمثل نهج السيطرة أمارة ضعف، لكنه لا يشير إلى تراجع وشيك للولايات المتحدة. إنه يُظهر أن القوة العظمى الأمريكية أصبحت أكثر هشاشة. يمكن للسيطرة العالمية الأمريكية أن تستمر طالما لم يتم الطعن فيها، لكن يوم يُطعن فيها بجدية، تنهار بسرعة. على النقيض من ذلك، الهيمنة العالمية، بفعل رسوخها بقوة في الحكومات والمجتمعات المدنية حول العالم، محصنةٌ ضد خطر انهيار مفاجئ. وقبل هذا الانهيار، يواجه العالم خطر انزلاق إلى تصعيد الصراعات العنيفة، والولايات المتحدة تستعد لذلك بوضوح.
تستأثر الولايات المتحدة وحدها، في الوقت الراهن، بنسبة 37% من الإنفاق العسكري العالمي. أعلن ترامب عن زيادة هائلة بنسبة 50٪ يمكنه نشرها بسرعة في جميع أنحاء العالم بفضل شبكة كثيفة من القواعد العسكرية. وتجدر الإشارة، في هذا الصدد، إلى أن الحرب ضد إيران تستنفد عددًا من القوات الأمريكية أقل بكثير من العمليات الأخرى في المنطقة. وبالتالي، لا يزال لدى الولايات المتحدة هامش تصعيد كبير. وفضلا عن ذلك، حصل ترامب على طفرة هائلة في إنفاق حلفائه العسكري في أوروبا. وهؤلاء الحلفاء، بما هم عوامل مضاعفة للقوة الأمريكية، إنما يضفون، باندفاعهم إلى إلقاء مسؤولية الحرب الرئيسية على إيران، مصداقية على الخطاب الترامبي الذي يزعم أن الأوروبيين مجرد «ركاب خلسة» يستفيدون من الحماية العسكرية الأمريكية. وهذا يضفي مصداقية على مغامرات إمبريالية قادمة داعمة للولايات المتحدة. وهكذا، على الرغم من فشل الحرب في إيران، تبدو الاعتداءات الإمبريالية أكثر فأكثر جاذبيةً.
- يرى قسم من اليسار الدولي أن الإمبريالية الوحيدة هي الولايات المتحدة. ويعتبر الصين وروسيا، بصفتهما عدوين للولايات المتحدة، وكذا الحكومات الموصوفة بـ«التقدمية» مثل حكومتي فنزويلا ونيكاراغوا، حلفاء ينبغي ألا يُنتقدوا. ما رأيك في ذلك؟
بقدر ما أن الإمبريالية نتاج للرأسمالية، لا يمكن اعتبار أي دولة رأسمالية معادية للإمبريالية بطبيعتها. وفي حالتي الصين وروسيا، يمكن بسهولة تتبع كيف تسعى حكومتاهما إلى تصدير تناقضات رأسماليتهما المحلية بالانخراط في هذه الأفعال القسرية الدولية. وبالتالي، يمكن رصد إمبريالية من جانب هذين البلدين والتنديد بها. أما البلدان الطرفية المذكورة، فأود أن أشير ببساطة إلى أن معارضة الولايات المتحدة ليست مؤشراً على التقدمية، ولكن يجب أيضاً الانتباه إلى حقيقة أن هذه المعارضة قد تسهم في كثير من الأحيان في تفسير سبب فشل هذه البلدان في إرساء تقدمية حقيقية على المدى الطويل. وهذا، في هذه الحالة، أحد أهم استنتاجات نظرية التبعية.
بالإضافة إلى ذلك، تبدو لي مسألة مستويات الحجم حاسمة. إن مقدرة الولايات المتحدة على إلحاق الأذى تفوق بشكل لا يُقارن مقدرة جميع القوى الإمبريالية الأخرى. وتتوافق هذه الملاحظة مع فكرة طرحتها روزا لوكسمبورغ في نقدها لكتاب «الجيش الجديد» لجان جوريس. حيث تؤكد أن المهمة الأولى لمناهضة الإمبريالية تتمثل في صد القوة المادية لتطور الرأسمالية العالمية. وبما أن الولايات المتحدة تشرف على العولمة، يجب توجيه نقد خاص لهذا الإمبريالية. في الوقت الراهن، حيث يسبب العدوان الإمبريالي على إيران أزمة تضخم في جميع أنحاء العالم ويهيئ أزمة زراعية، يبدو لي أن الوضع مواتٍ بشكل خاص للتأكيد على أن الإمبريالية تكلف العمال ثمناً باهظاً. يمكن أن يكون ارتفاع تكاليف المعيشة الذي تسببه الولايات المتحدة ويدعمه حلفاؤها في أوروبا وأماكن أخرى رافعة لتوسيع نطاق حراك مناهض للحرب، يخاطب الشعوب مباشرة. وبما أن الإمبريالية تنعكس سلبًا وبشكل فوري على جيوب السكان في جميع أنحاء العالم، فثمة فرصة فريدة وملموسة للتعبئة.
وأخيرًا، أود أن أشير إلى أن لوكسمبورغ تنتقد أيضًا تمييز الحرب الهجومية عن الحرب الدفاعية الذي روجه جوريس. فبدلًا من الاكتفاء بالتساؤل عن أي البلدان هو المعتدي، تدعو لوكسمبورغ — بما يتسق تمامًا مع المنهج الأساسي للنظرية الماركسية للإمبريالية — إلى تحليل دينامية الصراع الشاملة بالانطلاق من التوترات الكامنة وراء عملية التراكم. لا تتبع هذه الدينامية دائمًا نمطًا ثنائي الأبعاد. يكفي أن نفكر في الخلفية التاريخية للحرب في أوكرانيا: فقد كانت كل من روسيا والاتحاد الأوروبي تحاولان الخروج من أزمة 2008-2009 من خلال الانفتاح على الخارج. ولذلك أطلقت كلتاهما مشاريع معاهدات تجارة حرة متعارضة، كانت تهدف، من بين أمور أخرى، إلى استغلال العمال والموارد في أوكرانيا.
وهذا لا يلغي بأي حال من الأحوال ضرورة التنديد المحدد بالعدوان الروسي – لأن مسألة العدوان مهمة بالطبع – ولكنه يتيح فهم أن الاتحاد الأوروبي يتحمل أيضًا مسؤولية في هذا الصراع. يكمن في الواقع وراء ملاحظات لوكسمبورغ ما صاغه هنري لوفيفر لاحقًا، مستندًا إلى نظرية لينين السياسية، تمييزًا بين «السبب» و«الدافع». فالأسباب موضوعية وعشوائية، في حين تنبع الدوافع من عمل واع. بعبارة أخرى، تدعونا لوكسمبورغ إلى الخروج من التركيز الحصري على دوافع الصراع الدولي – الذي يشكل جوهر التصور الليبرالي للحروب – لكي نأخذ في الاعتبار أيضًا ديناميات الاقتصاد السياسي، التي تقع خارج نطاق التمثيل الذاتي أو الوعي الواضح لدى صانعي القرار السياسي.
ومن الآثار العملية لهذه الاعتبارات إدراك أن إعادة التسلح الهائلة للدول الأوروبية لا تتسم بأي طابع دفاعي. ويمكن استنتاج ذلك بشكل سطحي من خلال ملاحظة أنه وفقًا لأحدث البيانات (2024)، وحدها الولايات المتحدة تسجل نفقات عسكرية تفوق تلك الخاصة بالدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو. وتبلغ النفقات العسكرية لهذه الدول الأوروبية ثلاثة أضعاف تلك الخاصة بروسيا، وذلك حتى في الوقت الذي تشهد فيه روسيا عملية عسكرة مكثفة منذ غزو أوكرانيا. وعلى العكس من ذلك، كانت نفقات روسيا العسكرية، قبل هذا الغزو، تبلغ عشرة أضعاف نفقات أوكرانيا العسكرية، ومع ذلك تكافح روسيا من أجل إحراز تقدم. لكن نظرية الإمبريالية تقدم تحليلاً أعمق: في خضم ركود اقتصادي عميق يعزى إلى كل من سياسة التقشف الدائم المنصوص عليها في معاهدات الاتحاد الأوروبي وإلى التباطؤ العام في دينامية الرأسمالية، تسعى الدول الأوروبية إلى التزود بالوسائل اللازمة للاستيلاء بالقوة على ما تبقى من أرباح ضئيلة يمكن تحقيقها على الصعيد العالمي. إن العسكرة لا تهيئ للسلام بل للحرب. ويمكن لنزع السلاح أن يمنعها، ويفتح في الآن ذاته آفاقاً أوسع للتغيير الاجتماعي.
*
أجرى الحوار: خوان تورتوسا. نُشرت نسخة أولى من هذه المقابلة على موقع «Solidarités».
مراجعة الترجمة الآلية : جريدة المناضل-ة
ملاحظات
[1] حول استمرار وجود الدولة -الأمة، وبالتالي عدم زوالها على الرغم من عولمة رأس المال، انظر:
Joachim Hirsch, La théorie matérialiste de l’État, Syllepse, 2025.
[2] تحليل أكثر تفصيلاً حول الواقع الحالي للإمبريالية الأمريكية، انظر https://www.contretemps.eu/reconnaitre-une-guerre-imperialiste-le-cas-de-liran/
اقرأ أيضا

