احتجاجات كادحي/ ات تزنيت ضدّ تردّي قطاع الصّحة وفَساده، ومنْ أجل خدمات صحّية مجّانية وجيّدة: حصيلةٌ وآفاق

شهدت‭ ‬مدينة‭ ‬تيزنيت،‭ ‬طوال‭ ‬العام‭ ‬الجاري‭ ‬2018،‭ ‬جملة‭ ‬وقفات‭ ‬ومسيرات‭ ‬احتجاج‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬الطبيب‭ ‬المهدي‭ ‬الشافعي ‬(جراحة‭ ‬الأطفال) ‬من‭ ‬مضايقات‭ ‬وتهميش،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مسؤولي‭ ‬المستشفى‭ ‬والقطاع،‭ ‬بلغ‭ ‬حد‭ ‬منع‭ ‬مرضاه‭ ‬الأطفال‭ ‬وكذا‭ ‬آبائهم‭ ‬من‭ ‬الاتصال‭ ‬به‭.. ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬المدينة‭ ‬مسيرات‭ ‬شبيهة‭ ‬عددا‭ ‬ونوعا‭ ‬منذ‭ ‬نزال‭ ‬حركة‭ ‬20‭ ‬فبراير‭.‬

لاشك‭ ‬أن‭ ‬قضية‭ ‬الطبيب‭ ‬الشافعي‭ ‬مجرد‭ ‬شرارة‭ ‬أخرجت‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬الشوارع،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬أصل‭ ‬الداء‭ ‬أعمق،‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الجماهير‭ ‬لتحتج‭ ‬في‭ ‬بويزكارن‭ ‬و‭ ‬بن‭ ‬كرير‭ ‬وبني‭ ‬ملال‭ ‬وأزيلال‭ ‬و‭ ‬غيرها‭. ‬إنه‭ ‬سياسة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الصحة‭ ‬العمومية‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬قطاعات‭ ‬اجتماعية،‭ ‬منذ‭ ‬عشرات‭ ‬السنين،‭ ‬رضوخا‭ ‬لإملاءات‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاستعمار‭ ‬الجديد‭ (‬بنك‭ ‬العالمي،‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬اتحاد‭ ‬الأوربي‭…) ‬القاضية‭ ‬بتقليص‭ ‬نفقات‭ ‬الخدمات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الضرورية‭ ‬لغالبية‭ ‬الشعب‭ ‬المُفقر،‭ ‬ودفعه‭ ‬إلى‭ ‬مصاصي‭ ‬الدماء‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬مرسوم‭ ‬30‭ ‬مارس‭ ‬1999‭ ‬قد‭ ‬ألغى‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬مجانية‭ ‬خدمات‭ ‬الصحة‭ ‬العمومية‭. ‬

إن‭ ‬الدولة‭ ‬المغربية‭ ‬منضبطة‭ ‬حرفيا‭ ‬للسياسة‭ ‬النيوليبرالية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الربح‭ ‬بدل‭ ‬خدمة‭ ‬صحية‭ ‬مجانية‭ ‬وجيدة‭ ‬للمواطنين‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬حق‭. ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬المدمرة‭ ‬لمكاسب‭ ‬الجماهير‭ ‬الشعبية،‭ ‬وما‭ ‬تولد‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬استشراء‭ ‬الفساد‭ ‬بكل‭ ‬أشكاله‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحية،‭ ‬من‭ ‬رشوة‭ ‬و‭ ‬بيع‭ ‬للأدوية‭ ‬و‭ ‬استدراج‭ ‬المرضى‭ ‬إلى‭ ‬عيادات‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬عوض‭ ‬المستشفيات‭ ‬العمومية،‭ ‬وغيرها‭ ‬كثير‭… ‬كلها‭ ‬مجتمعة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬الانفجارات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬ربوع‭ ‬المغرب،‭ ‬ومنها‭ ‬تيزنيت،‭ ‬وستظل‭ ‬هذه‭ ‬الاحتجاجات،‭ ‬بل‭ ‬ستتعاظم‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬علة‭ ‬اشتعالها‭ ‬قائمة‭.‬

دينامية‭ ‬نضالية‭ ‬واعدة

نقص‭ ‬مهول‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬الصحة‭ ‬العمومية‭ ‬بالإقليم‭ ‬على‭ ‬الأصعدة‭ ‬كافة،‭ ‬شبيه‭ ‬بالقائم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ربوع‭ ‬البلد،‭ ‬تزيده‭ ‬استفحالا‭ ‬جغرافية‭ ‬المنطقة‭ ‬الوعرة،‭ ‬ونقص‭ ‬الطرقات‭. ‬هذا‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬سوء‭ ‬الإدارة‭ ‬وفسادها،‭ ‬واستشراء‭ ‬كل‭ ‬مظاهر‭ ‬الرشوة‭ ‬والابتزاز‭ ‬والمتاجرة‭ ‬بصحة‭ ‬المواطنين‭. ‬واقع‭ ‬يواجهه‭ ‬الكادحون‭ ‬بحلول‭ ‬فردية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ظهر‭ ‬فتيل‭ ‬تفجير‭ ‬الغضب‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬نضالي‭ ‬بالموقف‭ ‬المشرف‭ ‬للدكتور‭ ‬الشافعي‭. ‬

بدأت‭ ‬دينامية‭ ‬الاحتجاج‭ ‬بوقفة‭ ‬أمام‭ ‬مستشفى‭ ‬الحسن‭ ‬الأول‭ ‬يوم‭ ‬4‭ ‬مارس‭ ‬2018،‭ ‬و‭ ‬قد‭ ‬سبقتها‭ ‬وقفة‭ ‬نظمها‭ ‬بعض‭ ‬أمهات‭ ‬وآباء‭ ‬أطفال‭ ‬مرضى‭ ‬أمام‭ ‬مندوبية‭ ‬الصحة،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬مسيرة‭ ‬هي‭ ‬الأكبر‭ ‬يوم‭ ‬9‭ ‬سبتمبر‭ ‬2018‭. ‬و‭‬ما‭ ‬بينهما‭ ‬توالت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬وقفات‭ ‬ومسيرات‭ ‬تجوب‭ ‬الشارع‭ ‬الرئيسي‭ ‬وتنتهي‭ ‬غالبا‭ ‬أمام‭ ‬بناية‭ ‬عمالة‭ ‬الإقليم‭. ‬و‭ ‬تتمحور‭ ‬الشعارات‭ ‬حول‭ ‬محاربة‭ ‬الفساد‭ ‬بمستشفيات‭ ‬المدينة‭ ‬والمطالبة‭ ‬بخدمات‭ ‬صحية‭ ‬مجانية‭ ‬وجيدة،‭ ‬وفضح‭ ‬بعض‭ ‬رموز‭ ‬الفساد‭ ‬مثل‭ ‬مدير‭ ‬مستشفى‭ ‬الحسن‭ ‬الأول‭ ‬والمافيا‭ ‬المحيطة‭ ‬به،‭ ‬و‭ ‬إعلان‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬الطبيب‭ ‬الشافعي‭. ‬شاركت‭ ‬كادحات‭ ‬وكادحون‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬قرى‭ ‬الإقليم،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬قدموا‭ ‬من‭ ‬أقاليم‭ ‬قريبة‭ ‬ومن‭ ‬مدن‭ ‬أخرى‭. ‬وكان‭ ‬حضور‭ ‬النساء‭ ‬لافتا،‭ ‬إذ‭ ‬مثلن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلثي‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المسيرات،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي‭ ‬بحكم‭ ‬أنهن‭ ‬الأكثر‭ ‬تضررا‭ ‬من‭ ‬تردي‭ ‬خدمات‭ ‬الصحة‭.‬

مكاسب‭ ‬أولية

خشية‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬امتداد‭ ‬الحراكات‭ ‬الشعبية‭ ‬المحلية‭ ‬والمعزولة‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى،‭ ‬وخوفها‭ ‬من‭ ‬قيام‭ ‬حراك‭ ‬وطني‭ ‬موحد‭ ‬الأهداف‭ ‬والخطوات،‭ ‬يدفعانها‭ ‬إلى‭ ‬الإسراع‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬احتواء‭ ‬التحرك‭ ‬المحلي‭ ‬بالوعود،‭ ‬وبتنازلات‭ ‬جزئية،‭ ‬وبالقمع‭ ‬أو‭ ‬التهديد‭ ‬به‭ ‬عند‭ ‬الاقتضاء‭. ‬ويتوقف‭  ‬قدر‭ ‬تنازلات‭  ‬الدولة‭ ‬وجرعة‭ ‬القمع‭ ‬على‭ ‬السياق‭ ‬الوطني‭ ‬العام‭.‬

وقد‭ ‬تمكن‭ ‬حراك‭ ‬تزنيت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المطالب‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالصحة‭ ‬من‭ ‬انتزاع‭ ‬مكاسب‭ ‬أولية‭ ‬ستكون‭ ‬ولاشك‭ ‬رافعة‭ ‬لزيادة‭ ‬ثقة‭ ‬الكادحين‭ ‬في‭ ‬قدراتهم‭ ‬النضالية،‭ ‬ومن‭ ‬ثمة‭ ‬إنماء‭ ‬الحراك‭ ‬الشعبي‭ ‬المحلي‭. ‬هذا‭ ‬طبعا‭ ‬إذا‭ ‬قامت‭ ‬طلائع‭ ‬الكفاح‭ ‬الفتية‭ ‬بالتعريف‭ ‬بهذا‭ ‬المكاسب‭ ‬على‭ ‬أوسع‭ ‬نطاق،‭ ‬وحفز‭ ‬انضمام‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الكادحين‭ ‬إلى‭ ‬الحركة‭: ‬

ثمار‭ ‬كفاح‭ ‬كادحي‭ ‬تزنيت‭ ‬الاولى‭: ‬

أقدمت‭ ‬وزارة‭ ‬الصحة‭ ‬على‭ ‬تعيين‭ ‬6‭ ‬طبيبات‭ ‬بالمستشفى‭ ‬الإقليمي‭ ‬الحسن‭ ‬الأول،‭ ‬في‭  ‬التخصصات‭ ‬التالية‭: ‬القلب،‭ ‬الأطفال،‭ ‬الكلي‭ ‬وتصفية‭ ‬الدم‭ ‬،الجهاز‭ ‬التنفسي‭ ‬،الغدد‭ ‬والسكري‭ ‬،‭ ‬طب‭ ‬الإنعاش‭ ‬والتخدير؛‭ ‬وهي‭ ‬دفعة‭ ‬أولى‭ ‬من‭ ‬التعيينات‭ ‬ستليها‭ ‬دفعة‭ ‬ثانية‭ .‬

  ‬ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬فتحت‭ ‬الوزارة‭ ‬مناصب‭ ‬للتباري‭ ‬لنفس‭ ‬المستشفى‭ ‬،‭ ‬تهم‭ ‬طب‭ ‬النساء‭ ‬والتوليد‭ ‬،وجراحة‭ ‬العظام،‭ ‬والصحة‭ ‬النفسية‭ ‬والعقلية‭. ‬ومناصب‭ ‬أخرى‭ ‬للأطر‭ ‬شبه‭ ‬الطبية‭ ‬تتضمن‭ (‬10‭) ‬اطر‭ ‬متعددي‭ ‬التخصصات‭ ‬،‭(‬2‭) ‬إطارين‭ ‬في‭ ‬التخدير‭ ‬والإنعاش‭ ‬،‭(‬1‭) ‬إطار‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬،‭(‬1‭) ‬تقني‭ ‬المختبر‭ ‬والتحليلات‭ ‬الطبية‭ ‬،‭(‬1‭) ‬تقني‭ ‬الفحص‭ ‬بالأشعة‭.‬

هذه‭ ‬ثمار‭ ‬مباشرة‭ ‬لحراك‭ ‬تزنيت،‭ ‬ونتائج‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬لحراكات‭ ‬الريف‭ ‬وجرادة‭ ‬وغيرها‭ ‬لأنها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬بثت‭ ‬الرعب‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬الرأسماليين،‭ ‬وجعلتهم‭ ‬يصلون‭ ‬الليل‭ ‬بالنهار‭ ‬لوقف‭ ‬امتداد‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬الشعبية،‭ ‬بكل‭ ‬السبل،‭ ‬منها‭ ‬التنازلات‭. ‬وتجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حراك‭ ‬بيزكارن‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬خدمات‭ ‬صحة‭ ‬جيدة‭ ‬أثمر‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬مكاسب،‭ ‬حيث‭ ‬قامت‭ ‬وزارة‭ ‬الصحة‭ ‬بتعين‭ ‬أطر‭ ‬طبية‭ ‬بالمستشفى‭ ‬المحلي‭ ‬همت‭ ‬التخصصات‭ ‬التالية‭:‬

‭* ‬طبيبين‭ ‬تخصص‭ ‬ولادة‭* ‬طبيب‭ ‬جراح‭* ‬طبيب‭ ‬تخدير‭ ‬وانعاش‭* ‬طبيبين‭ ‬تخصص‭ ‬طب‭ ‬الأطفال‭* ‬طبيب‭ ‬عام‭* ‬تقني‭ ‬إسعاف‭. ‬

وكذلك‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬إيفني‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬مؤخرا‭ ‬تزويد‭ ‬المستشفى‭ ‬المحلي‭ ‬لإيفني‭ ‬،بتجهيزات‭ ‬طبية‭ ‬همت‭:* ‬اقتناء‭ ‬وتركيب‭ ‬جهاز‭ ‬السكانير‭* ‬الرفع‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬المحول‭ ‬الكهربائي‭* ‬اقتناء‭ ‬وتركيب‭ ‬العاكس‭ ‬الكهربائي‭* ‬اقتناء‭ ‬معدات‭ ‬طبية‭ ‬لمركز‭ ‬الترويض‭ ‬الاستشفائي‭* ‬تهيئة‭ ‬قاعة‭ ‬الترويض‭ ‬الطبي‭* ‬اقتناء‭ ‬وتركيب‭ ‬جهاز‭ ‬الفحص‭ ‬بالأشعة‭* ‬اقتناء‭ ‬جهاز‭ ‬عمود‭ ‬التنظير‭ ‬الهضمي‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬تثبيت‭ ‬المكاسب‭ ‬وتطويرها‭ ‬سوى‭ ‬بمواصلة‭ ‬التعبئة‭ ‬والتنظيم‭.  ‬المطلوب‭ ‬ضم‭ ‬قوى‭ ‬نضال‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬تزنيت،‭ ‬والسعي‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬تنسيق‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬جهة‭ ‬سوس‭ ‬ماسة،‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬أول‭. ‬لاسيما‭ ‬أن‭ ‬بالجهة‭ ‬بؤر‭ ‬كفاح‭ ‬عديدة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬عمومية‭ ‬جيدة‭ ‬ومجانية‭ ‬،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬كون‭ ‬هذا‭ ‬أحد‭ ‬المطالب‭ ‬الخمس‭ ‬لحراك‭ ‬ايفني‭ ‬المجيد‭ ‬في‭ ‬2005-2008‭. 

تنظيم‭ ‬التعبئة‭ ‬والاحتجاج‭ ‬

‭ ‬يقوم‭ ‬شباب‭ ‬يلج‭ ‬معظمهم‭ ‬ميدان‭ ‬النضال‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬بدور‭ ‬فعال‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬الاحتجاجات‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬تجارب‭ ‬سابقة‭ ‬مثل‭ ‬حراك‭ ‬20‭ ‬فبراير،‭ ‬وتجربة‭ ‬المعطلين‭ ‬والباعة‭ ‬المتجولين،‭ ‬وخبرة‭ ‬النضال‭ ‬الطلابي،‭ ‬قد‭ ‬أفادت‭ ‬الحراك‭ ‬الجاري‭ ‬حول‭ ‬الصحة‭. ‬وأول‭ ‬دلالات‭ ‬هذا‭ ‬الحراك‭ ‬هو‭ ‬حجم‭ ‬الاستعداد‭ ‬النضالي‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الشعبية،‭ ‬فحملات‭ ‬القمع‭ ‬التي‭ ‬تنظمها‭ ‬الدولة‭ ‬ضد‭ ‬الحراكات‭ ‬الشعبية‭ ‬بمناطق‭ ‬مختلفة،‭ ‬من‭ ‬ريف‭ ‬وجرادة‭ …‬،‭ ‬لم‭ ‬تمنع‭ ‬كادحي‭ ‬تزنيت‭ ‬من‭ ‬النزول‭ ‬إلى‭ ‬الشارع،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬مبرر‭ ‬عدم‭ ‬قانونية‭ ‬الاحتجاج‭ [‬الترخيص‭] ‬قد‭ ‬يستعمل‭ ‬ضدهم‭. ‬

إن‭ ‬الطابع‭ ‬الأولي‭ ‬لتنظيم‭ ‬الاحتجاج‭ ‬جلي‭ ‬في‭ ‬اقتصار‭ ‬التعبئة‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ [‬الأثير‭] ‬دون‭ ‬التقاء‭ ‬واسع‭ ‬مباشر‭ ‬بين‭ ‬الفاعلين‭ ‬لنقاش‭ ‬مجريات‭ ‬النضال‭ ‬وتحديد‭ ‬المطالب،‭ ‬وتنظيم‭ ‬التعبئة‭ ‬بأحياء‭ ‬المدينة‭ ‬وبربوع‭ ‬الإقليم‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أعطى‭ ‬عنه‭ ‬حراك‭ ‬جرادة،‭ ‬وقبله‭ ‬حراك‭ ‬الريف،‭ ‬مثالا‭ ‬مفيدا‭ ‬جدا‭. ‬شباب‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬قام‭ ‬بدوره،‭ ‬يبقى‭ ‬دور‭ ‬المناضلين‭ ‬المنظمين‭. ‬المقصود‭ ‬النقابات‭ ‬العمالية‭ ‬وقوى‭ ‬اليسار‭ ‬بأطيافه‭. ‬مع‭ ‬الأسف‭ ‬لا‭ ‬اثر‭ ‬لهؤلاء‭. ‬وهذا‭ ‬تخاذل‭ ‬أدانه‭ ‬المتظاهرون‭ ‬مرارا،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أن‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬مناضلي‭ ‬القواعد‭ ‬في‭ ‬النقابات‭ ‬يشاركون‭ ‬كأفراد‭ ‬في‭ ‬حراك‭ ‬تزنيت‭. ‬

‭ ‬نقابات‭ ‬الأجراء‭: ‬أول‭ ‬معني‭ ‬بمشكل‭ ‬الصحة‭ ‬هو‭ ‬النقابات‭ ‬العمالية،‭ ‬فهي‭ ‬تنظم‭ ‬الكادحين‭ ‬الأكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للتنظيم،‭ ‬أي‭ ‬الأجراء‭ ‬بأماكن‭ ‬العمل‭  ‬التي‭ ‬تجمعهم‭. ‬ومطلب‭ ‬الصحة‭ ‬مطلب‭ ‬نقابي‭ ‬بامتياز‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬منه‭ ‬دفتر‭ ‬مطالب‭ ‬أي‭ ‬نقابة‭ ‬أو‭ ‬بيانات‭ ‬مؤتمراتها‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬تزنيت‭ ‬غابت‭ ‬النقابات‭ ‬العمالية‭ ‬دون‭ ‬تبرير‭. ‬فبافتراض‭ ‬وجود‭ ‬مانع‭ ‬لمشاركتها‭ ‬أو‭ ‬ضرر‭ ‬فيها،‭ ‬فما‭ ‬عليها‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تعلم‭ ‬المحتجين‭ ‬وتقنعهم‭. ‬أما‭ ‬أن‭ ‬يناضل‭ ‬الناس‭ ‬وتختفي‭ ‬منظمات‭ ‬النضال،‭ ‬فهذا‭ ‬يسمى‭ ‬إفلاسا‭ ‬تاريخيا‭. ‬يطرح‭ ‬هذا‭ ‬مهمة‭ ‬إنقاذ‭ ‬النقابات‭ ‬من‭ ‬المستنقع‭ ‬الذي‭ ‬هوت‭ ‬إليه،‭ ‬وتلك‭ ‬مهمة‭ ‬الجيل‭ ‬الفتي‭ ‬من‭ ‬الأجراء‭ ‬والأجيرات،‭ ‬فقد‭ ‬دلت‭ ‬تجارب‭ ‬النضال‭ ‬عبر‭ ‬العالم‭ ‬أن‭ ‬نضالا‭ ‬بلا‭ ‬تنظيم‭ ‬عمالي‭ ‬بدور‭ ‬فعال‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للفشل‭. ‬

مزيد‭ ‬من‭ ‬إنزال‭ ‬التعبئة‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭: ‬مع‭ ‬الإقرار‭ ‬بالمكسب‭ ‬العظيم‭ ‬الذي‭ ‬تمثله‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬حيث‭ ‬تمكن‭ ‬الكادحين‭ ‬من‭ ‬توحيد‭ ‬جهودهم،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬النظام‭ ‬يتربص‭ ‬بها‭ ‬ويسعى‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬ممكناتها،‭ ‬يتطلب‭ ‬تطوير‭ ‬الكفاح‭ ‬الشعبي‭ ‬التعبئة‭ ‬المباشرة‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬العمل‭ ‬والسكن،‭ ‬على‭ ‬شاكلة‭ ‬تجربة‭ ‬جرادة‭ ‬والريف‭. ‬وهذا‭ ‬دورنا‭ ‬جميعا‭ ‬في‭ ‬قاعدة‭ ‬النقابات‭ ‬والجمعيات‭ ‬الحقوقية‭ ‬وجمعيات‭ ‬الأحياء‭ ‬والقوى‭ ‬اليسارية‭ ‬المناضلة،‭ ‬المنظمة‭ ‬وغيرها‭. ‬ولسنا‭ ‬هنا‭ ‬بصدد‭ ‬وضع‭ ‬وصفة‭ ‬جاهزة‭ ‬بل‭  ‬إثارة‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬سبل‭ ‬التعبئة‭ ‬الشعبية‭ ‬القاعدية‭ ‬ذات‭ ‬الفعالية‭ ‬الأشد‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬حركات‭ ‬النضال‭: ‬لجاء‭ ‬كادحين‭ ‬وكادحات‭ ‬في‭ ‬الأحياء،‭ ‬تشكل‭ ‬منهم‭ ‬مباشرة‭ ‬،‭ ‬وليست‭ ‬تمثيلية‭ ‬لمنظمات‭ ‬قائمة‭ (‬جزبية‭ ‬ونقابية‭ …) ‬تناقش‭ ‬جماعيا‭ ‬وتقرر‭ ‬بديمقراطية،‭ ‬وتنتدب‭ ‬ممثلين‭ ‬قابلين‭ ‬للعزل،‭ ‬يقدمون‭ ‬كشوف‭ ‬حساب‭ ‬للجموع‭ ‬العامة‭.  

‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬

تم‭ ‬تحقيق‭ ‬المكاسب‭ ‬المنوه‭ ‬بها‭ ‬أعلاه،‭ ‬لكن‭ ‬سياسة‭ ‬الدولة‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الصحة‭ ‬لم‭ ‬تتغير،‭ ‬وستبرز‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬ميزانية‭ ‬العام‭ ‬2019‭ ‬استمرار‭ ‬التقشف‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وإغداق‭ ‬الامتيازات‭ ‬على‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬ومواصلة‭ ‬استنزاف‭ ‬البلد‭ ‬بخدمة‭ ‬الديون،‭ ‬الخ‭. ‬

إن‭ ‬ميزان‭ ‬قوى‭ ‬إجمالي‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬البلد‭ ‬كفيل‭ ‬دون‭ ‬سواه‭ ‬بإجبار‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التنازلات‭ ‬الفعلية،‭ ‬كالتي‭ ‬انتزعها‭ ‬حراك‭ ‬20‭ ‬فبراير‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2011‭. ‬وبلوغ‭ ‬ميزان‭ ‬قوى‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القبيل‭ ‬يستوجب‭ ‬بناء‭ ‬التعبئة‭ ‬بالمنهجية‭ ‬الكفاحية‭ ‬في‭ ‬القاعدة‭ ‬الشعبية،‭ ‬وتدقيق‭ ‬المطالب،‭ ‬ونسج‭ ‬علاقات‭ ‬الـتضامن‭ ‬والتعاون‭ ‬إقليميا‭ ‬وجهويا‭ ‬ووطنيا‭.‬

‭ ‬ليست‭ ‬الخدمة‭ ‬الصحية‭ ‬العمومية‭ ‬والمجانية‭ ‬سوى‭ ‬مطلب‭ ‬ضمن‭ ‬التطلعات‭ ‬الإجمالية‭ ‬لكادحي‭ ‬المغرب‭ ‬وكادحاته‭ ‬بمختلف‭ ‬المناطق‭. ‬فثمة‭ ‬مشاكل‭ ‬البطالة‭ ‬المستشرية‭ ‬وهشاشة‭ ‬الشغل،‭ ‬ومعضلات‭ ‬السكن‭ ‬والتعليم،‭ ‬وهلم‭ ‬جرا‭. ‬

‭ ‬لق‭ ‬بات‭ ‬المغرب‭ ‬مرجلا‭ ‬يغلي‭ ‬بالاحتجاج‭ ‬،‭ ‬وإن‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬غير‭ ‬منسق‭ ‬وطنيا،‭ ‬فقد‭ ‬حقق‭ ‬تراكمات‭ ‬عظيمة‭ ‬منذ‭ ‬حراك‭ ‬طاطا-2005-‭ ‬و‭ ‬ايفني‭ ‬2005-2008،‭ ‬وصفرو‭ ‬2007،‭ ‬و20‭ ‬فبراير‭  ‬والريف‭ ‬وجرادة‭.  ‬إننا‭ ‬نسير‭ ‬نحو‭ ‬بناء‭ ‬حركة‭ ‬نضال‭ ‬يفرض‭ ‬عليها‭ ‬منطق‭ ‬الحاجات‭ ‬والمطالب‭ ‬الشعبية‭ ‬أن‭ ‬تبلور‭ ‬مشروع‭ ‬مجتمع‭ ‬بديل‭ ‬يبنى‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬الهمجية‭ ‬الرأسمالية‭ ‬السائدة‭.  ‬وقد‭ ‬دخلت‭ ‬تزنيت‭ ‬تاريخ‭ ‬هذا‭ ‬الكفاح‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬مطلب‭ ‬الصحة‭ ‬العمومية‭ ‬المجانية‭ ‬والجيدة‬،‭ ‬فلنواصل…  ‬وإلى‭ ‬الأمام‭   

بقلم‭ ‬ي‭.‬غ

Print Friendly, PDF & Email